سألني صديقٌ عن مدى نجاح الشركات والمؤسسات والدول بشكل عام في التعامل مع كوارث الصحة العامة وغيرها من الأحداث مثل انفجار بيروت المؤلم، أو إعصار ولاية تكساس في الولايات المتحدة، أو فيضانات السودان المدمرة. عندها بدأتُ أفكر في كيفية مساعدته على الفهم، أدركت أنني إذا عكست السؤال كالتالي: لماذا قد تفشل هذه المؤسسات في إدارة حالات الطوارئ والكوارث المختلفة؟ فقد يكون ذلك أكثر فائدة.

يتحتم على جميع الشركات والمؤسسات فهم التهديدات التي قد تواجهها، وتعرض نشاطها للخطر، وإزالتها إن أمكن، والاستعداد للتعامل مع نتائجها إذا حصلت. تُسمى هذه منظومة إدارة المخاطر، في هذا السياق من المهم فَهم مدى استعداد الشركات والمؤسسات وإدارتها للمخاطر المختلفة، ما هو الانعكاس لتوجهات الدولة بشكل عام وجودة سياسات وصرامة إجراءاتها لحوكمة هذه المنظومة على المستوى القطري؟ فعمليتا الالتزام والتشريع متناظرتان طرديًّا.

بعد 23 عامًا من العمل في مجال إدارة الطوارئ والمخاطر، يمكنني القول بشكل عام إن هناك عشرة أسباب لفشل هذه البرامج؛ مما يؤدي إلى انهيار الاستجابة، وفداحة الخسائر في الأرواح، والممتلكات، والتكلفة الاقتصادية، هذا لا يعني عدم وجود أسباب أخرى، ولكن لسحر الرقم 10، ومحدودية المكان والزمان، سأسلط الضوء على هذه العوامل متمنّيًا من جميع الشركات والمؤسسات تجنبها.

قضايا مؤسسية

 1. غياب فهم مؤسسي واسع لمفهوم إدارة الطوارئ والكوارث والمخاطر

أحد الأسباب الرئيسية لفشل إدارة حالات الطوارئ والتخطيط لها؛ هو الافتقار إلى فهم أهداف برامج إدارة الطوارئ. على سبيل المثال، قد تركز العديد من المؤسسات على الاستجابة للحوادث معتقدين أنهم مستعدون للتعامل مع الأحداث المختلفة، وعند الطارئ يكتشفون ضعف استعدادهم وتنسيقهم؛ يكمن خطر هذا النهج في أن الشركات لا تفهم فقط حجم عناصر إدارة الطوارئ، والاستجابة للحوادث هي فقط أحد مكونات هذه العناصر، وغالبًا غير كافية لإنقاذ الأرواح؛ لذلك يتولد لدى المؤسسة وموظفيها إحساس زائف بالأمان في غياب قوانين وطنية ملزمة.

2. القيادة والدعم الإداري

أحد الأسباب الأكثر شيوعًا وفتكًا بجهود إدارة الطوارئ؛ هو غياب المستوى المناسب الداعم من القيادة الإدارية. على الرغم من أن غالبية المدراء والتنفيذيين يدعون بالاهتمام بها ويدرجون موضوعها باعتبارها بندًا دائمًا في جدول أعمالهم، إلا أن الكلمات لا تترجم إلى أفعال تمامًا مثل تجفيف الميزانيات، وغياب تحديد الأولويات عن برامج إدارة الطوارئ، أظهرت الأبحاث والممارسة أن نجاح تخطيط إدارة الكوارث بأنواعها يحتاج دعمًا نشطًا من القيادة التنفيذية، وتعزيز التغييرات السلوكية.

3. رغبة المدراء في حماية الوضع الراهن وتجنب التغيير

يتجلى ذلك مع بعض الصف الثاني من المدراء عبر أقسام الشركة، هل أنت منهم؟ يعتبر التخطيط للطوارئ هو أحد الأنشطة التي تتجاوز حدود القسم، وتتطلب التعاون والتنسيق مع الأقسام الأخرى؛ مسببين عدم الراحة للمدراء، كما تتطلب أنشطة إدارة الطوارئ تعديل مسؤوليات، أو إضافة مسميات وظيفية جديدة، أو تحليل أعمال الأقسام لترشيدها، ولتتواءم مع أنشطة إدارة الطوارئ، غالبًا يزعج هذا بعض المدراء غير الأكفاء أصلًا؛ فيلجؤوا إلى آلية الدفاع بحماية الوضع الراهن، ورفض الفكرة من جذورها، أو إعاقتها. يتطلب إدخال التغيير دائمًا قيادة شجاعة للدعم، ومُسيّسة للتغيرات السلوكية؛ لإنجاح برامج إدارة الطوارئ.

4. تنافس السلطات والصلاحيات والمكتسبات

سبب رئيسي يؤخر عملية التخطيط للطوارئ؛ لأنه يؤثر على محرك عملية التخطيط، حيث يركز المدراء طاقتهم وجهودهم لرفض أي تغيير في أقسامهم بغض النظر عن الأهداف والغايات طويلة المدى، أم قصيرة. مثلًا، يفند المدراء الحاجة إلى عمليات تدقيق وتفتيش داخلية لإدارة الطوارئ؛ لضمان عمل البرنامج بفعالية، ويرتكز هذا الادعاء على حقيقة أن هؤلاء المدراء يشعرون بالتهديد من قِبل موظفين من خارج أقسامهم الذين يقومون بالتفتيش عليهم.

قضايا فردية

5. غياب الكفاءة والمهارة

سبب شائع آخر لفشل التخطيط لحالات الطوارئ يظهر في إشغال وظائف إدارة الطوارئ بموظفين يفتقرون للتخصص والتدريب من الحد الأدنى، هذا واضح في غالبية المؤسسات -إلا من رحم ربي-. هذا التوجه له آثار كارثية على المدى الطويل، ويمكن أن يساهم في عدم فهم التنفيذيين للأهداف، والأنشطة المتضمنة لضمان برامج مناسبة لإدارة الطوارئ. مثلًا، قد تعتقد المؤسسة أن وظيفة التخطيط للطوارئ هي دور ثانوي يمكن شغله بأحد موظفي الصحة والسلامة والبيئة، على عكس هذا الاعتقاد السائد، يتطلب التخطيط للطوارئ مجموعات مختلفة من المهارات، بما في ذلك الخبرة في إدارة المخاطر التشغيلية والمؤسسية، والتواصل الممتاز، والتدريب… وغيرها من المهارات الناعمة مثل العمل تحت الضغوطات في حالات الطوارئ.

6. تجاهل التحذيرات المبكرة

بعض المؤسسات تختار أن تدير ظهرها لما هو واضح؛ من خلال عدم الاستثمار في التحليل والتحقيق في الحوادث والطوارئ السابقة، وتظهر علامات الإنذار المبكر باعتبارها نتيجة لتجارب حقيقية، أو بعد تمارين وتدريبات الطوارئ. ولسوء الحظ العديد من هذه الشركات لا تدرك الفجوات إلا بعد فوات الأوان، وتحدث خسائر في الأرواح والممتلكات والسمعة، وغالبًا ما تنهي المؤسسة نشاطها؛ مما يضر بموظفيها والاقتصاد المحلي.

7. متلازمة تتبع القطيع Herd Syndrome

يصبح هذا واضحًا أثناء الاجتماعات وعبر مناقشات الإدارات التي تؤثر على أنشطة ومهام التخطيط للطوارئ، قد يصرخ أحد الحضور في الاجتماع: «إن تلك المؤسسة تفعل ذلك بهذه الطريقة، فلماذا نعيد اختراع العجلة؟» مدير الطوارئ يجب أن يقاوم هذه التكتيك ويتجنبه بحكمة ويتبنى مفهوم فعل الصواب، المبني على العلم والممارسة.

8. التحليل المفرط بغرض الشلل Analysis Paralysis

من أهم الأسباب من وجهة نظري لفشل عمليات التخطيط للطوارئ، يتم استخدامه بانتظام من قبل كثير من المدراء، يُستخدم هذه التكتيك لتأخير القرارات، أو دفنها، أو حتى عدم اتخاذ أي إجراءات ذات صلة. ويتضح هذا من خلال الإفراط والمبالغة في تحليل العديد من التفاصيل والسيناريوهات الخاصة بحالات الطوارئ، والتي يمكن وصفها بأنها معقدة للغاية، يُستخدم هذا التوجه خلال جميع مراحل برامج إدارة الطوارئ؛ لوأدها عن طريق التشكيك والمبالغة بالتحليل.

9. افتراضات خاطئة

لقد لاحظت افتراضات مسبقة، وغالبًا خاطئة خلال تدريبات وتمارين الطوارئ لبعض المؤسسات. يفترض الإداريون أن جميع الموظفين المستجيبين للطوارئ، وحتى الجمهور سيعرفون ما يجب فعله في حالة الطوارئ أو الاستجابة للطوارئ ستعمل بشكل أتوماتيكي، صدقوني رأيت هذا كثيرًا! عادة ما يستخدم هؤلاء الأشخاص عبارة «لا تبالغ في تعقيد الإجراءات؛ ستكون الأمور على ما يرام، مرة أخرى»، يحاول هذا النوع من الأشخاص تجنب القيام بتخطيط حقيقي للطوارئ، والتدريب، والتعليم، ووضع سياسات وإجراءات الطوارئ.

10. علم إدارة المخاطر

يُعد الافتقار والوعي الكافي بالمخاطر سببًا رئيسيًّا لفشل جهود إدارة الطوارئ في معظم المؤسسات؛ لفشلها في تحديد هذه التهديدات ومعالجتها قبل وقوعها، ووضع إجراءات لتخفيف آثارها إن وقعت. تُعتبر منظومة إدارة المخاطر أساس علم إدارة الطوارئ، ويقوم على النهج الاستباقي في إدارة الكوارث، من خلال العمل المُدمج والمنسق، وغير المنفرد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد