«لا يتغير شيء باستبدال المطلق بالمطلق، فمن موقعه ينظر الفكر في التاريخ ويختلط الأبيض بالأسود، سواء بسواء، تُلغى الأضداد ويبقى القدسيّ، العدم، المطلق». مهدي عامل.

الأنطولوجية العربية تولّدت في المشروع السياسي العربي، في الفترة التاريخية (الخمسينيّات والستينيّات). جمال عبد الناصر بادر في صياغة المشروع الأوّل، ووضع بنيةً للمشروع تعالجُ الكينونة وأيضًا المادّة كتبت ذلك في مقالٍ سابق. في هذا السياق التاريخي، الحركة الجدليّة بلورت لنا المشروع النقيض، سيد قطب كان هو من صاغ المشروع النقيض، أيضًا المشروع النقيض تمت صياغتهُ في البنيةِ ذاتها كما بيّنت في مقالي السابق. هكذا نستطيع أن نفهم ونكون أكثر علمًا حول التاريخ العربيّ في منتصف القرن العشرين. كيف يؤثر هذا التاريخ على حاضرنا، في سياق الحركة الجدليّة الممتدة إلى يومِنا؟ وأيضًا مُحاولة لتفسير وتأطير المشروع الحالي، المُهيمن في الساحةِ العربيّة، الذي يتمثّل في حركاتِ المقاومة والتحرّر.

إعدام سيد قطب: تفسير جدلي

سيد قطب يُعبّر عن مشروعهِ في مصطلحاتٍ تدلّ على الموضوعيّة الإنسانيّة: «نظام الحياة الواقعيّة»، «الوطن الإسلامي»، «الوجدان الديني». مشروعٌ متكامل يُقدم التفسير الشامل الكامل للوجود كما في كتابهِ «مستقبل هذا الدين». مشروع سيد قطب هو المشروع النقيض للمشروع الناصريّ في البُنيةِ ذاتها. بمعنى سيد قطب صاغ مشروعه في بُنيةٍ أنطولوجيّة كما المشروع الناصري، ولكن الاختلاف في نصّ البُنية بما تحتويهِ من تفسير ونظرةٍ إلى العالم، الوجود، الأنطولوجيا.

السياق البنيوي، المُجرّد للصراع، بين مشروعين الناصريّ والقُطبيّ لا يكفي من أجل فهمِ إعدام سيد قطب ومشروعهِ. يجب اعتبار علاقات القوى والهيمنة في المنطقة التي ستؤدي بدورها إلى إعدام سيد قطب ومشروعهِ بدون النظر فيهِ، بدون تفقد الأسس الاجتماعيّة التي أنتجت مشروع سيد قطب. علاقات السعوديّة مع تنظيم الإخوان المسلمين في تلك الفترة لقد تصاعدت، التعاون مع دولةٍ تُمثل الرجعيّة العربية وفقًا للمشروع الناصريّ، يجعل من إمكانيّة التحاور شبه مستحيلة، ولكن ما جعل إمكانيّة التحاور مُستحيلة، حيازة السلاح من أجل تخطيط انقلاب على المشروع الناصريّ الذي كان قيدَ التنفيذ. سيد قُطب في عام 1965 كان حرًّا طليقًا، ولم تحدث محاولة، نيّة من أجل حوارٍ للتواصل، وصياغة مشروع «مُركب» يُعبّر عن جدليّة (ديالكتيك) صاعدة.

إعدام سيد قطب تمّ، وبذلك لم يتمّ فحص التقاليد الاجتماعيّة التي كانت جزءًا من مشروع سيد قطب. كما تُبيّن الفيلسوفة جيليان روز في مقالةٍ «علم السوداء: مُقدمة لفكر ثيودور أدورنو» أهميّة تناول التقاليد في البحثِ السوسيولوجي والفلسفي من أجل الراديكاليّة وصياغة التنوير الحقيقي، في سياقنا أهميّة تناول مشروع سيد قطب هي من أجل استمراريّة الراديكاليّة، بمعنى تطوير مشروع راديكالي يبني مُجتمعًا حرًّا غير مُستعبد من رأس مالٍ، دينيّة سياسية أو استبداد سياسيّ.

 هيمنة الجدليّة السالبة

«إن مفهوم الجدل السلبي يُشكك في تجاوز لحظة الإثبات – النفي – إلى لحظة نفي النفي، وبالتالي يبقى الأفق رهين الضبابية، أو على الأقل غير قابل للتحديد الإيجابي دائمًا». محمد عابد الجابري.

الجدليّة السالبة هي محاولة ثيودور أدورنو من أجل نقد الجدل عند هيجل، ووضع تفسير أكثر ضبابيّة للجدل مما كان عند هيجل. في بداية القرن العشرين، الواقع السيئ للحرب العالمية الأولى لم يكن في المسار الذي وضعهُ هيجل ومن بعدهِ ماركس، المسار الجدلي الذي يكون في ثلاث مراتب: مرتبة الإثبات، ومن بعدها مرتبة النفي، وبعد ذلك يكون نفي النفي «المُركب». أدورنو قبلَ الحركة الجدليّة، ولم يقبل صلابة المراتب، لذلك صاغ مفهوم الجدل السالب، بمعنى مرتبة نفي النفي ليست بشرط أن تكون مُركبة (synthesis).

في سياقنا، الإثبات هو المشروع الناصريّ، النفي كان مشروع سيد قطب، ونفي النفي كان أقرب لمصطلحِ الجدل السالب في الفترة التاريخيّة التالية. الضبابيّة سيطرت على الواقع بعد موتِ جمال عبد الناصر، تمّ نخر مشروعه من الجذور حتى يقع بنفسهِ في نهاية الأمر. السادات ضرب مراكز القوى الناصريّة وقبوله استقالة جماعيّة للوزراء الناصريين وما سُمي بثورة التصحيح عام 1971. وأيضًا طرده للخبراء السوفيت من مصر وإعلانه بذلك حقبة جديدة عام 1972. حقبة مليئة في الفوضى والمُتغيّرات مع انطلاق حرب أكتوبر التي شهدت نصرًا للقوات المصرية والسوريّة ولكن سُرعان ما تحوّل النصر إلى ضباب مع أوامر السادات غير الصائبة كما يذكر الفريق الشاذلي في كتابهِ «الخيار العسكري العربي»، عن مُجريات المعركة. قبول السادات قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، أصاب بذلك القوات السوريّة بالشلل وحاولت جاهدة الاستمرار في القتال كما يذكر اللواء حسين عيسى. السادات كان أوّل من قبِل بأن يخضع لشروط إسرائيل في اتفاقيّة، وتدمير المشروع الأنطولوجي العربيّ الذي شيّدهُ جمال عبد الناصر. بتر علاقات الوصل مع الجماعيّة العربية وشيّد لعهدِ البراجماتيّة المصريّة التي تعتني في الموجود.

هكذا الجدليّة السلبيّة بقيت أيضًا مُهيمنة في أجزاء من أوطان العرب، لُبنان دخلت حربًا أهليّة هوجاء، ونتج عن ذلك اجتياح واحتلال إسرائيل لأراضٍ لُبنانيّة، إمام المُقاومة موسى الصدر للاحتلال الإسرائيلي تمّ احتجازهُ في ليبيا واختفاؤه. ليبيا التي تسلك مسار المشروع الاشتراكي الشعبي، يعتمد على الأنطولوجيّة العربية كما مشروع جمال عبد الناصر، بذلك كانت الضبابيّة فعلًا سيطرت على الواقع.

من داخل هذا الواقع وظروفهِ، بدأت تظهر بوادر المشروع «المُركب».

المشروع «المُركب»: حركات المقاومة والتحرّر

بوادر هذا المشروع كانت تظهر بشكلٍ خافت في هذا الظلام الدامس وفي أكثر الفتراتِ ضبابيّة، تظهر لنا مُركبات مشروع تتكامل مع بعضها البعض حتى تتم صياغة مشروع أنطولوجي يتناول الوجود في عملهِ وحركتهِ، ليستخلص النتائج الثوريّة وأيضًا الإسلامية، وهكذا يتمّ بناء  المشروع «المُركب».

شرارة الثورة الإسلاميّة في إيران انطلقت في ظروفٍ خاصّةٍ بها، وثوريّة معادية للإمبرياليّة جذورها في تاريخها الإيراني، ولكن الإسلاميّة السياسيّة، ومفاهيم حول الجمهوريّة الإسلاميّة ترتبطُ في سيد قطب وأيضًا الإخوان المُسلمين كجماعة، ولكن سيد قطب كان لهُ تأثير خاص على النُخبة الأولى في الثورةِ، المُرشد علي خامنئي لقد قام في ترجمةِ كتاب «مستقبل هذا الدين» للغة الفارسية وأيضًا كتب مُقدمةً للكتاب، وعندما أصبح علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بدأت مؤلفات سيد قطب تُدَرَّس في مدارس الإعداد العقائدي لـلحرس الثوري الإيراني.

في فترة الثمانينيات انطلقت حركات المقاومة الإسلاميّة في لبنان وفلسطين، صوب النموذج الإيراني، صوب هدف مُحدد وهو مقاومة العدوّ الإسرائيلي، لم تستطع أن تبني مشروعًا مُتكاملًا فيهِ الاقتصاد والسياسة والمجتمع وإذا حاولت ذلك أخفقت، بيّنت ذلك في مقالٍ سابق. لذلك كان يجب أن تبدأ مرحلة جديدة واعية لجميع مُركبات وظروف التاريخ العربيّ بدون مزايدات على أحدِ المُركبات.

حركةُ المقاومة الإسلامية حزبُ الله في لبنان، تكاملت فيها عناصر وأجزاء المشروع «المُركب». في البداية تبلورت عناصرهُ الإسلاميّة في التشكيل الحضاري. بمعنى، الحضارة الإسلاميّة في أشكالها واختلافاتها هي مصدرُ طاقتهِ الروحانيّة والتاريخيّة وهنا يظهر نفوذ سيد قطب ولكن فقط إلى هذا الحدّ. ما يليه يكون استحضار جمال عبد الناصر، استحضار ثلاثيّة العدوّ، الإمبريالية الأمريكية، إسرائيل يدُ الإمبريالية في المنطقة، وأيضًا العمالةِ العربيّة. صياغة فهم اقتصادي، جذورهُ ناصريّة:

«إنّ تحكّم قوى الرأسمالية المتوحشة، المتمثلة على نحوٍ رئيسٍ بشبكات الاحتكارات الدّولية من شركات عابرة للقوميات بل وللقارات، والمؤسسات الدّولية المتنوعة، وخصوصًا المالية منها والمدعومة بقوة فائقة عسكريًا، أدى إلى المزيد من التناقضات والصراعات الجذرية، ليس أقلها اليوم: صراعات الهويات والثقافات وأنماط الحضارات، إلى جانب صراعات الغنى والفقر». وثيقة حزب الله 2009.

الساحة العربيّة تشهدُ تركيب وتبلور هذا المشروع في كلّ من فلسطين، العراق، اليمن والبحرين. تكتّل قطبي-ناصري يُهيمن على الساحةِ العربية من أجل تحرير الأوطان من الهيمنةِ الأجنبيّة على الموارد ورأس المال، أو هيمنةٍ عسكريّة كما الحال في فلسطين أو طموحِ حشدٍ شعبيّ ليُحطم خطر تقسيم العراق.

 هيمنة التكتّل القطبي-الناصري في موقعها تأتي بمعنى الوجود، الوجودُ ذاتهُ هو مقاومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد