الفن سبَّاق

كانت المحاولة الأولى لتمليك جزيرة الوراق للدولة في عام 2002 بقرار من رئيس الوزراء حينها، عاطف عبيد، بدخول الجزيرة في ملكية الدولة، لكن القضاء الإداري ألغى قرار الحكومة وأثبت أحقية الأهالي في الجزيرة، فكان يجب على هذا أن يكون التلميح الأول ليتتبع أحدهم الأمر.

التلميح الثاني كان في سبتمبر 2008 من خلال مسلسل «هيما» فبطل المسلسل كان واحدًا من أهل الجزيرة وخلافًا للمشكلات الاجتماعية من بطالة وتدني مستوى المعيشة، فكانت قصة المسلسل أساسها رجل أعمال يريد السيطرة على الجزيرة ولو وصل الأمر إلى القوة لكي يطرد أهالي الجزيرة لإقامة مشروعات استثمارية وسياحية فوق أرضها.

ينتهي المسلسل بأهالي الجزيرة قد حفروا الأرض لتشبه مقابر الموتى، وحينما وصلت الشُرطة مع رجل الأعمال.. واجههم هيما (أحمد رزق) لينقل إليهم قراره وقرار أهالي الجزيرة فإن أرادوا الحصول على الجزيرة بالقوة والنصب و«ليّ الذراع» يجب عليهم أن يرووا الأرض بدمائهم أولًا، كان علينا أن نصدق تنبؤات الفن قبل أن نقع في الفخ.

لكنها ليست المرة الأولى

ففي عام 1945 كلفت الحكومة المصرية المعماري حسن فتحي بإعادة بناء قرية القرنة أو الجُرنة بلهجة أهل الأقصر لتكون قرية نموذجية، فتتحول من قرية لها طابعها الخاص إلى قرية تطرد أبناءها وتستقبل السياح، لكن المهندس قد ترك مشروعه لأسباب عدة في 1948 أهمها معارضة عائلات الجرنة للترحيل، فقاموا بإغراق جزء من القرية التي لم ينهِها، ولكن الأمر لم ينتهِ في الأربعينات فما رآه حسن فتحي في القرية رآه اللواء سلمي سليم رئيس مجلس مدينة الأقصر عام 1998 بتعبيره «لتصبح متحفًا مفتوحًا ومحمية ثقافية»، وكان الأمر مشابهًا لما أراده الحزب الوطني المُنحل للجزيرة تحت إدارة جمال مبارك، تطوير جزيرة الوراق لتصبح بشكلها الحضاري الباهر فيُطرد أهلها لكي تستقبل السياح والمستثمرين.

كيف تُضيق الخناق على من تريد طردهم من أرضهم؟ هناك إجابتين

الأولى في عام 1978 حيث فرض المسؤولون من إدارة التراث حظرًا على القيام بأي بناء جديد في منطقة الآثار بالجُرنة، وتُصبح كل الأبنية بالطوب اللبن، وأيضًا غير مسموح بحفر الآبار أو إدخال المياه الجارية وإن كان للصرف الصحي، ليناسب الأمر التعبير «أحوال المعيشة بائسة وغير صحية وتشوه المنظر».

والإجابة الثانية كانت في أواخر التسعينات بقرار من حكومة الجنزوري الأولى بتحويل جزيرة الوراق إلى محمية طبيعية، فلا يجوز حينها إصدار أي تصاريح سكنية، بما فيها شبكات الصرف الصحي، لتتدهور الأحوال المعيشية هناك مما يزيد من الوضع العشوائي لكي ينطبق عليها نفس التعليق المنطبق على الجُرنة في سبعينات القرن الماضي.

الاضطهاد متوارث

فيذكُر الباحث تيموثي ميتشيل في كتابه «التراث والحداثة» أن حسن فتحي رأى أن عرقلة مشروعه كانت بسبب جهل الأهالي ومسلكهم الخارج عن القانون وإن قوت يومهم يأتي بشكل أساسي من نهب المقابر الأثرية، وتصريح سلمي سليم لجريدة الأهرام الأسبوعية في مايو 1998 «لا يمكن تحمل تبديد هذا التراث بسبب بناء بيوت بشكل غير حضاري وغير مصرح بها»، وسواء كانوا في الجُرنة أو في الوراق فإن المسؤولين تشاركوا نفس النزعة الأبوية لإظهار الأهالي مخطئين وغير حضاريين.

«إن دخلت أرضي بالسلاح فأنت عدو» هكذا رأى أهالي جزيرة الوراق الأمر، ومع التاريخ السابق من محاولات الدولة للاستيلاء على أرضهم، فإنهم لم ينتظروا حتى تُهدم بيوتهم وبدأوا بالمقاومة وسقط شهيدهم سيد «الغالي اللي راح» بتعبير والدته، أحداث صعبة تتشابه مع أحداث الجُرنة عام 1998 حين بلغت الأمور ذروتها وحاولت الحكومة طرد القرويين بقوة السلاح، فما لاقوا إلا المقاومة العنيفة من أبناء القرية.

وكما هي الأسباب الرئيسية الآن أن أهالي الجزيرة متعدون على أملاك الدولة، فكانت الأسباب السابقة أن أهالي القرية ناهبو قبور، يذكُر شيام باتيا في كتابه «قرويون لعنوا بسبب قبور الفراعنة» أنه في عام 1996 اعتقلت السلطات المصرية محمد أدهم ذا الثلاثة والستين عامًا لاكتشافهم مقبرة محفورة في الصخر خلف غرفة جده الأكبر لكنها لم تكن إلا سردابًا فارغًا، ورغم ذلك تم اعتقال الرجل وتساءل هل إذا كان من ناهبي القبور ألن يملك سيارته المرسيدس؟ وقال “وغدًا سوف يقولون إن شبشبي هو شبشب رمسيس الثاني”! ورغم ما ظهر من عقود البيع المشهرة منذ 1905 و1923 بجزيرة الوراق ورخصة مباني عام 1994، إلا أنهم لا زالوا متعدين على أملاك الدولة ولا زال أهالي الجُرنة ناهبي قبور.

في نوفمبر عام 1996 وقعت أكثر من سبعين أسرة مهددة بالطرد من أرضها بقرية الجُرنة عريضة إلى السلطات تبدأ كالآتي: «نحن أهالي الجُرنة، أصبحنا مهددين في ديارنا، وأصبحنا معذبين بالخوف، بينما يجري هدم بيوتنا على رؤوسنا وطردنا من موطننا. أيها السادة إنكم تعرفون المشاعر التي يكابدها اللاجئ المطرود من داره، المنفي من أرضه، والذي يصبح غريبًا في بلده.. لقد بدأنا نتساءل ما إذا كنا مصريين».

رغم الاتهامات التي وجهت لهم لم يُبدِ أهالي الجزيرة اعتراضًا على المشروعات القومية، لكن طالبوا بمساكن آمنة غير بيوتهم التي ستُهدم، قال شاب من أهالي الجزيرة «لو خرجنا من هنا من غير ما يكون فيه بديل لينا هنموت.. إحنا وعيالنا، يبقى نموت في بيوتنا أحسن» وإن حقه على الدولة المصرية أن ينعم ببيت آمن دون أن تصارعه فيه مصالح المستثمرين ورجال الأعمال، أتمنى ألا يصل به الأمر هو وأهالي الجزيرة أن يتساءلوا كقرويي الجُرنة إذا ما كانوا مصريين أم لا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد