غالبيتنا يمر بمواقف يومية تجعله يتساءل أسئلة كثيرة، منها على سبيل المثل وليس الحصر لماذا كان رد فعلي عنيفًا؟ أو لماذا لم أتخذ موقفًا تجاه فعل هذا الشخص الذي أزعجني، ما سبب إدماني للقهوة والتدخين بعدما كنت لا أحبهما.  لماذا أفقد الحماس فجأة، لماذا قررت ألا أتواصل مع شخص ما بعدما كنا قريبين من بعضنا البعض؟ لماذا أختنق فجأة وأجد صعوبة في التنفس وزيادة في ضربات القلب؟ ما سبب الرعشة المفاجئة في جسدي؟

السبب عزيزي القارئ في المشاعر، كل تلك المواقف وغيرها، السبب فيها المشاعر، وفيها ما هو ملحوظ لك وللجميع مثل شخص تجده يتشاجر مع شخص آخر يحدثه في الهاتف فهذا الشخص بالتأكيد يشعر بالغضب، وفيها ما ليس ملحوظًا للجميع، وهو ملحوظ لك فقط لأنها تخصك أنت، وقد لا ينتبه لها أحد مثل أن تشعر بالإرهاق وعدم التركيز بعد يوم عمل طويل، وفيها ما أصبحت لا تلاحظه لانشغالك بكثير من المهام اليومية والحركة الكثيرة وإن تساءلت في يوم من تلك الأيام، هل أنا لا أشعر بشيء حقًا؟ فستكون الإجابة بالطبع لا، أنت تشعر في كل وقت، فأنت إنسان لكن قد تكون غير مدرك لها خاصة إن كنت من غير المحترفين في معرفة تلك المشاعر والتعبير عنها. لكن بالتدريب تستطيع أن تفعل كل ذلك بل وتديرها أيضًا.

وإلا ما هي المشاعر؟

المشاعر: هي مجموعة من الأحاسيس النفسية. وهي عملية استقبال الواقع المعنوي من أحداث ومواقف وعلاقات وتفاعلات مع الأشخاص، وتنتج فيها أحاسيس نفسية مثل الخوف والغضب والحزن والفرح والخزي والذنب والحماس وغيرها.

وفي تعريف آخر: المشاعر والأحاسيس ما هي إلا إرهاصات بيولوجية تتجلى في جسد الإنسان نتيجة تفاعلات كيماوية وإفرازات هرمونية تتم من خلال الجهاز العصبي، ولولا ذلك لا يوجد شعور أو إحساس لأن جسد الإنسان مجرد ماكينة من الدم واللحم.

هل أستطيع أن أمنعها؟

الإجابة ستكون لا، لأن المشاعر ردود فعل تلقائية مثل الأحاسيس الجسدية تمامًا فنحن لا نستطيع أن نقرر أن نمنعها. إننا لا نملك أن نقرر ألا نشعر بالبرد أو بالحر، وبالطريقة نفسها لا نستطيع أن نقول لشخص يشعر بالبرد: لا تشعر بالبرد لأن البرد حماقة. أو نقول له كيف تشعر بالبرد أو بالحر وأنت إنسان مؤمن وتعرف الله. مثل هذه العبارات غير منطقية.

هل هناك عواقب إذا حاولت منعها؟

الإجابة ستكون نعم، المسمى المتعارف عليه في محاولة منع المشاعر هو «الكبت» وفي رصد أفعال كبت المشاعر وجدوا أن الإنسان صار في حالة عداء مع نفسه، وهذا أدى إلى تصدعات في الشخصية بفعل هذا  الكبت. ومع بدايات القرن العشرين بدأ فرويد بالمناداة بأن الناس إذا كبتوا مشاعرهم وحاولوا التصرف كما لو كان لا وجود لها فإن هذا الكبت سوف يؤدي بهم إلى «عصاب مرضي».

وإلى أهم سؤال:

هل أستطيع أن أدير تلك المشاعر؟

الإجابة ستكون نعم، ربما لم نقدم في السابق على التعامل مع المشاعر ظنًا منا أنها ثورات هائجة بلا منطق. وإنما لها منطقها الخاص الذي يجب أن نتعلمه بل ونتقنه. وهذه الأبحاث أدت إلى اكتشاف أن هناك ما يسمى «المخ الوجداني» (وهذا ما سنتحدث عنه في المستقبل في مقالات أخرى) وسنكتفي الآن بشرح أنه متصل بوصلات عصبية سريعة بمراكز الإحساس كالبصر والسمع والشم واللمس والألم وغيرها فهو إذًا متصل اتصالًا حميمًا بالجسد وبالعالم الخارجي، لهذا السبب فإن صورة ما أو ربما رائحة، من الممكن أن تثير رد فعل مباشرًا للمخ الوجداني قبل أن يتمكن المخ العقلاني من فحص الأمر ودراسته.

فمثلًا من الممكن أن تثير صورة عارية رد فعل جنسيًّا عند الشاب المراهق لكن يأتي دور المخ العقلاني فيقرر غض البصر أو صرف التفكير في شيء آخر. (وسنستفيض في كيفية إدارة المشاعر في مقالات أخرى في المستقبل).

وننتهي عند هذه النقاط حتى لا تكون المقالة ثقيلة على العقل ونكتفي بتلك المعلومات إلى أن نستكملها في مقالات أخرى، وفيها سنتحدث أيضًا عن المشاعر والأفكار والفرق بينهما، هل للمعتقدات تأثير على أفكاري ومشاعري، وأسئلة ومواضيع أخرى في ذلك الجزء، وأحرضك عزيزي القارئ أن تبدأ بحثًا وقراءة في تلك الموضوعات من الآن وتطرح أسئلة على عقلك وتبحث لها عن إجابات وتشارك مع الآخرين، فعلم النفس علم كبير لن تسعه مقالات وكتب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد