ترى بعض النساء، وغالبًا معظم الناشطات في مجال حقوق المرأة، أن المرأة لن تحصل على حقوقها، إلا من خلال المساواة مع الرجل في كل شيء، أو أن الرجل عدو يجب محاربته، وفي المقابل يرى آخرون أن ما تعانيه المرأة من قهر واضطهاد بسبب العادات والتقاليد أمر من الدين، ويجب أن لا تخالف أهلها، وأن هذا هو الشرع الذي صان المرأة وضمن حقوقها، فهو حماها من الوأد ومن أن تورث كالأثاث، فهي لولا الإسلام ما كانت لتعيش أصلًا.

يقول بعض المتدينين إنه لا يجوز للمرأة أن تعمل أو أن تكون في مناصب أقوى من الرجل، فهي ناقصة عقل ودين ولا تجيد الإدارة والتخطيط، وأنها مسؤولة فقط عن بيتها، ناسيًا خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله، فقد كانت مسؤولة عن تجارتها، وكانت من أغنياء مكة، كانت تملك قرارها وتخطط لحياتها وتدير عملها ومؤثرة في اقتصاد قبيلتها، قوية وحكيمة تعلم جيدًا ماذا تريد، فوجدت في رسول الله الصفات التي تبحث عنها بعد أن اختبرت أمانته من خلال عمله لديها، فلم تتردد في لفت انتباهه لها بطريقة تحفظ كرامتها كأنثى، فكانت هذه المرأة العظيمة الأنسب لأعظم رسل الله، وخير سند لزوجها، فاحتوته حين استنجد بها وفزع إليها وهو ينادي طالبًا الحماية، وانتشلته من أفكاره حين كاد أن يضعفه اليأس، إنها امرأة قوية تؤمن بالحق والعدل، فآمنت به حين كفر به الناس، وصدقته حين كذبه الناس وأشركته في مالها حين حرمه الناس.. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله وبيته، وهو الذي كان له من المسؤوليات والهموم ما ليس عند أي رجل في البشرية كلها.. فكانا زوجين يضرب بهما المثل للعالمين، وبعد وفاتها حزن حزنًا كبيرًا، وظل وفيًا لذكراها طوال حياته، ولم يشعر أن الله قد أبدله خيرًا منها أبدًا.

أما عن فاطمة بنت محمد رسول الله وخديجة، فكانت عزيزة قوية رحيمة لا ترضى الظلم وتساند الحق، فكانت خير سند لأبيها في ضعفه، وأنثى ذات فطرة سليمة لا تقبل أن تكسر وأن تؤذى، فلم يقبل لها النبي الأذى، ولم يتزوج علي على فاطمة أبدًا، ولم يعدد أحد على جميع بناته، ألم تكن لنا في بنات النبي قدوة كما لنا في النبي قدوة؟ فإذا كانت ابنة رسول الله يخشى عليها فتنة تصيبها في دينها إذا كسرت نفسها فكيف بباقي النساء؟ وهن يعشن في خوف وشك وترقب، وتهددن من أزواجهن بآية نزلت في اليتامى لحفظ حقوقهم في زمن كان يؤكل حق اليتيم، مدركين تمامًا أن هذا أكثر ما يكسرهن. الرجال مكلفون بالإنفاق، عكس المرأة، وشرع التعدد في ذلك الزمن لحماية الأرملة من الخروج للعمل مكرهة، ولحماية لحقوق اليتامى، وتحدى الله أن يعدل أحد بين النساء حتى في الإنفاق عليهن، ولا يمكن أبدًا أن يعدل بين زوجه وباقي نسائه.. ولو كان في الأصل التعدد لعدد النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة حتى تكون لنا العبرة في سيدة نساء الجنة، أو أن يخرج الله من ضلع آدم أربع نساء لعمارة الأرض وحتى لا ينكح الأشقاء بعضهم بعضًا، وفي الأخير كلنا من آدم وآدم من تراب. لكن فطرتنا لا تقبل هذا، فلا المرأة تقبل أن تكون محط مقارنة وضعف ولا الرجل يستطيع العدل، فبعد أن ماتت خديجة رضي الله عنها تزوج النبي ولم يحب أكثر إلا عائشة، كان عندما يسأله صحابته عن أحب الناس إليه يقول عائشة وهو نبي، وكل من تزوجنه كن مدركات لهذا الحب، لكنهن رغبن في نيل شرف أهل بيت النبي، كمن كان يرغب في نيل شرف رفقة رسول الله أو أن يكون خليله، فهو خير الخلق وأشرف المرسلين وهذا استثناؤه.. فالتعدد شرع حماية لليتامى فقط والآية واضحة، والقرآن لا يقبل التجزئة، وهو حتى في حالة اليتامى غير ضروري إن كان خوفًا من عدم العدل في النفقة.. فاعلمي يا أنثى أنك تستحقين أن تطمئني، وتستحقين من يخاف على قلبك ويستوصي بك خيرًا، فهو إمساك بمعروف وتسريح بإحسان، أنت تستحقين الأفضل دائمًا.

وفي قصة سيدتنا مريم مثال المرأة التي عانت الوحدة وظلم قبيلتها، فربت نبيًا عظيمًا دون أب، وأتتها رحمات الله ومعجزاته لتحميها وتبرئها وتقويها.. فحماها الله وقواها الله وجبرها الله، ولما سُئلت من أين يأتي الرزق قالت من عند الله. فكانت نعم الأم والرفيقة والسند لابنها، ربته على أخلاق النبوة، والصبر، وعدم الانكسار، والثقة بكرم الله وحفظه. ونرى أيضًا في التاريخ كيف ربت نساء أئمة وعلماء. وقد كتب الله النبوة والإمامة على من شاء من الرجال، فالتبليغ تكليف للرجل وتشريف للمرأة.

أما حين تجتمع السلطة والنفوذ والقوة والغنى والشهرة عند رجل، فإنه يصبح حلمًا لدى معظم النساء، إلا آسية امرأة فرعون، هكذا وصفها الله، لم تكن زوجه وإنما امرأته، فهي لم توافقه ولم ترض عمله، لم تطعه وتبرأت منه ومن صنعه، مع أنه كان أعظم رجل في عصره في نظر الكثيرين فكانت رفقته شرف، لكنها تركت كل هذا، وكان همها الحق والعدل، لم ترغب في القصور، وأرادت بيتًا عند الله في الجنة، وأن تنجو من فرعون وعمله، وأن تنجو من القوم الظالمين.

هكذا هن سيدات نساء الجنة، قويات وعظيمات، يقفن مع الحق مهما كان الثمن، لا يقبلن أن تكسرن وتكسر فطرتهن، لا يرضين بالظلم لهن وللعالمين، يقفن مع العدل والحق ولو على حساب المال والرزق، حكيمات وعزيزات. هذا نموذج المرأة في الإسلام، تخطط للخير ولا تسمح لأحد أن يملي عليها ما تفعل، إلا أن طلبن الاستشارة والنصيحة.

وضع الله قوانين لكلا الجنسين وقدوات لهما، فكلف الرجل بالعمل والإنفاق على نفسه وآل بيته وجعل هذا للمرأة اختياريًا تكريمًا لها، فهي تؤدي عملًا عظيمًا لا يمكن أن يؤديه الرجل بالحمل والإنجاب والرضاعة، ومن عدله كذلك قوانين الميراث، فمن غير المعقول أن يلزم الرجل بالإنفاق ويُعطى كالمرأة غير الملزمة، هذا ظلم للرجل، فالله لم يحرمها الميراث في هذه الحالة، لكنه عدل في القسمة، ومن عدله أيضًا ترث المرأة في حالات أخرى أكثر من الرجل، وفي حالات ترث المرأة ولا يرث الرجل، فلكل دوره ولكل طبيعته.

الرجال ملزمون بالقيام على شؤون النساء وهذا تكليف وليس تشريف، فمن واجبهم العمل والإنفاق، وهن من حقهن العمل والإنفاق على أنفسهن وأهلهن إن أردن، ومن واجب الرجال أن يحفظوا مجتمعاتهم والأولى أهاليهم، فذكر الله لنا قصة زكريا الذي انتظر كثيرًا، حتى اشتعل رأسه شيبًا، ولم يكن بدعاء ربه شقيًا، كان يطلب الله أن لا يذره فردًا وهو خير الوارثين، مع أن امرأته عاقر، إلا أنه كان يراها زوجه، وليس فقط امرأته، فكان رد الله أن وهب له يحيى وأصلح له زوجه، نعم قال زوجه.. فلا تقبلي أيتها العظيمة أن تكسري أو تخذلي وكني قوية، قفي مع الكرامة والحق دائمًا، احفظي نفسك حتى تحفظي غيرك، فكيف يعقل أن يدعي البعض أن المرأة ناقصة أو أقل مرتبة من الرجل ويقول في ذات الوقت أن مهمتها البقاء في البيت وتربية الأبناء، وهل هناك مهمة أصعب من تربية أجيال حتى تقودها ناقصة عقل؟ وكيف لها أن تربي أبناء أحرارًا، وأصحاب كرامة وعزة نفس، وهي مكسورة أجبرت على الخضوع؟ فاختاري من يكون هدفه العدل والحق، من يساندك في ضعفك وقوتك ولا يراك حملًا عليه، اختاري من لا يرضى ظلم لنفسه ولغيره، وإلا فتبرئي منه ومن ظلمه وجوره، ولا تخافي ولا تحزني ولا تكسري أيتها الأنثى، فالله قد كرمك، وإن جهل الجميع قدرك، واعلمي وتيقني أن الرزق من عند الله، أنت تستحقين أن تحفظ فطرتك وسلامة قلبك، وأن تطمئني، فالله لم يرض للنساء الحزن في القرآن.

اعلمي أن لك الحق في العمل والمشاركة في بناء مجتمعك والمساهمة في اتخاذ القرار والتأثير في الشأن العام وتحديد المصير بصفتك إنسان كامل.. فالتاريخ يشهد بإنجازات النساء وتغييرهن لمجرى العالم والتاريخ، ومن بين الأمثلة فاطمة الفهرية، تلك المرأة المسلمة التي أسست أول جامعات العالم حين أدركت أن الأمم لا تحيا إلا بالعلم… فلا يحق لأحد إسكات صوتك وتغييب وجودك، ولك الحق في عدم العمل، وأن تكوني ربة بيت، فأنت غير مكلفة كما الرجل فاختاري ما يناسبك، كوني حرة قوية، تعلمين ما تريدين وافعليه، لا تظلمي ولا تقبلي أن تُظلمي، ولا تطالبي بأن يتساوى الرجل معك، فلا ينبغي للرجل أن يكون مثلك، فهو ليس امرأة، وإن كنت تستطيعين أداء عمله فهو لن يستطيع أداء عملك أبدًا، وهذا عدل الله في التكليف، وليس الذكر كالأنثى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد