الحيـاة والألم

إذا كنت ممتلئًا بتفكير مُحير، فحتما أنت غريب عنك للدرجة التي تجعل من المساء وبين ساعات الليل أصـواتًا تحتل عقلك ولست تدري إلى متى سيتوقف هذا الاحتــلال.

كم مرة بحثت ورأيت وقرأت وسمعت عن توصيفات لكل ما يدور بداخلك وعن ما يدور بالخارج؟!

كم مرة علقت التغيير للأفضل على أوتــار كثيرين جاءوك من اليوتيوب ليُخبروك أن ما حدث لك هو خيــر، وأن ألمك ما هو إلا شيء عابــر، فقط لو أجدت إزاحة (التفكير السلبي) عن عقلك أو ذاتك فبتأكيدهم عيناك سترى ما لم تكن تراه وأنت أسير تلك الأفكار.

هل حقا آلامك هي مجرد أفكار احتلت عقلك حين تعرضت لأزمة أو صدمة أو موقف ما في أيام الحياة أم أن شيئًا حقيقيًّا اختفى من داخلك أو لم يكن موجودًا منذ سنين

تعالي معي لنفكر.

أذكر في تنبيه سريع أننا حيارى بين عشقنا للحياة ذاتها وبين المخاوف التي ملؤونا بها عن مفهوم (الحياة الدنيا) فهل يوجد فرق؟! ولكن قبل أن تُجيب أنت تذكر أن هذا واحدًا من أهم الأسباب التي جعلتنا مُشتتين ونحن نبحث ونقيِّم ما نمر به في هذا العالم.

للحيــاة معنىً مختلف عند كل إنسان وفقًا لما نشأ عليه أو ما يبحث عنه فالشعور بالحياة يقع ما بين (الواقع الاجتماعي) الذي يحياه الإنسان سواء في الماضي أم في الحاضر أو بين (الاحتياجات المختلفة) سواء نفسية أو مادية.

من هنا يأتي الألم الدائم داخلك، فالألم دائما ما يُعبر عن شيء لأنه في حد ذاته رسالة تحمل معنى وصوتًا يصل إلى الإدراك وهذه إحدى لغات الله مع البشر، حيث استخدم الألم في عالم الدنيــا كرسالة تتضمن معاني التنبيه الدائم للإدراك الحسي والعقلي والجسدي في النفس، لكن في عالم الآخرة استخدمه (كنتيجة).

الواقع الاجتماعي والألم

الإنسان كائن اجتماعي لذلك قامت حياته على أساس 3 أسباب رئيسية (التكاثر، التعارف، التعايش).

نصف آلامنا الاجتماعية هي تفاصيل، الأساس فيها هذه الأسباب الثلاث, والنصف الآخر تتعلق بالمفاهيم والمحاذير والفروض والقيود والأعراف المتعلقة بتطبيقها في الواقع الاجتماعي، ودائما تختلف من بلد إلى بلد ومن عائلة إلى عائلة ومن مجتمع إلى مجتمع،

فواحدة من أهم أسباب الألم هو أن الكثير منا يعتقد أنه بمجرد البحث عن الحرية أو التحرر من بعض القيود المجتمعية أو الهروب منها هو حتما سيأتي له بما يحتاج، لكن في الحقيقة التحرر استنفذ طاقات الكثيرين للدرجة التي أفقدتهم التمييز عن احتياجهم الأصلي.

أذكرك أن الحرية حق مُكتسب وُجد مع الاحتياج الأساسي للإنسان فكلاهما شيء واحد وعندما يوجد أحد قد سلب منك هذا الحق فقد سلب (الشيء وحقك في تطبيقه ومعايشته) وساومك بعدها على مجرد أحقيتك في هذا الشيء من عدمه وليس في امتلاكك الشيء ذاته وهنا تُجهَد كثيرا في مراحل الدفاع وتشعر بعد وقت طويل أنك مُتعب وأن الحرية لم تُعط لك المعنى الأساسي المُفتقد منذ اللحظة الأولى.

الله والأعراف والفكر المجتمعي

الديــن والأعراف والفكر المجتمعي نظموا مجتمعين الحياة الاجتماعية وحقوق الإنسان فيها، ولكن كثيرًا من هذه الحقوق قد ضاعت وأفقدتك الثقة في الكثير من المفاهيم، ولست تدري أيهما مُحق، وهل ذلك من صنع الله أم من صنع المجتمع وتحكماته, أيهما مفيد وأيهما يُخفي الضرر؟

هنا تجد أن الكثير من آلامك قد ارتبطت بهذا الموضوع، ليس لعدم معرفتك بالحقيقة بل لأن أحد أهم أسباب الألم هنا هو أنك تشتَّتَّ وسكن الخوف بداخلك، وهذا يعني أن (الأمان) يغيب عن ما بداخلك، فقبل أن تبحث عن الحقيقة المعرفية ابحث عن المعاني الوجودية فالله يُعرف بها.

فقدان المعاني الوجودية هو الذي أفقدك التحمل والصبر, هو الذي نزع من داخلك الأمان فأصبحت مشوهًّا تسأل عن العدل والحق والجمال بين الظلم والقبح القابعين في محيطك أو داخلك.

الله يُعرف بالعدل والجمال ويُستدل عليه بالقدرة ويحيا فينا بين أنفاسنا. لذا وجب عليك أن تبحث عن العدل والجمال والأخلاق والسلام، حينها ستجد الله.

الله حين شرع الصلاة شرعها لأن فيها شيئًا يبني بداخلك السلام.

إذا حيرتك التفاصيل ولم تعد تعلم ما إذا كان هذا ابتلاءً أم عقابًا, حقيقة أم خرافة فعليك بالمعاني الوجودية التي خلقها الله في النفس.

ارجع إلى ذاتك فهناك تجد الإنسانية والبراءة معاييرَ النظرة الأولى على الأشياء.

ذاتك لا تعيش في الماضي وحسب، إنما تعيش في كل زمن لأنها مع الروح.

– قال جلال الدين الرومي «لا تجزع من جُرحك وإلا فكيف للنـور أن يتسلل إلى باطنك».

أخيــرا (مثلما تقول الأغنية)  «زي ما هي حبها، بحلوها ومُرها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد