أربكني صمتها المتكلم، وعيناها الدامعتان، ووجنتاها الحمراوان، ويداها المرتبكتان، كل شيء كان يشير إلى خوفها وعجزها وتلك العاصفة التي تلي الصمت، كانت حركة جسدها تدل على أنها تريد أن تنفجر ذات وقت، رُبما الآن، وربما بعد، لكن الأمر ليس بعيدًا، يكفي أنها تحملت الغياب كما لم يتحمله أحد، تحملت فقدًا مُطولًا دون أن تعلم ماهيته، أما الموت فهو على عنفوانه معلوم، ولكن ما هو وصف ذلك الاختفاء غير المبرر، لا تعلم أكان بخيرٍ أم أخذته الريح بعيدًا، وما أثر ذلك الصاعق الكهرُبائي على جسده، هل يستطيع جسده الضعيف المقاومة؟

تشرُد بذهنها بعيدًا حيث اللحظات الأولى من عمرها حين كانت يداه تطوقانها بوُد، الآن هي تبحث عنهما فلا تجدهما. الأمر كله أشبه بكابوس غير قابل للتصديق.

«فقد الأحبة غربة»، دائمًا ما كانت ترددها، لكنها اليوم أدركت معناها حين جلست لجوارهم فوجدتهم يتحدثون في أمور الحياة ويمارسونها كما يتوجب على المرء أن يفعل، وهي لا تستطيع إمالة قلبها في أي ناحية أخرى سوى الحنين، حنين الروح للروح، تُريد أن تلقاها ويتوجب عليها أن توجد في غربة الأرض حيث تمضي لدروسها ومذاكرتها وأصحابها حتى نومها الذي لا يأتيها من شدة الخوف.

تقول: «ألوم عليه أنه كان يُحيطني دومًا برعايته حتى أنه كان يخاف عليّ أن يصبح الجو باردًا قليلًا، فكان يُخبئني من الزمان والمكان حتى ترعرعت في كهفي الخاص بي، لم أعرف ما هو العالم، كل ماعرفته في هذا الوقت كان أننا نختلف عن الآخرين في الاهتمامات والأحلام، وفي الحديث والطريق، في كُل شيء، كدت أفهم ذلك الأمر حين اضطررت إلى الانخراط في المجتمع، لكن ما لم أفهمه أبدًا: لمَ لم ينتفض العالم مثلي حين اختفى أبي؟ لمَ لم يبدُ عليهم الخوف الشديد والاهتمام المتأثر؟ يبدو أنه قد نسي أن يذكر لي أن العالم لا يتحرك، وأن ردود أفعاله تكاد تكون منعدمة».

الأمر برمته لا يعنيني، ما أهتم له فقط هو أبوها، هي تلك التفاصيل التي عليها أن تحتفي بها وحدها بعد أن كان معها، أن تتجاهل بالكلية تلك الفكرة المؤرقة بأنه غير موجود، وأن مكانه والعدم سواء، أن تتجاهل أن الغياب طال وأنها أدركت أن الحياة بالفعل لا تُمَارس طالما نحن وحيدو الشعور، غير أنها أصبحت تقوم بدوره، فبعد أن كانت فتاته المدللة أصبحت رجُلَه القويّ الذي يعمل لأجل ألّا يقع البيت، وتقوم بأمر إخوتها، وتُساعد أمها التي كادت تقع من شقاء الدُنيّا عليها.

أخذت ورقة بذلك الحجم الكبير وبعض أقلام، وشرعت في الكتابة، عبارات مُرددة اعتيادية لكنها مُعبرة عن حجم الألم عادة، تتحدث فيها عن أبيها، وتسأل عن مكانه وتطالب بخروجه، ثم سقط القلم من يدها وبكت كما لم أرها من قبل، كأنها في تلك اللحظة قررت الانهيار الكامل، وعدم العبث بمشاعرها واختزانها أكثر من ذلك، تمتمت ببعض العبارات غير المفهومة، ولكن بدا في عينيها الثقل الشديد، لم أُحاول إسكاتها فقد أدركت في تلك اللحظة أنه من الأنانية أن تُجير على حق من أمامك في التعبير عن ضعفه، وأن كامل قوتها قد كان في بكائها، وكأنها عرفت في تلك اللحظة أن كل الوسائل والكلمات تافهة إلى ذلك الحد الذي لا يسمح بالتفوه أو الاعتراض، رُبما هي تدرك ما قيمة أن تكون صاحب قضية، وتعلم تبعات أمرها، ولكن هي تدرك أيضًا أنها بشرٌ من طين، وأن نيران قلبها تكاد تحولها الى رماد كالذي اشتدت به الريح في يومٍ عاصف، وأنها ما لم تفعل ذلك فلن تستطيع الوقوف مرة أخرى.

كتبت وهي تبكي بدماء عينيها أخيرًا:

«أبي،

طفلتك المدللة تحولت إلى وحش كاسر، كادت تلتهم من حولها من أثر الغياب، ولكن أعدك أن أبقى على وعدك الذي وعدت، وأن أجدك وإن طال بي العمر وتمزقت قدماي، وأن أشعل لك شموع روحي لتنير ظلمتك.

إلى لقاء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ابنة, عاطفة, فقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد