لا يخفى على أحد الدور المحوري والمهم الذي تلعبه الكويت في المنطقة. فانطلاقًا من البعد الجيوسياسي والديمغرافي، عملت الكويت على أن تكون بلدًا ذا دور محايد ينخرط في المصالحات والمفاوضات الإقليمية بشكلٍ فاعل ومباشر. وبنت الكويت سياساتها بعيدًا عن العداوات الإقليمية وسياسة المحاور السائدة في منطقة الشرق الأوسط، فأخذت مسافةً واحدةً من جميع الأطراف.

إلا أنَّ هذا الدور المهم للكويت لم ولن يعجب الإمارات، التي تمارس سياسات توسعية وتخريبية في كل نقطة من بقاع الأرض؛ إذ لا ترغب الأخيرة بأن تبقى الإمارات أو عُمان أو قطر أو حتى السعودية خارج مدار سياساتها في المنطقة. فالكويت رفضت على سبيل المثال التدخل في الحرب على اليمن، ورفضت الانخراط في عداوة طويلة الأمد مع تركيا أو إيران كما رفضت الانخراط في عملية التطبيع مع إسرائيل.

ونظرًا لهذه المواقف الواضحة تعرضت الكويت لهجمات إعلامية شعواء من قِبل وسائل إعلام محسوبة على الإمارات ومدعومة ماليًّا منها؛ إذ إن مقال صحيفة العرب، والذي تحدث عن قضية الشيخ جابر، ما هو إلا حلقة من ضمن حلقات متعددة تشنها الصحيفة ضد دولة الكويت.

القضية المعروفة بقضية الشيخ جابر هي عبارة عن قضية فساد يحقق فيها القضاء الكويتي، وتتحدث عن تورط رئيس الوزراء الكويتي السابق الشيخ جابر بها. إلا أنَّ المقال اتخذ منحنى تشكيكي بنظام العدالة في الكويت. كما طرح العديد من الشبهات بطريقة لا تمت لحرية الصحافة أو معايير المصداقية بأية صلة.

فكل ما ورد في هذا التقرير كان عبارة عن شهادات مجهولة ومصادر عامة غير محددة مثل مصطلحات (نشطاء كويتيون، وتفاعل الكويتيون، انعدام الثقة العميق بين الكويتيين بأن السلطات تتابع القضية بجدية، قالت صحف كويتية، تسريبات على مجموعات «واتساب»، وأكد طبيب في المستشفى الأميري في الكويت، وقال ناشط كويتي في مكافحة الفساد… إلخ).

شكك المقال في قسمٍ منه بمكان تواجد الشيخ جابر، فتارةً تحدث عن تواجده في سجن سيئ السمعة يعاني من تفشي فيروس كورونا، وتارةً أخرى تحدث عن الشيخ يقبع في جناح مستشفى خاص مزين مثل قصر وبه خدمة فندقية.

هذا التشكيك ينطلق من رغبة الإمارات (عن طريق وسائل الإعلام)، في نشر الفتنة بين الشعب الكويتي وإيجاد شرخ بين الحكومة والقيادة الكويتية والشعب الكويتي. وهو ما يمكن أن يُطلق عليه اسم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة مجاورة.

تعد خطوة الكويت في الإفصاح عن قضية فساد كهذه خطوة شجاعة ومهمة للغاية؛ إذ إنها خطوة في الاتجاه الصحيح في سبيل مكافحة الفساد. ولكن السؤال الأهم هو: هل هناك قضية فساد واحدة ينظر فيها القضاء الإماراتي، ومتورط فيها أي مسؤول إماراتي؟

الإجابة بكل وضوح لا. المسؤولون في الإمارات يستطيعون القيام بأي شيء يرغبون به دون مساءلة من أي أحد. فالتدخل في ليبيا ودعم إثيوبيا ضد مصر واحتلال مدن في اليمن وتسيير رحلات سياحية إليها، وكل عمليات الفساد هذه لا يُحاسب عليها أحد في الإمارات. وللمفارقة العجيبة يذكر تقرير صحيفة العرب قضية صندوق الاستثمار الماليزي، وهي قضية فساد معروفة؛ إذ ذكرت الصحيفة ما يلي:«كما شوَّهت الفضائح الأخرى التي ظهرت في وقتٍ لاحق سمعة الكويت بما في ذلك المتعلقة بصندوق الاستثمار الحكومي الماليزي التي شملت نجل الشيخ جابر، والذي أُطلِق سراحه بكفالة». وتجاهلت الصحيفة تمامًا أن المتورط الرئيس في هذه القضية هو محمد بن زايد نفسه؛ إذ اتهم الادعاء الماليزي ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وشقيقه منصور بن زايد بالتواطؤ مع رئيس الوزراء الماليزي السابق نجيب عبد الرزاق، للتستر والاحتيال ضد ماليزيا.

أخيرًا، لم تكن هذه المرة الأولى التي تهاجم فيها صحيفة العرب (المدعومة إماراتيًّا) الكويت بل تعدَّت الصحيفة على أمير الكويت ووصفته بـ«المنتشي» بعد نجاح وساطته في المصالحة الخليجية، ولن تكون هذه المرة الأخيرة لهذه الحملات الشعواء ضد بلد يناصر القضية الفلسطينية علنًا، ويرفض التطبيع ويرفض قتل اليمنيين مثل الإمارات والسعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد