كأنه قدرٌ أن نأكل الفتات، بقايا ما يُترك من الحكام، بدلًا من أن يرمى، كأنه قدرٌ أن نصير شعوبًا حتى يحشر الناس لحسابهم، وأنهم يبقون حكامًا.

لم نفهم معنى أن الحاكم هو موظف في الدولة يتقاضى راتبًا لتمثيل شعبه في المحافل الدوليّة، ولوضع آليات لتيسير شؤون المواطنين، والاهتمام بالبلديات وتطويرها وإنشاء مشاريع وتعبيد طرق، وكل هذا لأجلك عزيزي المواطن.

لم نفهم أن عصمة الدولة بأيدينا نحن، نبدّل من نشاء ونضع من نشاء، لم نفهم أن انتخاب مرشح من بين مرشحين عدة هو حق، حق لم أمارسه كفلسطيني أبلغ من العمر 27 سنة مرة واحدة، فكيف أفهم أنه بعد بضع سنوات أستطيع الترشح للرئاسة أو لرئاسة الحكومة.

ما نفهمه بالوعي المقدس داخل وجداننا أن الإمساك بزمام الأمور هو حق عين على فئة محدودة جدًا من الأحزاب، هذه الفئة لو أرادت أخذ بيتي لن أستطيع الدفاع عن ذلك، ولو جرمتني جرمًا أنا منه بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فلن أستطيع الإفلات من العقوبة، فأنا المذنب دائمًا وهم القضاة يوم الفصل في قضاياي.

لو أخطأت هذه الفئة فأنا المتضرر، ولو أصابت فهي المستفيدة، لو عمّ الفساد فهو بيننا ولو عم الصلاح فليس لنا من فواكهه نصيب.

لا نستطيع التصويت على البت في قانون شرّع بالأصل لخدمتنا، بل والأمر من ذلك أنه لو كان القانون يزيدنا قهرًا وفقرًا لا نستطيع رفضه.

يقتص من أموالنا – إن وجدت – ضرائب لا ندري ما فحواها، ولا نجد شوارعنا كأبسط حق نظيفة.

بل والمظلوم منا يدفع أموالًا طائلة في المحاكم والسلطات التنفيذية أكثر مما سرق منه بالأساس، ويبت في قضيته ضده لا معه.

أكثر المهن نجاحًا في بلادنا العربية، هي مهنة المحاماة لشمول المظلومين، والأطباء لكثرة الأمراض والأوبئة، والجمعيات الخيرية لكثرة الفقراء منّا.

إن تجرّأ أحد مشاهيرنا على قول كلمة الحق لاعتبرته الصحافة الرسمية أن يحمل أجندات خارجيّة، وأن صحفيًّا لو استخدم قلمه سلاحًا ضد قضية عادلة لطرد من نقابته ولجفّ حبر قلمه.

نمشي بحزنٍ بائس أن الثورة مستحيلة، وأن الفساد باقٍ بقاء الأرض في دورانها، والحزنُ سمةٌ جلية كحرارة الطقس في الصيف.

مقهورون أن القرار سرق منا، غيورون حين مشاهدة شعوب العالم كيف يستجدي حكامهم عطفهم ورضاهم عنه بالإصلاحات العامة، وزيادة نسبة الأجور، ومحاربة البطالة.

كيف لنا أن نقي أنفسنا أمام بطش العيارات الناريّة ذات الفوهة المصوبة على فينا المكمم بالأصل؟! كيف لنا أن نضحك في كادر عام مشحون بالغضب والموت؟!

وبعد هذا كلّه يصرّحون ويشرّعون فقهًا أن الهجرة حرام شرعًا.

لا يا سيدي، كما قلت في أحد قصائدي:

يا جسدي القابع في الذلّ،

نجسٌ هذه البلاد،

والرحيل وضوئي.

البقاء هو الحرام، أن تبقى في بلد لا تعتبرك إنسانًا – لا مواطنًا – له حق الحياة الكريمة الهانئة الخالية من صراعات الأحزاب السياسية والاقتصادية، الذي من المفترض أن يعيش في بيئة سليمة ذات رقابة صارمة لأجله لا عليه، على قرارات محاكمة، وعلى ضرائب شؤونه الحياتية أين تذهب، ومن أين تأتي وكيف تصرف، على جودة طعامه الّذي يأكله، هذا هو لبّ الحرام وأصله وفرعه.

نخلع عن جلدنا رداء أوطاننا جبرًا، ونمحو من الذّاكرة بعض المعلقات الملصوقة عن بهاء شوارعنا، وجلال قلوب الصالحين، نهجر كرهًا كي نعمر بلدًا علّها تعوضنا ما افتقدناه في أوطاننا، وأسمى ما نأمل به أن نضع رأسنا على وسادتنا مطمئنين أن غدًا يومًا بهيًّا.

فلا تلوموني في قراراتي، فأنا الصائب، أنا حزين والحزن هو الرسول الذي لا يخطئ يا معشرَ الشياطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

أطفال الشوارع
شارك 3
منذ 5 أيام
حقوق إنسان
أعضاء بشرية للبيع حلال!
شارك 1
منذ 3 أسابيع
حقوق إنسان
المنبوذون من إسطنبول
شارك 1
حقوق إنسان
منذ 3 أسابيع
إبادة عمرانية تطال مئات الشقق السكنية
شارك 36
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع
استيقاظ أبي جهل
الربيع العربي
منذ 3 أسابيع