ما الحياة؟ ما الموت؟ هل الإنسان مخير أم مسير؟ هل يوجد إله؟ إذا وجد إله لماذا يترك الموت، والأمراض، والظلم، والشهوات؟ ماذا يوجد بعد الموت؟ إذا كان يوجد إله لماذا خلق البشر؟ عادة ما تكون تلك الأسئلة هي ما يجول ببال أي إنسان، هناك من يهرب منها، وهناك من يبحث لها عن إجابة. تلك كانت الأسئلة التي يصدم بها الكاتب القارئ في رواية الواجهة؛ فيصيب القارئ شلل للوهلة الأولى من الرواية.

الرواية الجيدة هي التي تشبه المطرقة.

نوعية الكتب الوحيدة التي تستحق القراءة هي تلك التي تخلف فيك جراحًا وطعنات. فلا تكلف نفسك عناء قراءة كتب لا تشعر حين تستيقظ بعد قراءتها برأسك كمن مر من توه بانفجار.

كافكا

رواية الواجهة رواية تنتمي لأدب الواقعية السحرية، ويمكن إدراجها تحت مسمى الرمزية. يوسف عز الدين ذلك الطبيب الذي دخل عالم الأدب وكتب الكثير والكثير من الأعمال. جاء ببساطة وكتب رواية الواجهة ولم يدرك أنه كتب واحدة من أعظم الروايات في تاريخ الأدب المصري بل العالمي. لكنها لم تحظ بالشهرة الكافية، ولم يوف الكاتب حقه.

ماذا يميز أولاد حارتنا عن الواجهة؟

أولاد حارتنا هي الرواية الأكثر إثارة للجدل في العالم العربي، وكانت رواية من ضمن الروايات التي تسببت في حصول نجيب محفوظ على نوبل.

1. أولاد حارتنا رواية رمزية شديدة التعقيد، تحتاج لأن تقرأها عدة مرات لتستوعبها.

2. إلى الآن هناك جدل واسع عن مقصد رواية أولاد حارتنا، يقول بعضهم إنها تمس الرموز الدينية. ويقول بعضهم الآخر إنها تقصد رموزًا سياسية.

3. ولكنها كانت وستظل مثيرة للجدل؛ فهي كلوحة الموناليزا، كل من ينظر إليها يراها بشكل مختلف.

4. حقق نجيب محفوظ غرضه من الرواية، وهو أن كل شخص يقرأها يفسر الرواية من منطقه الخاص، وهنا نجاح حقيقي العمل الرمزي.

5. أما رواية الواجهة فهي رواية عظيمة جدًّا، لكنها على مستوى بسيط وسهل من الرمزية، يمكن لأي شخص فهمها من المرة الأولى.

لكنها رغم ذلك من أعظم الروايات التي كتبت في الأدب المصري، وكانت تستحق أكثر من ذلك من الشهرة.

رحلة الإنسان في الحياة والحيرة الوجودية والبحث عن الحقيقة.. كل ذلك في رواية الواجهة!

تبدأ الرواية بالبطل الذي يصل إلى مدينة لا يعرف عنها شيئًا، ولا يتذكر أي شيء من أين جاء، ومن هو، وكيف جاء، يعرف أن له اسم ميم نون، يجد الطعام والشراب يمنح له بالمجان، ولكنه لا يفهم أي شيء. ثم يعرف أن لتلك المدينة مالكًا لكن لم يره أحد. يقابل واعظًا يخبره أن أهل المدينة لا يرتكبون الفواحش، وأنها مدينة فاضلة لا وجود للخطأ فيها، ولا يسمح ولا يوجد تهاون مع المخطئ. ثم بعد فترة يحرم من الطعام المجاني، عليه العمل في الطاحونة ليكسب رزقه. في تلك البداية تشبيه لحياة الإنسان من المولد إلى مرحلة الشباب، وترميز للعمل والسعي وراء المكسب بالطاحونة التي يظل الإنسان يدور فيها حلقة مفرغة لا تنتهي، يظل الإنسان أسير المال، ثم يبدأ الكاتب بالصدمات.

التساؤل الأول: هل يعترض الكاتب أو يرفض فكرة الموت؟ هل الموت ظلم للإنسان؟

يحدث في الرواية أن ميم نون يرى حادثة تقع أمامه، ثم يخبره الشرطي أنها ليست جريمة ولا حادثة إنما حكم بالإعدام من مالك المدينة، وأن كل شخص في المدينة مهما عاش سيأتي اليوم لينفذ فيه حكم الإعدام. طبعًا يشعر ميم نون بالظلم، ويقصد الكاتب هنا إثارة غضب القارئ أنه ليس من العدالة أن يعيش الإنسان منتظرًا الموت في كل لحظة، وأنه بهذه الطريقة لم يستمتع بالحياة.

وما قيمة كل هذه الخيرات إذا كان الإنسان في هذه المدينة يعيش خائفًا، ينتظر الإعدام في أي لحظة؟ *ميم نون

يقول الكاتب إنها ربما هواية مالك المدينة «يقصد الإله»، الاستمتاع بتنفيذ الأحكام، أو بمعنى آخر موت الإنسان. وهنا تصل إثارة مشاعر الغضب لدى القارئ لآخرها، أو ربما مشاعر الحيرة. ولكنها براعة الكاتب الذي يصدم القارئ بتساؤلات مستمرة وحيرة دائمة للقارئ. ولكن أي شخص في تلك المرحلة سيظن بالكاتب الإلحاد، ولكن الكاتب لن يجيب عن أي تساؤل إلا في نهاية الرواية؛ ليظل محافظًا على حالة الحيرة. تجد نفسك تقول هل الكاتب ملحد؟ أم هل ما يقول حقيقة وأنا المخطئ؟ حيرة دائمة.

الثاني: هل موت الإنسان مجرد هواية للإله؟

وعندما تبدأ في التقاط الأنفاس كقارئ تصدم بسؤال آخر وأنت لم تصل لإجابة الأول؛ إذ ينتقل الكاتب لفكرة أنه ربما تكون هواية مالك المدينة الإعدام، وهنا يوضع الإله في مصاف المخلوق. لا يكون الإله إلهًا إذا كانت له هواية، ذلك ينطبق فقط على المخلوقات، بل يمكن تطبيق قوانين الحياة المادية على الإله. ولكن غرض الكاتب هنا إثارة ذهن القارئ، وجعله يقظًا بالطرق على رأسه كل فترة بالتساؤلات.

الثالث: هل يوجد إله؟ وإذا كان موجودًا لماذا يترك الظلم ولا يقضي عليه مرة واحدة؟ لماذا لا يستجيب لكل أماني البشر وأحلامهم؟

لقد قدمت له أنا أيضًا مئات الشكاوى والالتماسات والأمنيات، ولم يحقق لي أي أمنية أو أي التماس، ولم ينظر في أي شكوى من شكاواي. إنه يبدو وكأنه لا يهتم ولا يكترث بأي فرد من أفراد المدينة، ولا بما يحدث فيها، إنه يصنع الدمى ويتركها تتصارع فيما بينها.
*فتاة من شخصيات الرواية

وهنا تصل الإثارة إلى أقصى الدرجات، يبدأ ميم نون يشعر بالغضب، يتعرض للظلم ويقدم الشكاوى لمالك المدينة، ولكن لا شيء، أين مالك المدينة من الظلم الذي يحدث؟ براعة الكاتب في أنه يحافظ على حالة الحيرة ويصل بها لأقصى الدرجات، ويستمر في فرض الأسئلة بدون إعطاء الإجابات؛ لأن الإجابة على كل الأسئلة في نهاية الرواية. يريد الاستمرار بالطرق على رأس القارئ.

الرابع: هل الإنسان مسير أم مخير؟

يبدأ ميم نون بالشعور بالظلم، وأنه مغلوب على أمره؛ فيتحدث إلى واو واو فيخبره أنهم مجرد دمى من صنع مالك المدينة، يحركهم كيف يشاء. ثم في موضع آخر يخبره واو واو أن مالك المدينة يشعر بالفخر عند رؤية الدمى التي صنعها تفكر وتتأمل! وفي موضع متقدم من الرواية يتحدث ميم نون إلى فتاة فتخبره أن مالك المدينة لا يجبرهم على شيء؛ فتفكيرهم وأفعالهم بكامل إرادتهم! الكاتب لا يفوت فرصة لوضع القارئ في حيرة يطرح أولًا فكرة أن الإنسان دمية الإله والإنسان مسير. ثم يطرح بعدها فكرة أن الإنسان مخير، وأفعاله بكامل إرادته. إذن يكتفي الكاتب بوضع وجهتي النظر ويتركها للقارئ، ونجح في عمله في الحفاظ على أجواء الحيرة في النص.

هل هو الذي يحركنا كما قلت لي؟ أو نحن الذين نحرك أنفسنا؟ وإذا كان هو الذي يحركنا كما تقول، فلماذا يحاسبنا على أعمالنا؟ هذه أشياء تحيرني. *ميم نون

رأيي الشخصي

إن الإنسان مخير والحياة اختبار للإنسان، وإنه إذا لم يكن مخيرًا فلم الحساب؟ ولم الجنة والنار؟

الخامس: لماذا يترك الإله الأمراض والمجاعات والحروب؟

عزيز القارئ هل شعرت بالراحة؟ بمعنى آخر هل استطعت التقاط أنفاسك داخل جدران تلك الرواية؟ إذن إليك بصدمة جديدة تساؤل جديد يجعلك تعود للتركيز مجددًا. يرى ميم نون بنتًا صغيرة صماء وبكماء ترعاها جدتها بعد الحكم على والديها بالإعدام، فيسأل ما الذنب الذي اقترفته لكي تولد هكذا؟ بكماء وصماء حكم على والديها بالإعدام؛ فردت عليه جدة الفتاة من وسط دموعها بأن مالك المدينة لا يخطئ.

ومالك المدينة هل هو خيّر كما قال لي الخادم أم هو قاس؟ وإن كان خيّرًا فلماذا يعذب الناس كل هذا العذاب؟ *ميم نون

دائمًا ما يستخدم الكاتب بطل الرواية ليملأ القارئ بمشاعر الغضب، موقف بسيط في الرواية، لكنه يحمل خلفه صراعًا فلسفيًّا كبيرًا بين شخص يتعرض للظلم، ويتساءل أين الإله من كل ما يحدث؟ وليس بالضرورة أن يكون ملحدًا، وشخص آخر يصبر ويعرف أن للإله حكمة. وكالعادة يخفي الكاتب الجواب لنهاية الرواية.

السادس: هل يوجد إله؟ وإذا وجد لماذا لا نراه بالعين؟

يسأل ميم نون رجلًا كهلًا عما يحدث من ظلم، وأين الإله من هذا. فتأتي إجابة الرجل بالصدمة الجديدة لميم نون والقارئ، يقول له الرجل: إنه لا مالك لهذه المدينة، ويكمل بأنه بحث عنه في كل ركن من أركان المدينة، ولم يعثر له على أثر، وأنه لو كان موجودًا كان رآه واحد على الأقل، لكن ما سمعوه عنه مجرد أساطير، ويكمل حديثه بأن لو كان لهذه المدينة مالك يسيطر عليها لم سمح بكل هذا العذاب والاضطراب.

طبعا لم يصدقه ميم نون؛ لأنه متيقن من وجود مالك للمدينة «أو إله».

رأيي الشخصي

من أشهر الأسئلة عبر تاريخ البشرية أين الإله؟ لماذا لا يرى رأي العين؟ ولكن وضع العلم قانونًا ثابتًا أنه لا يوجد شيء ليس له صانع. أولًا: إذن كيف يوجد كون هائل مجرات، نجوم، كواكب، بشر، حيوانات ويكون كل ذلك جاء صدفة بدون صانع. ثانيًا: جاءت الأديان للقضاء على الجاهلية. ولكن فكرة رؤية الإله كيف يكون إلهًا والإنسان يريد أن يطبق عليه قوانين المادة؟ الإنسان يريد أن يرى إلهًا يشغل حيزًا من الفراغ، ويمكن رؤيته، إذن حينها كيف يكون إلهًا. سبحان الله الذي لا تدركه العيون بيده الملك. إذن ما الفرق بينك كإنسان القرن الحالي، وبين إنسان القرون الأولى الذي جعل من الشمس إلهًا، وجعل من الحجر إلهًا. تلك جاهلية القرون الاولى.

بعد كل ما عصف بميم نون من تساؤلات وحيرة، يقع في فخ الحياة، الطريق المرسوم، الروتين المفروض. يتزوج ميم نون ثم يرزق بأطفال، ثم يضطر للعمل في الطاحونة ليكسب قوت يومه، وفي خضم ذلك نسي ميم نون أهم شيء، البحث عن الحقيقة، توقف في منتصف الطريق، وفي منتصف الرحلة؛ لينشغل بالتافه من الأمور وينسى الحقيقة التي تعذب للوصول إليها. وهنا تطبيق فعلي على حياتنا، كل البشر ينسون أن الحياة رحلة.

الجحيم هم الآخرون. *جان بول سارتر

بعد ذلك اكتشف ميم نون أن للمدينة جزءًا خلفيًّا يذهب إليه كل من بالمدينة، وهو الوحيد الذي لم يعرفه إلا عندما رأى زوجته تتسلل إليه في إحدى الليالي. في الجزء الخلفي كل شيء مباح! الناس عراة، السرقة متاحة، الزنا متاح، القتل متاح، أنت هناك إنسان حر يفعل ما يحلو له. كل سكان المدينة يذهبون إلى هناك من رجال ونساء. يكونون في الصباح بشرًا في غاية الالتزام، مدينة ليس بها مخطئ واحد، لا ذنوب، ولا خطايا، لا انتهاك للقانون، وفي المساء في الجزء الخلفي، فلتفعل ما تشاء. رأى ميم نون زوجته تذهب مع أحد الرجال. حتى إنه رأى الواعظ يضاجع إحدى الفتيات! نعم لم تكن المدينة سوى واجهة!

الجزء الخلفي من أفضل الأجزاء في الرواية

يبعث الكاتب هنا رسالة مهمة، أننا جميعًا البشر نحب ادعاء المثالية دائمًا، ولكن الفساد موجود داخلنا جميعًا، والشر موجود داخل كل البشر. لنقم بتجربة ونلغي القوانين في بلد معين ونقول إن أي فعل لن تحاسب عليه حتى لو خلال يوم واحد، وانظر ماذا سيحدث. يرصد الكاتب الطبيعية البشرية ذات الفطرة التي تحمل الخير والشر معًا، وما الشيطان إلا وقود عامل محفز يعطي الانطلاقة للإنسان، ولكن الشر متمكن في الإنسان لا يفرض عليه.

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاها(8)
*سورة الشمس

أخيرًا

يجيب الكاتب عن جزء من الأسئلة بعبارة ذكية جدًا على لسان إحدى الشخصيات:

هل يقدر الجمال من لم يعرف القبح؟ هل يدرك معنى النور من لم يعرف الظلام؟ إننا نرى الخير من خلال الشر، وإن لم نر الشر فهل نعرف معنى الخير؟ لن يبهرك جمال المدينة الأخرى، إن لم يرعبك شر هذه المدينة.

حكمة الحياة الاختلاف، ومتعة المتاهة في الرحلة وليس الوصول. إذا قضى الله على الشر، والظلم، والأمراض فماذا تبقى للإنسان، الحياة اختبار فيجب أن يرى فيه الإنسان الشر والخير.

النهاية

يموت ميم نون. نعم يموت في منتصف الرحلة بعد أن أصبح أهم الأشخاص في المدينة، انتظره أهل المدينة ليخبرهم بالحقيقة؛ فهو الوحيد الذي بحث عنها. الوحيد الذي لم تشغله الشهوات والحياة المادية مثل البقية. لكن الموت كان أسرع. لكن لم تنته الرواية على ذلك، بل جاء شاب آخر لا يعرف من أين أتى، يستقبله السكان بالأفراح، ويقدم له الطعام والمسكن مجانًا؛ لتدور الدائرة مرة أخرى. تهكم من الكاتب على حياة البشر؛ فالإنسان يولد ثم يكبر ثم يبدأ الركض وراء الحياة المادية، العمل، المال، الزواج، الإنجاب، الطعام، الملابس، وينسى البحث عن الحقيقة، ينسى معرفة ماهية الحياة، ماهية الموت، هل الإنسان مسير أم مخير، معرفة الإله؛ لأن الحياة رحلة، ويمكن أن تنتهي، لكن يظل الإنسان إنسانًا، يترك الكثير من الأسئلة بلا إجابة؛ لأنه فقد نفسه في خضم الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد