عندما يستخدم الأشخاص الموجودون في حياتنا (الخوف والواجب والذنب) للتلاعب بنا..

هل جربت أو مررت بخبرة أن تقدم كل ما تستطيع لشخص ما (قريب منك) مع ذلك لم ينته الأمر نهاية جيدة؟ بدلًا من ذلك شعرت بالذنب والخزي والخوف وأنك شخص غير مخلص؟ هل ابتزك أقرب الناس اليك؟ دعنا نفكر ونحلل ذلك سويًا.

في مقابلة مع عالم النفس الإكلينكي الدكتور (جورج سايمون) الخبير المعترف به دوليًا في أمور التلاعب واضطراب الشخصية والمؤلف للكتاب الأكثر مبيعًا (في ثياب الحملان).

يقول سايمون: كنت أتعامل مع عدد هائل من الأشخاص في ممارستي كطبيب نفساني إكلينكي، كان أغلب الذين يترددون إلى عيادتي هم مما يعرف سابقًا (بمتلازمة الألغاز). لم يكن لدينا اسم لها حينها وكان هؤلاء الأشخاص مكتئبون في أغلب الأحيان وفي حيرة من أمرهم وتظهر عليهم علامات النجاة من الصدمة، شعروا بالجنون لكنهم لم يتمكنوا من تحديد السبب. مع ذلك كان هناك دائمًا شخص ما في حياتهم يعرفونه ويذكرون إن هناك شيئًا خاطئًا بخصوصه، لكن هذا الشخص جعلهم يعتقدون أنهم مجانين أو الاشتباه في ذلك، مما جعلهم مرتبكين وغاضبين ومكتئبين. يُكمل (سايمون) عندما تعرفت على هؤلاء وقصصهم أصبح من الواضح أنهم كانوا يتعاملون مع بعض المبتزين المتلاعبين النموذجيين. أولئك الناس الذين هم ذئاب يضرب بهم المثل في ثياب الحملان، هؤلاء هم الأشخاص الذين خرجوا للفوز والسيطرة والذين يعرفون أيضا كيف يظهرون ذلك بشكل جيد ويقومون بذلك بشكل جيد. وكيف يخفون عدوانهم باستخدام تكتيكات خفية لتجعلك تشعر بأنك الشخص السيئ بسبب وجود مشكلة معهم. وهكذا وبعد التعامل مع عدد كبير من هؤلاء الأشخاص وسماع الكثير من القصص وإجراء الكثير من البحوث والدراسات ولسنوات قررت أن أكتب كتاب (في ثياب الحملان) ولا يزال هذا الكتاب وبعد 22 عامًا هو الكتاب الأكثر مبيعًا.

إذًا ما هو سلوك التلاعب أو الابتزاز وتعريفه؟

الابتزاز هو شكل من أشكال التلاعب يهدد به الأشخاص المقربون منا بالاقتصاص منا ما لم نفعل لهم ما يريدون، حيث يعلم المبتزون مدى اعتزازنا بعلاقاتنا معهم، كما أنهم يعرفون نقاط ضعفنا وأسرارنا الدفينة. المبتزون والمتلاعبون قد يكونون آباءنا، شركاؤنا أو رؤساء عملنا أو زملاؤنا أو أصدقاؤنا أو أحبابنا. وبغض النظر عن مدى اكتراثهم بنا، فهم يستخدمون هذه المعرفة الحميمية لكي نستجيب لهم. حيث يهدد المبتزون المقربون منا بطريقة مباشرة غير مباشرة بالاقتصاص منا إن لم نفعل لهم ما يريدون، لأنهم يعلمون بأننا بحاجة إلى الحب أو الاستحسان، حيث يعمد المبتزون إلى التهديد بمنع الحب أو سلبه تمامًا أو جعلنا نشعر بوجوب اكتسابه.

أكثر أنواع التلاعب شيوعًا هو العدوان الخفي أو المستتر ،يكون الشخص خارجًا للسيطرة عليك والتحكم بك ولديه طريقة للتعامل معك للتأكد من أنك تخضع لإرادته ويقوم بذلك بطريقة يصعب عليك رؤيتها، بعبارة أخرى إذا كانوا صريحين فانهم قد يقولون لك (هذا طريقنا أو الطريق الصحيح والسريع) وقد تقوم أنت ببعض المقاومة ولكن أغلبهم متسترون أذكياء يستخدمون تكتيكاتهم، وكأنها سحر ويعرفون كيف يستخدمون عواطفك وخاصة ضميرك ليقودك إلى طريقة تفكيرهم، وهذا الأسلوب الخفي هو القتال معك بطريقة يصعب رؤيتها وفعالة للغاية. وهذا هو قلب وروح السلوك التلاعبي. أنه (اللعب على عواطفك وتعاطفك وخاصة ضميرك) ليشق طريقه معك، إنها استراتيجية عدوانية خفية تستخدم في العلاقات وهي مدمرة للغاية.

يخلق المبتزون (ضبابًا كثيفًا) يغشون به أعمالهم، يراد بذلك الضباب الإشارة إلى الخوف والالتزام والذنب، يضع المبتزون ضبابًا يحيط بعلاقاتهم، ضامنين بأننا نشعر بالخوف من اجتيازه ونشعر بأننا ملزمين للإيفاء بما يرغبون ونشعر بذنب كبير إذا لم نقم بذلك.

يتكون الابتزاز من أمرين: حيث إنه صفقة، فبعد الوضوح يأتي التغير. من السهل التركيز على سلوك الأشخاص الآخرين والتفكير بأنه لو تغير ستكون الأمور على ما يرام. يجب أن يبدأ التغيير في هدف الابتزاز (الشخص الذي يتم ابتزازه) فانصياعنا وإذعاننا يرضي المبتزين في كل مرة نُرضي بها أحدًا لعمل معين. سواء أدركنا ذلك أم لا نحن نسمح له بأشد لهجة ممكنه لأن يفعل ما فعله مرة أخرى. والثمن الذي ندفعه لقاء استسلامنا المتكرر للابتزاز العاطفي هو ثمن باهظ، فهو يدمرنا ويأخذ بالتفاقم إلى درجة أنه يضع أهم علاقاتنا بالإضافة إلى مفهومنا الشامل لاحترام الذات في مهب الريح.

يُمكن التلاعب مع الأفراد والتحكم بهم من خلال السيطرة عليهم عن طريق الإرهاب، إنه ليس أكثر أشياء التلاعب شيوعًا، ولكن هناك العديد من الطرق للتحكم في الأشخاص من خلال الخوف. هناك الكثير من الدراسات حول هذا الموضوع والأكثر شهرة هو (متلازمة ستوكهولم) مشاعر الثقة أو المودة التي تشعر بها الضحية في كثير من حالات الاختطاف أو أخذ الرهائن أو الأسر، حيث بعد تجربة الرعب الشديد، تبدأ الضحية في التعرف على المعتدي والقبول به.

هناك العديد من الطرق للسيطرة على الناس وممكن القيام بها بشكل علني، ولكن الطريقة الأكثر شيوعا والأكثر ذكاء والأكثر فعالية، هي إبقاء عدوانك متخفيًا إلى حد ما. وضرب الأفراد بشكل أساسي بأسلحة (الذنب والعار ولعب دور الضحية وجعل الشخص الآخر هو الضحية) هذه كلها تكتيكات صغيرة ذكية لجعل الشخص الآخر يتكيف مع طريقة تفكيرك والقيام بكل ما تريده ويعرف المتلاعبون الجيدون كيفية استخدام هذه التكتيكات جيدًا.

ولكن ألسنا جميعًا متلاعبين إلى حد ما؟

نعم جميعنا متلاعبون إلى حد ما، وللأسف فنحن نوع من المخلوقات العدوانية نعيش في عالم غير ودود يتعين علينا بذل قصارى جهدنا للبقاء والازدهار ونحن في منافسة مع بعضنا البعض. ونحاول جميعًا أن نحقق طريقتنا الخاصة، أي أننا لسنا لطفاء دائمًا مع بعضنا البعض، نحن نقاتل أكثر مما نفعل أي شيء آخر في كل أمور حياتنا في سياستنا وأمورنا وأعمالنا وشؤوننا الاجتماعية، القتال موجود في كل ما نقوم به تقريبًا والطريقة التي ندير بها تلك المعركة هي ما يحدد شخصيتنا.

عندما نكافح بشكل عادل من أجل شيء عادل، عندما لا يتعلق الأمر بنا حقًا ولكن يتعلق بمبدأ صحيح ما، عندما نكافح مع مراعاة مشاعر ورفاهية شخص آخر، عندما نحترم حقوقًا وحدودًا معينة، فإن ذلك من حيث التعريف (سلوك حازم) وعلينا جميعًا أن نكون حازمين، لأن هناك بعض الأشياء في هذه الحياة يجب أن نكافح من أجلها. ولكن عندما يتعلق الأمر بنا وعندما نفعل كل ما يتعين علينا القيام به لنصل إلى طريقنا، عندما لا نتحلى بأي شيء عن إيذاء الناس في هذه العملية، ويكون هناك القليل جدًا من الفائدة باستثناء الحصول على ما نريد، إذا نكون عدوانين بدلًا من حازمين وعندما نفعل ذلك الخفاء وببراعة يكون ذلك تلاعبًا ويكون مدمرًا في العلاقة.

يطلعنا المقتصون على ما يريدونه بالضبط أما العواقب التي سنواجهها ما لم نعطهم إياه هي الأكثر وضوحًا وقد يعبرون عن أنفسهم بطريقة عدوانية أو قد يغوصون في صمت ينم عن غضب. ولكن في كلتا الحالتين يوجه الغضب نحونا دائمًا بطريقة مباشرة. وكلما توطدت العلاقة زادت المخاطر وأصبحنا أكثر ضعفًا تجاه المقتصين. وحين يتفاقم الابتزاز قد تصبح العواقب المنبه عليها إنذارًا بالخطر. كالهجر أو الانقطاع العاطفي أو سحب الأموال أو الموارد الأخرى أو انفجار الغضب الموجه نحونا. وإذا ما وصل الأمر إلى أشده قد يتم التهديد بإنزال الأذى الجسدي.

من يقع عليه سلوك التلاعب؟

لا نستطيع التلاعب بكل الأشخاص فقط أولئك الذين يمتلكون ضميرًا حساسًا كبيرًا جدًا وشعورًا بالذنب والعار لكي تنفع معهم هذه التكتيكات مثال: لو حاولنا التلاعب مع شخص نرجسي للغاية وليس لديه ضمير لو حاولنا فقط إقناعه بفعل شيء ما سنكتشف في وقت قصير أنه لا يعمل ما نطلب منه لأنه لا يمتلك القدرة على الشعور بالذنب وليس لديه الضمير الضروري. ولكن هؤلاء هم الأشخاص الذين يتمتعون بسمات نرجسية وعدوانية هائلة في شخصيتهم ولا يمانعون في ضرب شخص ما وإلحاق الأذى به بطرق مختلفة. هؤلاء هم الأشخاص الذين لا يهتمون بأي شخص أو أي شيء بخلاف احتياجاتهم الذاتية وهم على استعداد لفعل كل ما يتطلبه الأمر. هؤلاء هم أكثر الشخصيات تلاعبًا بالآخرين وضحاياهم هم من يتمتعون بصدق الضمير ويريدون فعل الصواب والذين يريدون أن يتم النظر إليهم بصورة جيدة، وهؤلاء هم من يكونون عرضة للتكتيكات التي يستخدمها هؤلاء النرجسيون لأغراض السيطرة عليهم.

من الأكثر تلاعبًا؟ النساء أم الرجال؟

قد نقول إن الرجال من النوع الأكثر عدوانية علنية والنساء من النوع العدواني السري، ولكن في التلاعب قد يكون الرجال في كثير من الأحيان (يلعبون على المشاعر) بينما (تستخدم النساء المشاعر) بعبارة أخرى يستغل الرجل مشاعر الآخرين ليتلاعب، بينما تستخدم المرأة جروحها في محاولة للتلاعب أو الحصول على السيطرة على الآخرين أو شريك العلاقة، في حين إن الرجال يلعبون بالعواطف ليشقوا طريقهم. لذلك سيرون شعور الحساسية تجاه الخزي لدى المرأة عندما لا تمنحهم ما يريدون لتشعر بعد ذلك بأنها شخص غير لطيف أو أنها شريك غير مخلص وهذا هو سلاحهم، في حين إن المرأة تستخدم جرحها وتظهر الأذى في محاولة التليين أو التأثير على شريك العلاقة، لذلك نقول إن الاختلاف الكبير في التعبير هو أن الرجال يبدو أنهم أكثر استعدادًا للعب على مشاعر النساء والاستيلاء عليها، بينما تبدو النساء أكثر عرضة لاستخدام تلك العواطف كجروح للتلاعب بغيرها.

هل النساء أكثر عرضة للعب دور الضحية كتكتيك للتلاعب؟

فيما يخص التكتيكات يبدو أنها توفر فرصًا متساوية على أساس الجنس. كلا الجنسين يلعب دور الضحية وهو أكثر الأساليب شعبية فقد تقوم بدور الضحية بنفسك والشخص الآخر أيضًا يلعب دور الضحية هذا النوع من الضربة المزدوجة، أي تكون اللكمة ضعيفة.

التلاعب عند الأطفال

متى يبدأ سلوك التلاعب بالظهور عند الأطفال؟ هل هو سلوك متأصل؟ أم أنه سلوك مكتسب يبدأ مبكرًا في الطفولة؟

ليس علينا تعليم أطفالنا القتال من أجل الأشياء التي يريدونها. ولكن الآن علينا تعزيزها، ويمكننا تزويدهم بالعديد من الرسائل في سنوات تكوينهم التي تعزز الفكرة. إننا نوع من المتوحشين بالفطرة. الحقيقة هي أن التنشئة الاجتماعية هي عملية لا أحد ولد متحضرا، لدينا طبيعة حيوانية، يمكننا أن نرتفع فوقها لكن لدينا طبيعة حيوانية فنحن نولد متوحشين ومن الطبيعي أن نحارب من أجل الأشياء التي نريدها. إذا كان للأطفال آباء أقوياء واسعو الحيلة ومبدئيون في سن مبكرة جدا فسوف يتعلم الأطفال في وقت مبكر جدًا أن أسلوب القتال المباشر لن ينقلهم إلى أي مكان.

الأطفال ضعفاء، أما الكبار فهم أقوى منهم بنواح عديدة، ليس من الجانب الجسدي فحسب، بل إنهم يعتمدون عليهم أيضًا. لذا فإن أسلوب المشاكسة لن ينجح، فالأطفال يتعلمون ومنذ وقت مبكر أن طريقة القتال الخفية باستخدام حيل صغيرة للعب على ضمير الأم والأب للتلاعب بهم هي طريقة لها نتائج جيدة بالنسبة لهم وهذا الأمر يرسل رسالة لهم بأن هذه الاستراتيجية جيدة في الاستخدام. لذا فهم يطورون هذه العادة بمرور الوقت، إلا إذا كان الآباء حكماء بما يكفي للتدخل والمساعدة في تصحيح هذه العادة.

ما هي أكثر الطرق شيوعًا لمحاولة الأطفال التلاعب بوالديهم؟

اللعب على التعاطف مثال: طفل مستبد كانت أمه شديدة الضمير ولم ترغب أبدًا في فعل الشيء الخطأ ولم ترغب في وضع طفلها في مواقف صعبة مرت هي بها سابقًا عندما كانت فتاة صغيرة، لذلك عندما يقول الطفل لأمه (أنتِ تكرهينني، أنتِ لا تهتمين بي حقًا، أنتِ لستِ بجانبي، دائمًا تنحازين للآخرين بدلاً مني) أي أنه يلعب دور الضحية ويقوم بتشويه دور الوالد وكما تعلمون فإن الآباء ذوي الضمير الحي هذا الأمر يحز في نفوسهم وكأنما قد ضغط أحدهم (زرًّا) في نفوسهم. من يريد أن ينظر له الآخرون على أنه والد سيئ، بل يحب الآباء أن ينظر لهم الآخرون كآباء محبون ومهتمون ومستجيبون، فإن استجاب الآباء للأبناء بطريقة غير صحية لكي لا ينظر لهم المجتمع بتلك الطريقة، سيتعلم الطفل أن يشق طريقه مع والده أو والدته. هنا يصبح دور الآباء معطلًا، فكيف يقود العائلة من ليس له حكمة؟! هنا يظهر تعبير أن الصغار قادوا السفينة، وكيف يدير النزلاء المنزل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد