يجب في البداية التفريق بين الرحمة، والتعاطف.

الرحمة هي رد فعل اختياري؛ بأن تتصرف بإيجابية ومحبة للطرف الآخر؛ لأنه طرف ضعيف. قد يكون بسبب طلب أحدهم، أو جهةٍ ما أن تتصرف (برحمةٍ) تجاه هذا الشخص، أو الطرف الضعيف؛ بينما التعاطف هو شعور داخلي بتفهم الألم، والمساعدة لإيجاد حلٍّ لإيقافه عند الآخرين.

الرحمة لا توجد؛ عندما يكون الطرف الآخر مختلفًا بالفكر، أو الاتجاه، أو لوجود تاريخ سلبي، وفكرة سلبية مسبقة عن هذا الطرف.

بينما التعاطف لا يهتم بالماضي أو الحالة؛ التي يكون عليها المتعاطف معه، فهو اهتمام يأتي بغير شروط.
وكلما زادت هذه العاطفة بمجتمع ما؛ زاد تقبل الفرد بين أقرانه، وزادت إمكانيات النجاح لأي شخص مهما كانت ظروفه؛ أي لا يبقى الفرد رهينة وضعه؛ بل يجد مخرجًا منه بفضل دعم المحيط والمجتمع.

أما عكس التعاطف؛ فهو شعور السَّادية، وأيضًا المازوخية؛ أي الاستمتاع بالألم وتمجيد الألم، والشعور بالرضا في إضعاف الناس وسدِّ سبل نجاتهم في الحياة.

في مشرقنا العربي، وبسبب استمرار الحروب، وتعرض الأفراد المستمر لمشاهد الموت وحالات الفقد؛ ارتفعت عندهم عتبة الألم، وانخفضت أيضًا قيمة (الحياة)، وطالما هم يتعاملون دائمًا مع الموت، فما هو أدنى من الموت لا يعد بالطبع عذابًا أليمًا، أو شيئًا يستحق الذكر.

وتجدهم يلهثون لهاثًا محمومًا للآخرة، ويزدرون الحياة الدنيا باعتبارها فانية لا قيمة لها، وأحيانًا؛ قد يفجر أحدهم نفسه بآخرين للوصول، وبشكل أسرع للآخرة من دون الاهتمام بحياة هؤلاء الآخرين الذي اضطر لقتلهم لأجل هدفه، فقيمة (الحياة) معدومة لديه، وأيضًا ضحايا العنف الأسري، والتنمر، والعنف ضد النساء؛ لا تجد آذانًا مصغية في القانونِ والمجتمعِ؛ لإيقاف عذابهم.

نوعا ما لأن آلامهم، لا تؤثر في المستمعين الذين اعتادوا رؤيتها بشكل دائم؛ بل على الضحايا تقبل عذاباتهم وتمجيدها؛ لأنها من العادات والتقاليد، ورؤية الأطفال يعذبون الحيوانات في الشارع؛ ويتضاربون فيما بينهم؛ لا تعد في المشرق العربي مظاهر خطرة يجب أن تلغى؛ بل العكس قد يعدها بعضهم جزءًا من (ماضي الطفولة الجميل)، أو تدريبًا لزيادة القسوة في أطفالهم؛ حتى يتحملوا الآلام القادمة؛ فتمني الحياة السعيدة الخالية من الألم، أو الاضطرار للمواجهة الجسدية واللفظية، ليس لها وجود في مخيلة الفرد المشرقي.

فعلى الأطفال أن يفهموا أنهم في ميدان المعركة منذ قدومهم: الكفاح لإيجاد الغذاء والاقتتال عليه، والكفاح لنيل المناصب والاقتتال عليها؛ والدفاع عن فكر الديانة، والطائفة والمسئول والقضية.

هو ولد في بلاد الحرب؛ لذا عليه أن يكون مقاتلًا شرسًا، لا عطف فيه لأحد حتى يعيش.

وتعزيز شعور (البطل) والفحولة بدلًا من تشجيع شعور الإنسانية، والتعاطف؛ بل واعتبارها نوعًا من الخنوع والضعف؛ فعلى الفرد أن يهزم شيئًا ما أمام العلن، أن ينتصر في مضاربة، أو سرقة منصب، أو حتى في تعنيف أطفاله.

المهم أن ينتصر على شيء ما، وهنا تبدأ بذرة السادية في النمو داخل الفرد؛ بأن يسبب الألم، ويستمتع، ويُخضع طرفًا له، ويتباهى من الحين للآخر برحمته؛ والتي ليس القصد منها منفعة الآخرين، بقدر رفع نفسه وإرضاء إحساسه بالتفوق، ولا يعد مستغربًا تقديم الأعذار للمعتدي، فمن يدافع عنه يرى فيه جزءًا من نفسه، ويعد العنف نتيجةً حتميةً لفحولته الزائدة، وعصبيته الانفعالية، ولا يجب تغييرها أبدًا.

ويبقى لمن يريد التغيير النقد فقط؛ لأن اللغة التي تعلمها جل الناس، هي النزال الجسدي، والعنف الفعلي؛ للاقتناع بأي شيء، وهذا ما يتجنبه النقاد، ويترفعون عنه؛ لأنه ضد مبادئهم التي يتبنونها.

فيبقى الشعب أسير العنف ومفتقرًا للتعاطف مع نفسه، ويبقى المثقفون في زاويةٍ ما ينظرون بقلقٍ لما يجري، وتأتي لسعة السياط من أصحاب النفوذ على ظهور الناس، غير معتبرين لنقد مثقف، ولا لقيمة وجود مواطن؛ باعتبار أنهم (يعلمون كيفية ورود الإبل) فهؤلاء ماشية وهم رعاة للماشية.

إن شعور التعاطف مقياس لإمكانية الحياة في أي مجتمع، وإن إلغاؤها لصالح تمجيد الألم، والمعاناة، هو قرار حتمي بالفناء، وسد السبل لمستقبلٍ أفضل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تعاطف
عرض التعليقات
تحميل المزيد