هل فاقد الشيء لا يعطيه؟

إن الكثير من المتلاعبين لا يمتلكون ضميرًا، كما أن الافتقار إلى الضمير يشبه الافتقار إلى المكابح الداخلية. لماذا لا يبدو أن ضمير بعض الناس يزعجهم أو يُؤنبهم؟ هل تجاهلوا ضميرهم؟ أم أنهم لا يمتلكون ضميرًا؟

إن نماذجنا التقليدية كانت دائمًا تقول إن كل شخص لديه درجة معينة من الضمير، ولكنهم أغرقوه بنوع من التكتيكات أو آلية الدفاع اللاواعية إما الإنكار وإما الترشيد. هذا هو التفكير التقليدي.

لكننا نعلم الآن أن هناك أشخاصًا لم يطوروا ضميرًا. وقد تعودنا على التفكير في أن كل شخص سوف يتطور بطريقة صحية إذا لم يعق نموه صدمة، ولكن هذا خاطئ، فالكثير من الأشخاص الذين مروا بصدمات استطاعوا أن يطوروا ضميرًا جيدًا. ومن الخطأ أن نقول «إن فاقد الشيء لا يعطيه» أو «فقط من تأذى سيقوم بإيذاء الآخرين» بعبارة أخرى، الأشخاص الذين تضرروا من الصدمة يعيدون النظر في تلك الصدمة على الآخرين لأنهم لم يشفوا بعد.

هناك قدر معين من الحقيقة في ذلك، لكن المأساة الأكبر في عصرنا النرجسي هي أن هناك الكثير من الأشخاص بيننا أولئك الذين لم يحصلوا على التنشئة الاجتماعية المناسبة منذ البداية. أي إنهم لم يحصلوا على ما يحتاجون لكي نغرس فيهم القيم والتوجيه الإيجابي، لذلك نشأوا بضمير سيئ أو بلا ضمير على الإطلاق.

يجب أن نقول إن البديهية القديمة التي تقول:«إن من تأذى سابقًا هو فقط من يكون قادرًا على الإيذاء» تؤدي إلى قدر كبير من الأضرار وهي لا تحترم مئات الأشخاص الذين أصيبوا بجروح عميقة وتحملوا المشقة والألم والظروف المؤسفة أكثر مما يعانيه معظمنا في حياته، والذين ما زالوا يتحولون إلى أشخاص لائقين حقًّا غير قادرين على إيذاء ذبابة. يجب أن نكون مؤمنين بأننا قادرين على التغيير، التنشئة الاجتماعية هي عملية معقدة مستمرة وقد ولدنا متوحشين وبعض الناس لا يتخطون ذلك أبدًا، وفي ثقافتنا النرجسية القول إن أولئك الناس غير قادرين على أن يطوروا ضميرًا صحيًّا فهذه هي المأساة.

لماذا لا يجب أن أتلاعب بالآخرين؟

نحن نعيش في عصر الأنا والنرجسية حيث لا يجري التسامح مع السلوك السيئ فحسب، وإنما يجري الاحتفال به ومكافأته. إذا واجهك وقال انظر سأكون صادقًا، أنا أتلاعب بالناس ولماذا لا أفعل، فأنا بالتلاعب أحصل على ما أريد ويجعلني هذا ناجحًا فماذا ممكن أن تقول؟

كما يعلم معظمنا أننا جميعًا سنموت في مرحلة ما، يدرك معظم الناس أنه على الرغم من أن الأمر كله يتعلق بهم، فإنه لا يمكن أن يكون كل شيء عنهم. سواء أحببنا ذلك أم لا، وسواء كنا نقدره أم لا، وسواء أدركنا ذلك أم لا فنحن جميعًا جزء من شيء أكبر، وكل ما نقوم به له تأثير في كل شيء آخر أو شخص آخر. وعندما نحصل على ذلك أخيرًا، عندما نهتم أخيرًا بما يكفي لجعل هذا الأمر مهمًّا نغير حياتنا للأفضل ويكون لدينا تأثير أكثر إيجابي في حياة أولئك الذين نتواصل معهم، هذه مسالة روحية للغاية.

لكن نحن في هذا العصر نعاني من الإفلاس الروحي، لدينا الكثير ونحن نعده أمرًا مفروغًا منه، ولا نولي اهتمامًا للصورة الأكبر لأننا نجحنا في مجرد الاهتمام بأنفسنا ورغباتنا الصغيرة. إنه عصر (أنا) حتى الكوكب نفسه يصرخ من الإساءات التي كدسناها عليه. في النهاية سنعيش ونزدهر كنوع عندما نحتضن تلك الصورة الأكبر وعندما نضع حدًّا لتلك النرجسية والتركيز على الذات والانغماس في الذات وندرك ما إذا كنا نحبها (الطبيعة) أم لا، سواء اعتنقناها أم لا، فنحن جزء من شيء أكبر ولدينا مسئولية لإدارة أنفسنا بطريقة أكثر مسئولية.

هل التلاعب واعٍ أم غير واعٍ؟

العديد من الأشخاص في الطرف المستقبل يتساءلون دائمًا:-

«ألا يرى هذا الشخص الآخر ما يفعله؟ ربما إذا كان بإمكاني جعلهم يرون».

حسنًا، المشكلة هي أنهم يرون بالفعل. إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه. وإلا لما فعلوا ذلك. يأتي هذا النوع من المفاهيم من النماذج النفسية القديمة والمتهالكة التي تفترض أن سلوك معظم الناس غير واعٍ، ولا يعني ذلك أن هذا المنظور غير صحيح. إنه منظور صالح لكثير من الناس، خاصة أولئك الذين لديهم درجة معينة من الضمير وهم في صراع مع طبيعتهم الحيوانية. لكن هناك أناسًا بيننا بشكل متزايد هذه الأيام، الذين ليس لديهم ضمير، إنهم على علم لكنهم لا يهتمون، إنهم يرون لكنهم يختلفون، إنهم يعرفون ما المبادئ الصحيحة لكنهم يتعارضون مع هذه المبادئ، إنهم مدللون يريدون فقط أن يشقوا طريقهم وسوف يفعلون كل ما يلزم للحصول عليه، إنهم يعرفون بالضبط ما يفعلونه، وبمجرد أن يدرك الشخص الموجود على الطرف الآخر ذلك، سيبدأ سريعًا في الدفاع عن نفسه وعدم قبوله بعد الآن.

كيف هو العالم الداخلي للمتلاعب أو المبتز؟

يكره المبتزون العاطفيون الخسارة، فليس بإمكانهم تحمل الإحباط وبالنسبة للمبتز الإحباط مرتبط بمخاوف عميقة وطنانة من الخسارة أو الحرمان، وهم يخبرونه على أنه تحذير مفاده إذا لم يتخذ إجراء فوري فسيواجهون عواقب غير محتملة. وقد تكون تلك القناعات راسخة في تاريخ مطول من الشعور بالقلق والخطر. وإن إتمام وتقوية عوامل جينية محتملة ما هي إلا رسائل شديدة الوضوح من رُعاتنا ومجتمعنا تخبرنا عن هويتنا وكيف يُفترض أن نتصرف. يعتقد المبتزون أن بإمكانهم تعويض إحباطات الماضي عن طريق تغير الوضع الحالي.

ترتفع طاقة الابتزاز بصورة دراماتيكية خلال الأزمات: مثل الانفصال، أو الطلاق، أو فقدان الوظيفة، أو خلال المرض، أو التقاعد، ربما يقوض إحساس المبتزين بأنفسهم كأشخاص ذوي قيمة. وفي أغلب الأحيان فإن الأشخاص الذين تَوفَر لهم كل شيء وتمت حمايتهم حماية مفرطة وعاشوا شكلًا من أشكال الدلال، لم يحظوا بفرصة لتطوير ثقتهم في قدرتهم على تحمل أي نوع من الخسارة. وبعد أول إشارة تدل على إمكانية حرمانهم من شيء ما، يصابون بالذعر ويدعمون أنفسهم بالابتزاز. عادة يركز المبتزون كليًّا على احتياجاتهم ورغباتهم ولا يبدون أي اكتراث لاحتياجاتنا أو مدى تأثير الضغط الذي يسلطونه علينا. وهم يتصرفون غالبًا وكأن كل خلاف يطرأ هو مسألة حياة أو موت بالنسبة للعلاقة.

ينجح المبتزون من خلال تكتيكات تُحدِث صدعًا في العلاقة لا يُحمد عقباه. مع ذلك يبدو ذلك النصر القصير الأمد مقتصرًا على ذاته فقط، وكأنه ليس هناك من مستقبل يؤخذ بنظر الاعتبار. ومعظم المبتزين يعملون من منطق «أريد وقت ما أريد». وأي منطق أو قدرة على رؤية عواقب أفعالهم يحجبها الإلحاح الذي يشعر به المبتزون حين يمسكون بما يريدون.

إن أهم الأمور التي يجب إدراكها هو أن المبتز أو المتلاعب بالعاطفة يقول ويشعر بأن ما يفعله من أجلك أنت ولكن في أغلب الأحوال، ليس الأمر من أجلك مطلقًا. حيث إنها تنبع وتحاول أن تثبت بعض المواطن غير الآمنة داخل المبتز. وفي الكثير من المرات يتعلق الأمر أكثر بالماضي لا الحاضر وهي مرتبطة بسد احتياجات المبتز أكثر من ارتباطها بأي شيء يقول هو بأننا فعلناه أو لم نفعله.

يتطلب الأمر طرفين

لا يمكن للابتزاز أن ينجح لولا المشاركة الفعالة للهدف. فالهدف يسمح له بالحدوث. قد تكون على علم بالابتزاز، ولكنك تشعر بعدم قدرتك على المقاومة، لأن ضغط المبتز يطلق فيك استجابات مبرمجة تقريبًا، حيث إن ردود أفعالك ذاتية ومندفعة.

قد يدرك المبتزون المواضيع الخلافية بالنسبة لك. وحين يتم مقاومتهم، يُثار الخوف من الحرمان فيستخدمون كل معلومة لضمان انتصارهم.

إن الصفات الوقائية التي نمتلكها والتي تفتح الباب للابتزاز العاطفي هي ما يلي:-

– حاجة مفرطة للحصول على الاستحسان.

– خوف شديد من الغضب.

-الحاجة إلى السلام مهما كلف الأمر.

– النزوع إلى تحمل مسؤولية حياة الأشخاص الآخرين أكثر من اللازم.

– مستوى عالٍ من الشك بالذات.

عندما تجري موازنة تلك الأنماط واستبدالها بسلوكيات أخرى، لن يتحتم عليك أن تكون «الهدف المفضل» للمبتز بالعاطفة. يتطلب الابتزاز العاطفي تمرينًا ومزاولة. ويستمد المبتزون إشاراتهم من ردود أفعالنا تجاه اختياراتهم ويتعلمون مما نفعله ومما لا نفعله على حد سواء.

أثر الابتزاز

قد لا يهدد الابتزاز العاطفي حياتنا، لكنه يسلبنا نزاهتنا. والنزاهة هي المكان الذي تسكنه قيمنا وبوصلتنا الأخلاقية، موضحة لنا الصواب من الخطأ.

ـ نخذل أنفسنا.

ـ تنشأ حلقة فاسدة.

ـ التسويغ والتبرير.

ـ الأثر في رفاهيتنا:-

ـ الصحة العقلية.

ـ الأذى الجسدي كتخدير.

قد نخون الآخرين لتهدئة المبتز، إنه يمتص الأمان من العلاقة، وقد نغلق أو نقيد الكرم العاطفي.

كيف نواجه المبتز أو المتلاعب؟

من أجل أن نتغير، علينا أن نعرف ما علينا فعله، ومن ثم ننطلق إلى الفعل. إذا كنت راغبًا في اتخاذ إجراء فوري والسماح لمشاعر الثقة والأهلية لديك باتباعك، يمكنك إنهاء الابتزاز العاطفي.

ثلاث خطوات بسيطة:-

(تعهد، جملة فورية: أستطيع تحمل ذلك، مجموعة من العبارات المعززة للذات)

الخطوة (1): توقف

لا تتخذ قرارًا بخصوص كيفية استجابتك لخطة تلقيك للطلب. امنح نفسك بعض الوقت للتفكير.

الخطوة (2): كن رقيبًا

اجمع المعلومات التي تحتاجها للرد على المبتز.

افهم حقيقة ما يحدث:

بماذا تفكر؟

بماذا تشعر؟

ما بؤر التوتر بالنسبة اليك؟

تابع المراقبة إلى أن تبدأ بإنشاء ارتباطات بين اعتقاداتك ومشاعرك وسلوكك.

الخطوة (3):- وقت لصناعة القرار

هناك ثلاث فئات من المطالب

_ مطلب ليس بالكبير والصعب

_ مطلب ينطوي على مهمة، حيث تكون نزاهتك على المحك.

_ مطلب ينطوي على أمور حياتية رئيسية والإذعان له ضار لك وللآخرين.

حدد عملية صناعتك للقرار وخذ بنظر الاعتبار مدى تأثير كل خيار في حياتك ونزاهتك.

حين تصنع قراراتك بالاستناد إلى معاييرك لا معاير المبتز، فأنت تسدد ضربة موجعة لدورة الابتزاز العاطفي.

كيف أواجه التلاعب العاطفي أو الابتزاز العاطفي؟

هناك عدة إستراتيجيات

1- التواصل اللا دفاعي

لا تدافع عن أو تقر قراراتك أو ذاتك عند التعرض إلى الضغط، وإنما استعمل عبارات مثل (آسفة لانزعاجك) أو(حقًّا، يمكنني فهم سبب رؤيتك للأمر بهذه الطريقة) فبدون الوقود التي يوفرها الهدف، تتلاشى محاولات الابتزاز التي كانت في السابق تنجح بامتياز.

دقق في اختيار الزمان والمكان. ضع شروط المقابلة وأعلن قراراتك وتمسك بها، ورجح بأن لا يستجيب لك في الحال، توقع إجاباتهم، تمرس على لعب الدور (قد تتعرض لتهديدات أو شتائم أو سب أو أحكام سلبية، سيل من (لماذا) و(كيف) تطالبك بتغيرات حول قرارك.

فيما يخص الأشخاص ذوي (الصمت الغاضب)، حافظ على عدم الدفاع.

2- استخدام المبتز أو المتلاعب بوصفه حليفًا.

حين يصل الابتزاز إلى درجة من التأزم، من المفيد تحويل الحوار عن طريق تضمين الشخص الآخر في عملية حلك للمشكلات. تقرب اليه بفضول ورغبة في التعلم، استخدام «أداة التساؤل» (أتساءل ما قد يحدث لو…).

3- المقايضة

إذا أردت أن يغير شخص ما من سلوكه، وفي الوقت نفسه تعد بضرورة إحداث تغيرات على أسلوبك أنت، قد تكون المقايضة هي الحل السليم، حيث إنها انتصار للطرفين. وهي تساعد على طرح الاستياء عن طرف من الطرفين.

4- استخدام حسن الدعابة

في العلاقات الجيدة في أساسها، يمكن أن تصبح الدعابة أداة فاعلة من أجل اطلاع الشخص الآخر على الصورة التي يبدو عليها سلوكهُ بالنسبة لك.

ذئاب في ثياب الحملان مصطلح يستخدم لوصف أولئك الذين يلعبون دورًا مخالفًا لشخصياتهم الحقيقية، ولا تستطيع أنت أن تكشفهم ويكون الاتصال بهم خطيرًا، والأخطر من ذلك أن هؤلاء قد يكونون ضمن الدائرة الأقرب لك (الأهل، الأحبة، الأصدقاء، الزملاء، رؤساء العمل).

وكما يقال:«لا ينبغي الحكم على الناس من خلال مظهرهم الخارجي وإنما من خلال أعمالهم، لأن الكثيرين ممن يرتدون ملابس الحملان يقومون بأعمال الذئاب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد