“اللي حضر الجني يصرفه” هكذا قيل قديمًا، لكن الجيش المصري على ما يبدو جريحٌ من جني لا يقدر على صرفه.

تبدأ القصةُ في الرابع والعشرين من يوليو من العام 2013، أي بعد أيامٍ قليلةٍ من الانقلاب العسكري، وقفَ السيسي ليطلبَ من مؤيديه النزوح إلى الميادين، ليعطوه تفويضًا لمواجهة ما أسماه “الإرهاب المحتمل”، صدَّقَ مؤيدو السيسى زعيمهم، وراحوا يحتفلون بعدها بيومين في الميادين مفوضين السيسي بمواجهة الإرهاب الأسود – المحتمل –، ولكنه وحين انجلت الشمس عن سماءِ المحروسةِ، تعرض كمين حرس الحدود بمنطقة الشلاق عند مدخل مدينة الشيخ زويد لإطلاقِ نارٍ من مجهولين لقي على إثره ضابطًا بالجيش المصري مصرعه، وأصيب أكثر من ثمانية أشخاص ما بين مجند وضابط.

بعدها بساعاتٍ أعلنت الجهاتُ المصرية، نفيرها لمواجهة الإرهاب المستوطن في سيناء في عملية أسمتها عاصفة الصحراء، حسب مصدرٍ أمني في محافظة السويس، وأكد هذا المصدر، أن الموجة الأولى من “عاصفة الصحراء” ستستمر 48 ساعة، وأنه يجري التنسيق بين وحدات الجيش الثاني والثالث الميداني، بالإضافةِ إلى لفيفٍ من القواتِ الجوية والبحرية، كما أكد الخبرُ أن المسلحين الذين قاموا ببعض العمليات الإرهابية الأخيرة بمنطقة الشيخ زويد لا يتجاوز عددهم 500 شخص، وأنهم متواجدون في محيط 4 كيلومترات مربعة، مما يعني سهولةَ استهدافهم.

وفي صبيحة اليوم الثاني شنت قوات الجيش المصري هجمات على أوكار المسلحين، سقط على إثرها عشرة قتلى وإصابةُ عدد كبير من المسلحين في سيناء، كما أكدت المصادر الأمنية اعتقال أكثرَ من 20 شخصًا، وترحيلهم إلى القاهرة ليعرضوا على جهات التحقيق هناك.

استمرت العمليات ما بين كرٍ وفرٍ وقتلى هنا وآخرون هناك، ليستيقظ المصريون بعدها بأيام على خبر جلل، هز مؤيدهم قبل معارضهم، فضُ اعتصامي رابعة والنهضة الذي راح ضحيته الآلافُ من المدنيين العُزل من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، ليقضي السيسي بذلك على وكر كبير من أوكار الإرهاب في مصر، أو هكذا ظن!

ولكن “بعبع” الإرهاب كان ما يزال قائمًا، رغم قضاء السيسي على بؤرته الأم – رابعة والنهضة – فقد شهدت محافظة سيناء وعلى مدار أكثر من عامين، اشتباكات راح ضحيتها أكثر من 100 شخص على الأقل أغلبهم مجندون وإصابة عشرات آخرين.

خضعت سيناء في تلك الفترة لقانون الطوارئ، وأقيمت فيها مناطق عازلة وهُجر أهلها ودمرت بيوتهم على مرأى ومسمع من الإعلام المصري، الذي كان يصورهم دائمًا على أنهم إرهابيون مستحقون لكل ما يجري لهم، بالإضافة إلى الإهمال المتعمد الذي يتجرعه أهل سيناء من قبل الحكومة المصرية، مع وعود أطلقها الرئيس المعزول بالتنمية وإقامة منطقةٍ صناعية واستصلاحٍ للأراضي وتمليكها للشباب السيناوي هناك باءت كلها بالنسيان؛ بعد انقلاب الثالث من يوليو، بالإضافة إلى التهميشِ المتعمد الذي يجري من قبل الإعلام الحكومي والخاص في مصر على القبائل وشيوخها في سيناء.

أما يوم الأربعاء الماضي فقد كان يومًا فريدًا من نوعه، فهجمات الإرهابيين – حسب وصف الإعلام المصري – غير مسبوقة التنظيم، مباغتةٌ متزامنةٌ وواسعة النطاق، اشتباكاتٌ في 15 موقعًا من مواقع الجيش المصري في سيناء؛ من رفح شرقًا إلى الشيخ زويد غربًا، استهدفها مسلحون تابعون لولاية سيناء، سقطَ على إثرها أكثر من 70 عنصرًا من عناصر الجيش، أغلبهم جنود، ولكن الغريبَ في الأمر أن تلك العمليات لم تكن كسابقتها من العمليات التي يشنها تنظيم الدولة بفرعه في سيناء من الكرِ والفر.

بل كانت تلك العملياتُ أشبه بما يحدثُه التنظيم في ولاياته في العراق، من البقاء والتوسع في المكانِ الذي شُنت عليه الهجمات، كما اختلفت طريقة التنظيم حتى في الهجوم، فما بين حرب العصابات التي كان يشنها قبلًا بالإضافة إلى الهجوم باستخدام الدبابات الحربية ومضادات الطائرات، كذلك فخخوا طرق الإمدادات المفترضةِ للجيش المصري، تلى ذلك ومن النقاطِ المستولى عليها استهدفوا طائرات الأباتشي F 16 وأجبروها على التراجع، ساعاتٌ متواصلةٌ من الهجمات على كمائن الشيخ زويد أسفرت عن تدمير أكثر من مركز للشرطة، ونقاط تفتيش للجيش، ونادٍ لاستراحة الضباط.

لكن ذلك لم يكن مشبعًا لهم بل استمروا في القتال وأقاموا معسكراتهم بالقرب من النقاط المستولى عليها، بل والسيطرةِ على ما في الكمائن من معدات ثقيلة للحرب واستخدامها ضد أعدائهم من المرتدين في الجيش المصري حسب وصفهم، ساعاتٌ متواصلةٌ عقدها مجلس الوزراء في أكاديمية الشرطة على غير عادته من الاجتماعات، الأمر الذي لم يلق تفسيرًا واضحًا بل كشفَ الستار عن القلق الدائر عند القادةِ السياسيين في القاهرة، بعدها أصدرت القواتُ المسلحة بيانًا تؤكد فيه أن القتلى في صفوفِ الجيش المصري لا يتعدى عددهم 20 شخصًا، وأنهم أصحابُ الغلبةِ في مواقعِ الاشتباكات، وأن الأعداد التي سقطت في جنباتِ العدو من الإرهابيين تعدُ 100 مسلحٍ أو يزيد، من جانبه أكد التنظيم أن المشاركين في هذه العمليات التي استغرقت ساعاتِ النهار كانوا قرابة 300 شخص، وهو أكبر عدد يشاركُ به التنظيم منذ دخوله البلاد.

تضاربُ المعلوماتِ في الساعاتِ الأخيرة، وتكثيف الهجمات المعدةِ من قبل المسلحين التابعين للدولة الإسلامية في سيناء، يجعل المواطن المصري يطرحُ تساؤلًا، متى يصرف السيسي ذلك الجني الذي حضره في خطابٍ من أول خطاباته بعد انقلابه في الثالث من يوليو من العام 2013؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجيش, سيناء, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد