أما بعد، فها نحن نقترب يومًا بعد يوم من موعد الانتخابات النيابية اللبنانية المنتظرة منذ تسع سنوات والمؤجلة ثلاث مرات وبات من شبه المؤكد أن لا تأجيل رابع لها.

من أهم ما يميز هذه الانتخابات هو العدد القياسي للمرشحين والذي ناهز الألف مرشح، أكثر من 10% منهم من النساء.  إن حجم الترشيحات غير المسبوق في تاريخ الانتخابات النيابية اللبنانية مرتبط بعاملين اثنين:

1- طبيعة القانون الانتخابي النسبي الذي يتيح لفئات أقلية باختراق اللوائح الكبرى.

2- انطباع عام لدى فئات نخبوية واسعة أن النظام لم يعد يتسع لها في ظل احتكار الأحزاب الطائفية الكبرى ونخبها للواجهة السياسية والإدارية للبلاد.

هذه الميزة الإيجابية بالطبع يجب أن لا تعمي عيون أحد عن البحث عما سيميز كل فريق وكل لائحة عن غيرها. وإذا كانت معظم قوى الطبقة السياسية قد أعلنت برنامجًا واحدًا تقريبًا اسمه «التحالف على القطعة» – ربما باستثناء حزب الله، بانتظار إعلان لائحته في كسروان وجبيل – فالأنظار تتجه بالطبع إلى القادمين الجدد إلى الحلبة الانتخابية وخاصة القوى والأحزاب الجديدة المتنوعة في المجتمع المدني.

الجميع مع حقوق المرأة وكلهم ضد الفساد ومع المحاسبة والمساءلة وشفافية النظام وضد التبعية والاستقواء بالخارج وحل مشكلة النفايات وحل مشكلة السكن وفرص العمل للشباب ووقف هجرة الشباب والأدمغة وكم هائل من اختناقات عنق الزجاجة في لبنان.

والملفت إن تشابه البرامج لا يقوم فقط ضمن مكونات القادمين الجدد بل يتشابه أيضًا مع برامج بعض القوى المعترضة ضمن النظام. لا أحد ضد محاربة الفساد وحل مشكلة النفايات إلى آخر بند في البرامج المطروحة وكلهم يستندون إلى دراسات استشارية كاملة تؤيد وجهات نظرهم وربما مصالحهم داخل النظام وخارجه.

أدعوكم إلى مقارنة شعارات المجتمع المدني بشعارات حملة حزب الكتائب أو حزب القوات اللبنانية أو تيار العزم أو حتى تيار الوزير أشرف ريفي. لقد قيض لي أن أحضر مؤخرًا ندوة لأحد أقوى وزراء الحكومة اللبنانية، وسمعته يقول فيها كلامًا عن الفساد والمحاسبة تتخيل لو أغمضت عينيك للحظة أن أحد الوجوه المتحمسة للمجتمع المدني هو من يتكلم.

تتشابه البرامج لتصبح كلها بلا معنى. وتصبح كلها موضوع استهلاك انتخابي وتنافس على مسايرة المشاعر النبيلة للمواطنين.

البرنامج ليس الشعار! حقيقة أقر بها علم السياسة منذ الثورة الفرنسية. البرنامج هو مجموعة من المطالب المحددة غير الفضفاضة التي يعتقد الناس أن تحقيقها ممكن دون التعرض لقيمهم الكبرى ومصالحهم بل هي تقوم بتعزيز هذه القيم ودفع حياتهم نحو الأفضل.

وهنا بيت القصيد. إن العجز عن إنتاج برنامج سياسي يعبر عن سطحية المفاهيم السياسية لدى غالبية القوى التي تريد تغيير النظام. وهم، إضافة لذلك، يطبقون الصمت حول كل ما قد يشكل موضوعات الخلاف الأساسية في لبنان. مثلًا هل يعلم أحدنا إذا كانوا مع دستور الطائف أو مع النظام الطائفي بشكل عام أو مع إلغاء الطائفية السياسية أو مع العلمنة؟ والأمر نفسه ينطبق على الموقف من المقاومة الإسلامية وسلاحها وكلهم، كما معظم المؤتلفين في النظام، مع الاستراتيجية الدفاعية التي لا يوجد تحت عنوانها البراق سوى الخراب. أسرد هذين المثالين لأني قد قرأت أو سمعت مواقف متضاربة جدًا من شباب من نفس المجموعة عبرت عن هذا التناقض بوضوح. وهذه النقاط هي عينة عن الكثير من الأسئلة الجوهرية التي لا نجد موقفًا سياسيًا منها في مجموعة الخطابات الجديدة.

إذا كانت تشكيلات المجتمع المدني لا تملك أجوبة لهذه الأسئلة فتلك مصيبة، وإذا كانت تتجاهلها عن عمد فالمصيبة أكبر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد