ربما كان حديث السيسي في مؤتمر الشباب 14 سبتمبر (أيلول) كاشف بأكثر مما يحب أن يفصح عنه، وأضف إلى ذلك لغة الجسد والتلعثم والعديد من الجمل غير المفهومة وغير المترابطة، والتي ربما يكون سببها عدم التحضير والتدريب الكافي على ما سوف يقوله، وخروجه على نقاط الحديث المعدة سلفًا له.

في البداية سبب اهتزاز السيسي وقيامه بالرد على فيديوهات المقاول محمد علي، على الرغم من طلب الأجهزة المعاونة له بعدم الحديث، وكما قال «كانوا بيبوسوا ايدي علشان ما اتكلمش»! وهي جملة غريبة وشاذة بنسبة كبيرة من رئيس دولة لها نظام جمهوري وليست ملكية مطلقة مثل ممالك الخليج، حيث يقوم المسئولين فيها بتقبيل يد الملك أو الأمير الحاكم كتقليد متبع ويرمز إلى العبودية التامة ويسبقه لقب سيدي الملك أو سيدي الأمير، أما في النظم الجمهورية حيث يكون الرئيس مجرد فرد من الشعب ويحكم في إطار دستور وقانون، سواء كان منتخبًا أو خلافه، ومن باب حفظ المظاهر لا يقوم كبار المسئولين في الدولة أو قادة الجيوش أو المواطنيين بتقبيل أيدي رؤسائهم، ولكن الوضع في مصر كما هو معروف هو مسخ من الجمهورية العسكرليتارية الملكية التي هي خليط من كل ما سبق ويصبح الرئيس هو الملك والقائد والزعيم والإله متجسد في شخص واحد.

النقطة الأهم في رأيي هو حديث الرئيس المصري عن القوات المسلحة المصرية والتي وصفها بأنها مؤسسة مغلقة وقلقه، بل رعبه الواضح من الضباط الصغار وهي الرتب من ملازم وحتى مقدم أو عقيد لعلمه التام أن المعلومات والاتهامات التي وجهها محمد علي إلى السيسي وكبار الضباط، والتي تتعلق بسفه في الأنفاق وبدلات، ورشا تصل إلى المليارات، والسيسي بالطبع كمدير سابق لجهاز المخابرات الحربية يعلم تمامًا أهمية هذه الفئة في الجيش المصري ويعلم أكثر أنهم مصدر الخطر الأكبر، وربما الوحيد علي حكمه لأنها لديها السلاح والقوات التي تستطيع إثارة الاضطرابات داخل القوات المسلحة والدولة بأكملها، وعلى جانب الضباط الصغار أتفهم حالة غضبهم لأنهم اكتشفوا أن العبء الأكبر واقع عليهم، سواء الضباط الذين عليهم مواجهة الجماعات الإرهابية في سيناء مع ضعف التدريب ويفقدون حياتهم في هذه المواجهات أو الذين عليهم القيام بوظائف في القطاع الاقتصادي للجيش، ومنها بيع الخضروات والفاكهة والطرق والكباري والمزارع السمكية ولا يقبضون إلا الفتات مقارنة بالقادة الذين يتلقون الملايين، وربما المليارات وهو مكمن الخطر بالنسبة للنظام.

مع تولي السيسي الحكم في أعقاب انتهاء رئاسة عدلي منصور المرحلة الانتقالية والذي لم يكن أكثر من رئيس ديكور، وبينما كان السيسي ومدير مكتبه آنذاك عباس كامل يرسلون إلى الرئاسة مشروعات القوانين التي توطد من نفوذ المؤسسة العسكرية وتحصن ضباطها من أي نوع من المسألة القانونية وفي نفس الوقت أطلقت أيدي المخابرات الحربية في مراقبة المصريين المدنيين وتشكيل أجهزة أخرى معاونة للتعامل مع «السوشيال ميديا» ومع تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة رسميًا في 8 يونيو (حزيران) 2014 بدأت الأجهزة المختلفة في بسط سيطرتها الكاملة علي الشعب من المخابرات الحربية التي أصبحت بنك المعلومات الأول عن الناشطين المصريين والموظفين في الدولة إلى المخابرات العامة التي بدأت عملية ممنهجة للسيطرة علي الوسائل الإعلامية في مصر بقيامها بشراء جميع المحطات التلفزيونية والمواقع الإخبارية، وأصبحت الرسالة الإعلامية موحدة علي الجميع إلى الأمن الوطني الذي أصبح المورد الأساسي للموارد البشرية والعضلات التي تكسر عظام المصريين إى الغول الأكبر وهو المؤسسة العسكرية التي أصبحت تسيطر على أكثر من 50٪؜ من الاقتصاد المصري.

ربما أكثر كلمة قالها السيسي و كررها والتي اعتبرها المفتاح في فهم ماذا كان يريد أن يقول وهي «الثقة»، وهذه الثقة ليست المقصودة بها الثقة بينه وبين الشعب، ولكن الثقة بينه وبين القوات المسلحة والثقة بين الضباط الصغار وقادتهم وهي المفتاح في فهم العلاقات المعقدة في إطار العسكرية المصرية، السيسي وأركان حكمه لا يضعون وزنًا للشعب في هذه المعادلة؛ لأنه كما ذكر السيسي الجيش مؤسسة مغلقة، ولكن ربما لم ينتبه السيسي إلى أن مصر أصبحت أيضًا دولة مغلقة وتسير بشكل كبير نحو أن تكون ميانمار أو كوريا الشمالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

الغريب في الأمر والسؤال الذي يجب أن يطرح هو لماذا لم يذهب السيسي إلى الضباط مباشرة ويقوم بتوجيه حديثه إليهم مباشرة؟ في الوقت الحالي لا يوجد لدي ٱجابة عن ذلك، ولكن السيناريوهات المتداولة كلها تشير إلى حالة غضب مكتوم داخل المؤسسة العسكرية والسيسي لا يريد مواجهة مباشرة مع الضباط الصغار وبالطبع المخابرات الحربية لديها قلق كبير، وربما يكون ذلك مؤشرًا على أنه ربما يكون الأفضل لها أن تتوقف عن مراقبة المواطنين المدنيين، واعتراض الإيميلات الخاصة بهم وملاحقتهم في الداخل والخارج والتركيز علي مهامها الرئيسة داخل القوات المسلحة وعمليات الاستطلاع التي أهملتها طوال الخمس سنوات الماضية.

للحديث بقية حول هل هناك ثورة قادمة في مصر على المدى القصير أم لا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد