قد تكون هناك مشاعر وأحاسيس متبادلة ببن الشعوب، وأنظمة الحكم في بلادها. و تتراوح هذه المشاعر ما بين الحب، والكراهية، والخوف، والاحترام، والاعتماد المتبادل بينهما كل على الآخر. أما علاقات الحب بين الشعوب وحكامها؛ فتكون حين تشعر الشعوب أنها هي التي أتت بهؤلاء الحكام، وأنهم كانوا وما زالوا يعبرون عن تطلعات الشعوب ورغباتها، وأنهم يبذلون أقصى الجهود لتحقيق ذلك، ويحققون نتائج تلبي أحلام الجماهير.

ولكن في الغالب في الدول الراسخة في الديمقراطية تخلو العلاقات بين الشعوب، والحكام من مشاعر الحب والكراهية، وإن وجدت فهي لا تؤثر في قرار الشعوب في اختيار الحكام.

فالعلاقات بين الشعوب، والحكام يسودها الاحترام والاعتماد المتبادل، فالحاكم يأتي باختيار الشعب، والشعب غالبًا يختار الرئيس أو الحزب الذي يحقق له نتائج يلمسها بنفسه في دخله ورخائه والخدمات التي تقدمها له الدولة. وحين يتولى الرئيس أو الحزب المنتخب السلطة، فإنه يعمل لصالح هذا الشعب، وبينهما ما يشبه التعاقد، فإن لم يحقق الحاكم تطلعات شعبه فإنهم وبكل سهولة سينتخبون غيره في الجولة الانتخابية التالية.

أيضًا في هذه الدول قد تحب الشعوب الحاكم، ورغم ذلك تسقطه في الانتخابات كما حدث مع الرئيس الفرنسي الراحل ديجول، وقد تكره الحاكم ومع ذلك تنتخبه لجولة تالية كما حدث مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن.

ولكن وفي أحيان قليلة قد يحظى حكام لم تخترهم شعوبهم، ويكونون على رأس نظام مستبد، ومع ذلك يحظون بحب الشعوب، وذلك حين تكون هناك قيادات كارزمية تفرض شخصيتها، ويضاف إلى ذلك تحقيق إنجازات كبرى تتطلع إليها الشعوب، مثل قيادة حرب لتحرير البلاد، أو الانتصار في معركة مع من يهددون أمن البلاد ووحدتها، أو في حالة تحقيق إنجازات اقتصادية أو ثقافية كبرى تحلم بها الجماهير. وفي هذه الحالة ستقبل الجماهير وستؤيد الحاكم المستبد الذي يحقق تطلعاتها.

أما علاقات الكراهية؛فتكون حين يحكم البلاد نظام مستبد فاشل يضيق على المواطنين في الحريات، ولا يحقق أي إنجاز سوى الفشل في كل المجالات، ولا يشعر المواطن سوى بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وانعدام الخدمات. أيضًا تكره الشعوب حكامها حين يفشو الفساد، وتسود المحسوبية والواسطة، ويحمي النظام كل ذلك حمايةً لمصالح الفئة الحاكمة.

أيضًا قد تكون الكراهية متبادلة ويكره الحاكم شعبه حين يرى المستبد أن شعبه شعب جاهل متخلف، وأنه يبذل وسعه لإصلاح ذلك الشعب ولكن لأنه شعب متخلف فهو لا يستجيب لتطلعات حاكمه، وأيضًا هؤلاء الحكام قد يعلنون بكل صراحة في دفاعهم عن استبدادهم أمام الغرب أن شعوبهم ليست مهيأة للديمقراطية لانتشار الجهل بينهم. وقد سبق وأن صرح رئيس وزراء نظام مبارك أحمد نظيف في زيارة لأمريكا أن الشعب المصري غير مهيأ للديمقراطية! مع أن الديمقراطية نجحت نجاحًا باهرًا في الهند منذ عقود حين كانت الأمية تنتشر فيها.

وقد تكون تلك العلاقات علاقات خوف متبادل: فالأنطمة المستبدة تزرع وتنشر الخوف بين المواطنين لتحتفظ بهيبتها، ولتضمن الطاعة القسرية من المواطنين، وذلك عن طريق: القتل، والتنكيل، والتعذيب، والحبس، والنفي، وغير ذلك من الأساليب. وفي نفس الوقت تشعر هذه الأنظمة بخوف شديد من شعوبها من استيقاظها وثورتها؛ فتتضخم الأجهزة الأمنية وتتعدد، وتحصي على المواطن حركاته وسكناته، وتجند الآلاف من المواطنين ليتجسسوا على عامة الشعب.

وقد كان ذلك جليًا في الأجهزة الأمنية في الاتحاد السوفيتي، وفي دول أوروبا الشرقية أثناء الحكم الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى سقوط الشيوعية 1990.  ورغم تضخم الأجهزة الأمنية إلا أنه تنقصها الكفاءة والمهنية، ويسود فيها الفساد، وتتصرف تلك الأجهزة بعيدًا عن أي رقابة قانونية.

ولكن ما هي العلاقة المثلى بين الشعوب وأنظمتها؟

إن العلاقات العقلانية الخالية من العاطفة هي الأفضل في المدى البعيد. والأفضل ألا تكون العلاقة عاطفية؛ بل علاقة تعاقدية يتم فيها اختبار الحكام لتحقيق أهداف وبرامج التزموا بها، وتقوم الشعوب بمراقبتهم ومحاسبتهم، فإن أوفوا ما وعدوا؛ أعادت الشعوب انتخابهم، وإلا أتت بغيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد