إن الهجوم على الإسلام وإهانة مقدساته عمل متطرف لا بد عن تجريمه والتصدي لمروجيه كخطوة أولى لمنع العمليات الإرهابية؛ لأن خطاب الكراهية والعنصرية إرهاب بحد ذاته والإرهاب لا يأتي بالسلام. فرنسا الأمس هي نفسها فرنسا اليوم غير المكياج وأضواء باريس الليلية وعطورها نفس الحقد، نفس الكراهية، نفس الترهيب، نفس العقليات الهمجية التي يحملها صناع القرار في فرنسا.

أفعال صبيانية تصدر من رئيس دولة تعكس مدى غياب نضجه الفكري والسياسي، إذا كان رئيس فرنسا لا يميز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، والاستفزازات المسيئة لقدسية الدين الإسلامي، فما عليه سوى أن يبدأ بمحاربة جهله، وأن يدرك تمامًا أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين ومعتقداتهم. لم تأت حملة إيمانويل ماكرون الشرسة ضد الإسلام والمسلمين من فراغ. إنه نتاج عنصرية متأصلة في أعماق النفس الفرنسية. إنها أزمة قيم فرنسية، وليست أزمة إسلام.

لا تريد فرنسا الاعتراف بالإسلام كدين، فالفرنسيون يرون في مواطنيهم المسلمين مشكلة. إنهم دخلاء لا يمكن، ولا ينبغي دمجهم في المجتمع الفرنسي أو ثقافته. إذ تحظر الدولة تعيين المسلمين في مختلف مؤسسات الدولة، بغض النظر عن مؤهلاتهم ومهاراتهم، وعلى الرغم من وجود أكثر من 6 ملايين مواطن فرنسي من أصل مسلم؛ من أبناء وأحفاد أولئك الذين استخدمتهم فرنسا في غزواتها للبلدان التي احتلتها، ودافعوا عنها خلال حربين عالميتين. تم إيواؤهم في أحياء معزولة وفقيرة في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى، ليتم معاملتهم بعنصرية كريهة عندما يتعلق الأمر بالتوظيف، والرعاية الصحية، والتعليم.

لا تبدأ كراهية المسلمين بصوت بندقية تُستخدم في كسر الهدوء والجو السلمي لمركز عبادة. وإنما تبدأ بتحيز بسيط في المدارس، وأماكن العمل، والمجتمع. التحيزات التي تتغذى من المجال السياسي، وخطاب الكراهية الذي يروج له العديد من المتظاهرين لحكم البلاد لضمان عدد من الأصوات.

لقد فهمنا أن هذا التمييز يصبح أكثر وضوحًا وإدراكًا عندما يتغذى بخطاب الكراهية من الساحة السياسية، ووسائل الإعلام، والمنظمات والمؤسسات الأخرى. ولكن ما هي الطرق التي يمكن أن يتجلى بها هذا التعصب والتمييز تجاه المسلمين؟ يمكننا تحديد ما يلي باعتباره بعض النتائج المحتملة:

* الاعتداء الجسدي أو اللفظي على الأشخاص الذين يظهرون مؤشرًا / سمة يعتبرها، وفقًا لمعايير المعتدي، مسلمة من خلال علامات محددة، مثل ارتداء المرأة للحجاب، النقاب.

* المضايقة على الشبكات الاجتماعية من خلال التجاوزات أو التهديدات (خطاب الكراهية).

* السياسات، أو التشريعات التي تستهدف المسلمين بشكل غير مباشر، أو تؤثر بشكل غير متناسب، وتقيد حريتهم الدينية دون مبرر، مثل حظر ارتداء الرموز الدينية، والثقافية المرئية، وحظر بناء المساجد بالمآذن.

* التمييز في التعليم, والتوظيف، والإسكان، أو الحصول على السلع والخدمات.

* اعتقالات الشرطة وتحديد الهوية على أساس العرق.

* التصريحات العلنية لبعض الصحافيين والسياسيين من مختلف الأطياف السياسية، والتي تصم المسلمين بأنهم مجموعة تهدد استقرارهم.

خطاب الكراهية هي تعبيرات تهدف إلى ترهيب أو قمع أو التحريض على الكراهية أو العنف ضد شخص، أو مجموعة بسبب العرق، أو الدين، أو الجنسية، أو الجنس، أو الإعاقة، أو خصائص المجموعة الأخرى. الخطاب نفسه الذي استعمله ماكرون تحت شعار حرية التعبير والتنوير إلى الظلامية والعنف. أي حرية هاته التي تمس مقداسات الآخرين؟ ألا يعرف رئيس دولة فرنسا أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين ومعتقداتهم؟

وهذا يؤكد لنا أن الإسلاموفوبيا لها جذورها في رهاب الأديان وهي نوع من العنصرية التي تستهدف التعبيرات الثقافية للمسلمين، وهذا النوع من العنصرية المعادية للأديان يسمى العنصرية الثقافية التي هي البديل للعنصرية البيولوجية، العنصرية التي تقوم على افتراض التفوق الثقافي، لبعض الشعوب على الآخرين، وفي تأصيل التحيزات الثقافية للمجتمعات والجماعات ذات العلامات الملموسة.

لذلك فإن تلك الثقافات التي لا يُنظر إليها على أنها تشترك في الأصل مع ثقافتها هي ثقافات بربرية، وهذا هو سبب اشتقاق هذه الرواية من العنصرية الثقافية الحديثة التي تغذي مشاعر كراهية الإسلامِ.

تسود العنصرية الفرنسية وتفوق البيض في المجتمع وتتجلى عبر الطيف السياسي بأكمله، من أقصى اليمين إلى اليسار التقدمي. لا يكاد يوجد أي اختلافات بينهما. نذكر، على سبيل المثال، جاك شيراك، الرئيس الاشتراكي السابق لفرنسا. في عام 1991 طمأن العمال البيض الذين يعيشون بين المهاجرين العرب والأفارقة، وتساءل كيف يمكنهم التعامل مع روائحهم الكريهة والضوضاء المزعجة. قوبلت هذه الكلمات العنصرية، والمسيئة بتأييد شعبي كبير. وأول من أشاد بكلمات شيراك كان زعيم الجبهة الوطنية اليمينية العنصرية في ذلك الوقت، جان ماري لوبان.

في الواقع لم تكن كلمات الرئيس مختلفة كثيرًا عما قاله وزير الداخلية اليميني المتطرف جيرالد موسى دارمانين عندما أعرب مؤخرًا عن انزعاجه واستغرابه لوجود أقسام خاصة للمنتجات الغذائية الحلال في المتاجر في جميع أنحاء فرنسا. بالمناسبة كان جده جزائريًا، ومن هنا جاء اسمه الأوسط عربيا(موسى). من الواضح أن الوزير استوعب بنجاح لدرجة أن أسلافه لا يعنون له شيئًا. كما أنه في السنوات الأخيرة أغلقت حكومة ماكرون 358 مؤسسة إسلامية، بما في ذلك المساجد، ورحلت 480 أجنبيًا.

إذًا مشكلة فرنسا مع الإسلام ليست جديدة، ولم تظهر فقط مع مقتل مدرس سخر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم. بصفته معلمًا، كان متوقعًا بشكل معقول أن يأخذ في الاعتبار معتقدات طلابه المراهقين عند التخطيط لدروسه، ولكن يبدو أنه قرر التحدث وعرض الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لـCharlie Hebdo مرة أخرى. أفيد أنه طلب من طلابه المسلمين مغادرة الفصل إذا كانوا سيتعرضون للإهانة. متناسيًا أن أكبر إهانة هي أن تطلب من الآخر الإنسحاب للاستهزاء بمعتقداته.

هذه مشكلة متأصلة بعمق في المجتمع الفرنسي وقد عبّر عنها ماكرون عندما تحدى المسلمين في جميع أنحاء العالم وكرر أنه سيعيد نشر الرسوم الكاريكاتورية، وإنه مصمم على إذلال المسلمين وتحريض الناس ضدهم في فرنسا، وربما في أماكن أخرى؛ مما يخلق بيئة معادية. كما قال في خطابه المحرض على الكراهية ونشر الفتنة :لا ينبغي السماح للإسلاميين بالنوم بهدوء في بلادنا. هذه العبارة التي أطلقها إيمانويل ماكرون في إطار مجلس الدفاع بهدف مواجهة الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة صموئيل باتي، المعلم الذي أظهر لطلابه الرسوم الكاريكاتورية لنبينا محمد ﷺ خطاب كراهية تحت مسمى حرية التعبير، يقف اليوم كصرخة حشد ضد الإسلام والمسلمين.

 استغلت السلطات الفرنسية هذا الحادث لصالحها لإطلاق مشروعها الرجعي وتعزيز التمييز ضد المسلمين، بشن حملات أمنية وسياسية وإعلامية مسعورة ضد المسلمين. كما تم استهداف مجموعات المجتمع المدني، بما في ذلك جماعة مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا، والتي تراقب جرائم الإسلاموفوبيا. إضافة إلى الطعن غير المعروف لامرأتين ترتديان الحجاب بالقرب من برج إيفل، والدعوة لإحراق المساجد هما مجرد مظهرين من مظاهر عنصرية الرئيس الفرنسي البغيضةِ. يظهر هذا العدوان نتائج المناخ الناتج عن الحرب التي شنتها الحكومة ضد الجالية المسلمة.

وكان ماكرون قد أعلن في وقت سابق قبل مقتل الأستاذ – بوقت طويل – عن إصدار قانون لإنشاء الإسلام الفرنسي لمحاربة ما أسماه الانفصالية الإسلامية، وفرض شروطًا على الجمعيات والمواطنين لضمان علمانيتهم. قد يقول منظرو المؤامرة أن مقتل البروفيسور كان عملية مزيفة مخطط لها. وخصوصا بعد تلقيه صفعة من الرهينة الفرنسية التي اعتنقت الإسلام؛ لأنها احبت هذا الدين الذي هو دين رحمة وإخاء وسلام. لم يتقبل إيمانويل ماكرون هذه الضربة التي ألقت بكل ادعاءاته الباطلة لدين الإسلام والسلام أرضًا. ففي ظرف اسبوع اختلق قصة ذهب ضحيتها أستاذ. لماذا قتلوا القاتل مباشرة ولم يعطوا له فرصة ليُحاكم ويُدلي بأرائه والسبب وراء فعلته كما فعلت دولة نيوزيلندا؟

الإسلاموفوبيا متأصلة بعمق في المجتمع الفرنسي ويغذيها السياسيون تحت شعارات كاذبة مثل الليبرالية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وتأكيد قيم الجمهورية، وتطبيق العلمانية، وأسطورة: La liberté, l’égalité, la fraternité. كلها شعارات زائفة يتجاهلون جوهر التعايش السلمي بين الثقافات ويشجعون على التمييز، والعنصرية ضد المسلمين، والأقليات المهمشة الأخرى.

فرنسا لديها تاريخ رهيب حقًا من العنف في البلدان العربية والأفريقية التي احتلتها. لا يلزم إعادة سرد التفاصيل هنا؛ قد ينكر الفرنسيون ذلك، ويحاولون تبييض تاريخهم، لكن التاريخ يشهد بذلك. إن الحقيقة وراء الواجهة اللامعة والمنطق المضلل ببلاغة هي أن فرنسا لم تكن قط دولة متحضرة، بل مكان للتعصب والظلم، والظلام. إن متحفها الإنساني المزين بجماجم الجزائريين وغيرهم هو شهادة على مدى وحشيتها وجرائمها. كل موجة الكراهية التي نشهدها هي نتيجة سياسة حكومية تحافظ على الانقسام.

في الواقع تعلم الحكومة أيضًا أن سياستها قد يكون لها عواقب في مجال آخر، وهو النضال الاجتماعي، وأنه يجب عليها تجنب التعبير عن الأصوات المعارضة بأي ثمن، في وضع يزداد فيه وصم المسلمين والشباب من الأحياء الشعبية؛ لأنه لا حرية، ولا أخوة، ولا مساواة بالنسبة لهم. هم القطاع الأكثر خطورة، القطاع الذي يعاني من عدم المساواة في النظام، وتحت حكم ماكرون.

يقول المفكر الفرنسي ميشيل أونفراي إننا نعيش في عصر حضارة ما بعد المسيحية. لذلك فإن الأزمة في فرنسا، والأزمة الحقيقية في ماكرون، هي أنه يريد إحياء التراث المسيحي لجمهوريته العلمانية من أجل مواجهة الإسلام. المسلمون يعلموننا درسًا في مناهضة المادية، وأردف: لأنه مهما كان رأيك، فهؤلاء أناس لديهم فكرة مثالية، فكرة روحانية.

وأكد أيضًا ميشيل أونفراي لماكرون أن: فرنسا هي سبب الإرهاب يجب أن تتوقف عن سياستها الاستعمارية وفرض نظامها على الآخرين وحضارتنا تنهار بسبب العدمية، بينما حضارة الإسلام بلا حدود وعلينا الاعتراف بالحقيقة. ستضيع معه هده المفارقة، لكن يجب أن يعلم أن الإسلام سينتصر وسيفوز بإذن الله. وفي كل مرة تزداد فيها القوى المناهضة له سيتوسع وينتشر. سيكتشف إيمانويل ماكرون أنه يميل رمحه في طواحين الهواء.

وعلى الحكومات في البلدان الإسلامية والعربية، أن تبرهن عن قوة اتحادها في الدفاع عن مقدساتها الدينية؛ بدفع الغرب نحو سن القوانين المناسبة من أجل وضع حد لهذه النزعة المقلقة والخطيرة التي تُلحق الأذى بمقدساتنا، وأن لا يُعموا أبصارهم أو يصمّوا آذانهم عن تشويه سمعة الإسلام. لا نقبل بأن تستغل فرنسا بلسان رئيسها عبر منحه لمواطنيه الضوء الأخضر بحجة حرية التعبير، كي يهينوا نبينا محمد ﷺ أو القرآن الكريم. فحرية التعبير لا بدّ أن تأتي في إطار من المسؤولية الاجتماعية التي تحفظ حقوق الآخرين، ولا تسمح بالمتاجرة بالأديان في أسواق السياسة والدعاية الانتخابية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد