مقارنة بينَ الفكر الصّينيّ، الإسلاميّ، الغربيّ وتجلّياتهِ المعاصِرَة تشخيص أوّليّ مبسّط للجغرافيا والشّخصيّة السّياسيّة

هذه المقالة قصيرَة هدفها أن تفحصَ العلاقة بينَ تكوين الشّخصيّة السّياسيّة بالجغرافيا وما بينهما، وتعرِضُ ذلكَ تحديدًا من خلال مثال الصّين، نطاق الإمبراطوريّة الإسلاميّة السّابق، وشيء قليل عن الغرب. إنّ ما استدعى كتابة هذه المقالة هوَ التّفكير في السّياق الجغرافيّ العربيّ الإسلاميّ، بالطّبيعة السّياسيّة المرغوبة لهذه الجغرافيا تحديدًا في عصر يشهدُ صعود قوّة الصّين كإمبراطوريّة جديدة، مقابل الغرب، إلى النّزاعات بينَ دُوَلِهِ. المقالة تودّ طرح السّؤال من جانب المسؤوليّة الأخلاقيّة لأبناء الحضارة العربيّة الإسلاميّة في ابتكار فكر سياسيّ جديد ينسجِمُ وطبيعة نطاقها الجغرافيّ الحضاريّ التي تتسِمُ بالجمعيّة.

تشخيص مبسّط – الشخصيّة السّياسيّة/الجغرافيّة في الصّين

الحيّز الشّرق آسيويّ بكيانهِ السّياسيّ الأساسيّ – الصّين، له جغرافيّة خاصّة تحتّم تكوين كيان سياسيّ معيّن له طبيعة شعائريّة تستمدّ شرعيّتها من تقديس الأسلاف وحفظ المجموعة التي تدعو نفسها بـ«أبناء الدّولة الوسطى» -中国人، هذا الكيان السّياسيّ تطوّر ليؤسّسَ نفسه وقانونه استنادًا إلى الفلسفة الكونفوشيوسيّة والّتي تعتمِدُ على تأسيس الطّاعة لِمَنْ يعلُو في الرّتبة على الآخر ضمنَ العائلة وضمنَ الكيان السّياسيّ (Kellen, 104). هذا الفكر الكونفوشيوسيّ يظهرُ في مرحلة متأخّرَة في التّاريخ الصّينيّ (400 ق.م – أوّل دُوَل الصّين تظهرُ عام 2000 ق.م تقريبًا دولة شيا 夏)، ولكنّ الوضعيّة السّياسيّة الجغرافيّة الخاصّة بالصّين منذ القِدَم قد أنتجَتْهُ: هذه الوضعِيّة كانَ فيها أبناءُ هان في شرق الصّين محاطينَ بأبناء قبائل متنقّلَة متعدّدَة، وهيَ تُشبِهُ وضعِيّة الحَضَر مقابِل البَدْو في تاريخ الشّعوب، أمر ظاهر في تاريخ العرب أيضًا (تشخيص ابن خلدون في مقدّمتِهِ).

إنّ دولة الصّين بدأتْ حقيقَةً في كيانٍ فكريّ إثنيّ ثابِت، وإن تغيّرت حدودهُ عبر الأزمنة، هذا الكيان تقلصَ واتّسَعَ، لكن ما يهمّ أنّه حاوَلَ فرض كينونتهُ على من حوْلَهُ، بمعنى تبنّي الهويّة السّياسيّة قبلَ الثّقافيّة (keightley, Early civilizations in China, Reflections on how it became Chinese 32-33). إنّ منْ يريدُ أن يصبِحَ ضمنَ «أبناء الدّولة الوسطى» عليهِ أن يخلعَ شخصيّة أبناء التّخوم، وأنْ يتبنّى شخصيّة الدّولة الوُسطى، وَهيَ شخصيّة سياسيّة تريدُ فرض ثبات سياسيّ معيّن قبلَ كلّ شيء، ثبات سياسيّ لأجل حيازتِهِ، هناكَ حاجة للاتّساع وإبعاد خطر أبناء القبائل المتنقّلة الغريبة، بعبارة أخرى فرض إمبراطوريّة.

يُقابِل الحيّز الشّرقيّ الآسيويّ، المكان الغربيّ ويُعنى بهِ في المنظور المعاصِر (ذي الطّبيعة الغربيّة) – أوروبّا عامّة وبالأخصّ دولها الغربيّة. هذا الحيّز الحضاريّ بالمقابلِ يبدو حديثَ التّكوين، فمنْ يُحاوِلُ القراءة في تاريخ هذه المنطقة القديم، يجِدُ أنّ أوروبّا خلفَ الدّولة الرّومانيّة، بلا كيان جغرافيّ تقريبًا، وإنّما مجموعة من الكيانات الإثنيّة تحاوِلُ التغَلّب على طبيعة قاسيَة عن طريق هجرات وسطو على من حولَهَا، وأبرز مثال على ذلكَ القبائل الجرمانيّة وتهديدها المستمرّ لروما، وكذلكَ الهجرة الأنجلو سكسونيّة إلى أراضي بريطانيا (جيبون، تاريخ اضمحلال الدّولة الرّومانيّة). بعبارة أخرى هناكَ محاولة لتغليب شخصيّة القبيلة المحدّدة على الكيان الجغرافيّ، هذه الشّخصيّة سياسيًّا ستمجِّدُ القوّة، وهوَ ما حصلَ: بعدَ سقوط الدّولة الرّومانيّة وانتشار المسيحيّة في أوروبّا، إلى أنّ الشخصيّة الدّينيّة هناكَ انحازَتْ لاتّخاذ أدوار سياسيّة، وعدا ذلكَ، مع تيقّظ القبيلة قبلَ عصر النّهضة بقليل، يتمكّن الإمبراطور من جعلِ البابا نفسه ينحني لهُ، هذا أوّلًا؛ ثانيًا، عصر النّهضة نفسهُ الذي أنتَجَ الفنّ المقدّس الإنسانيّ، ينتِجُ الفلسفة المكيافيليّة التي تُعْطِي الحاكم شرعيّة فرض سلطته على حساب انتهاءِ الآخرينَ (كتاب الأمير، مكيافيلي). كانَ عصر النّهضة ربّما محاولة لاسترجاع الطبيعة الجغرافية القديمة، وكيانات القبائل، التي وجدَتْ فيما بعد في عهد الإستعمار، في العالم بأسرهِ أرضيّةً لنزاعاتها.

بينَ المكانَيْن يوجدُ الحيّز الحضاريّ غرب آسيا وكذلكَ حولَ المتوسّط، الذي وقعَتْ في حدودِهِ سابقًا الإمبراطوريّة الإسلاميّة. قبلَ الحديث عن الإسلام نفسه، يلزمُ الحديثُ عن الكيان الجغرافيّ والسّياسيّ. في هذه المنطقة، حيثُ توجد أراضي الهلال الخصيب وصحراء العرب في الآن نفسه وصحراء شمال أفريقيا، توجدُ الشّخصيّة القبليّة بتشكيل الصّحراء، ولكنّ هذه الشّخصيّة تستكينُ للجغرافيا التي تحتّمُ عليها الانتقال بالتّجارة في أرجاء المنطقة من ناحية، وتوجد شخصيّات أبناء القبائل القديمة الذين استقرّوا في أرض الهلال الخصيب، ويذكرونَ أوشاجَ القربى بأبناء صحراء العرب، ولكن في الآن نفسه، بخلاف أجدادهم يبحثونَ عن الثّبات جغرافيًّا، فيؤسّسونَ لكيانات سياسيّة تثبتُ حدودها نوعًا وقد تُنازِعُ بعضها بعضًا، لكنّها تحتفظُ للتّجارِ بحريّة تنقلّهم ونقلِ الأديان والآلهة في القِدَم (مدينة إيزيس: التاريخ الحقيقيّ للعرب). ضمن هذا المكان بينَ المكانيْن تقعُ أرض فارس كذلِكَ، وقدْ كانتْ لها حصّة كبرى في التّبادل الحضاريّ الذي حصلَ في المنطقة حتّى قبل الدّولة الإسلاميّة، وهذه المنطقة لها خصوصيّتها كذلكَ لصلتها بالهندِ، ومقابلتها لجزيرة العرب، هناكَ تكوّنَتْ شخصيّة متفرّدَة استطاعَتْ إقامة الميزان بينَ الجغرافيا والسّياسة حيثُ لا يعلو أحدهما على الآخر ويخلّدان في ملحمة الشاهنامة، التي يصدّ أبطالها خطرَ القبائل التّركيّة وراءَ جبلٍ معروفٍ، ثمّ تدوّنُ فيها قواعد الحكمِ الصّالح لموروثٍ قديم تمّ الحفاظ عليهِ ألفَ سنة أو تزيدُ (فردوسي، ملحمة الشّاهنامة). (الخوض في خصوصيّة فارس والهند وصلتهما بالمنطقة العربيّة يستدعي توسّعًا أكثر).

عندَ ظهور الإسلام يُلاحَظُ انتشارهُ السّريع في هذا المكان الجغرافيّ، هناكَ من يعزو هذا الانتشار لعدم استغراب أبناء المنطقة جيرانهم أبناء الجزيرة الذين عدّوهُمْ منهم، وهناكَ من يعزوهُ إلى قوة الإيمان عند المسلمين الأوائل، أو ضعف الإمبراطوريّات الفارسيّة والرّومانيّة. لا يخوض هذا المقال في الأسباب، ولكن ما يحصلُ هوَ، احتواءُ الكيان السّياسيّ الإسلاميّ الأوّل للجغرافيا الحضاريّة الممتازة بالسّيولة، بينَ الهند وشمال أفريقيا، وهي نفس الجغرافيا التي أتاحَتْ مقدّماته.

من ناحية النّظرة السّياسيّة في المصدر الدّينيّ، يذكُرُ القرآن الكريم مبدأ الشّورى (سورة الشّورى: آية 38)، ويؤسّسُ اصطلاح الأمّة، وقدْ يُعنى بهِ التأسيسُ لمَنْ يختار الحنفيّة «هذهِ أمَّتُكُمْ أُمَّةٌ واحِدَة» (سورة الأنبياء: آية 92) كأفراد ذوي عقيدة واحِدَة، أو كيان سياسيّ، وقد تطوّر المصطلح بالذّات في العصر الحديث (حسب التّدوين الأوروبيّ) ليتخِذَ دلالَةُ سياسيّة أكثر. لاحقًا يظهرُ مصلح الأمّة كأنّهُ عكس فكرة القوميّة العربيّة، ويظهرُ الاثنانِ كخطّين متوازيَين على سالكِ الطّريق ابن هذا العصر تبَنّي أحدهما مبدئيًّا، «لكنّ سالكَ الطّريق يستطيع أن يستمرّ بالمشيِ في طريقِهِ ولا يَعوزُهُ أن يختارَ ما يُفرَض علَيْهِ» (عصمت سيف الدّولة في كتابه عن العروبة والإسلام يتحدّث عما طرَأ من طرح المفهومين كمفاهيم متناقضة ويعترضُ على ذلكَ).

من ناحية تاريخيّة ما يحصلُ في العهد العبّاسيّ الثّاني (847 – 1258) هوَ تفكّك في الإمبراطوريّة الإسلاميّة، ورغمَ هذا التّفكُّك، تحافِظُ الدّول على علاقات ببعضها البعض، ثمّ يظهر الكيان العثمانيّ في محاولة جديدة لتأسيس الإمبراطوريّة، ولكنّ الفرد والشّخصيّة الجغرافيّة السّياسيّة العثمانيّة هي شخصية أبناء السّهوب، وهيَ شخصيّة غريبة عن المنطقة. الاستعمار الذي تلا سقوط الدّولة العثمانيّة والتّجزّء الذي حصلَ رآه أبناء المنطقة كأمر غريب، فدعوا إلى وحدة عربيّة، نظرًا للمقاومة العربيّة للحكم العثمانيّ، ودعوا إلى كيان إسلاميّ جديد. السّؤال الذي يجري طرحه ويحتاج إلى طرح الآن، هل هناكَ حاجة إلى الإمبراطوريّة – من ناحية إسلاميّة فكريّة، وأي قرار يجبُ اتّخاذهُ في هذا العصر؟ يجري تفحّص هذا السّؤال من خلال المقارنة بحالة الصّين، حيثُ كما بانَ يفرِضُ الكيان السّياسيّ ذا الطّبيعة الثّابتة نفسهُ ليأمَنَ ما يحيطُهُ من أبناء القبائل والسّهوب.

الكيان السّياسيّ الصّينيّ في العصر الحديث تأثرَ بالعهد الاستعماريّ، حيثُ رأوا في القرن الذي تبِعَ حرب الأفيون قرنًا من الإذلال، وقد ظهرتْ فكرة الجمهوريّة عند سان يات سن، ثُمّ بعدَ الفشل في صدّ غزوِ اليابان على منشوريًا، والفوضى التي تبِعَتْ طردَ هذا الاحتلال، تنازَعَ فريقا السّياسة، فريقٌ يستندُ إلى شرعيّة الجمهوريّة اسميًّا، ولكنّهُ يحكمُ كما حكَمَ آخر الأباطرة السابقين، وفريقٌ مجدّدٌ تحتَ الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ (Jung Chang, Big sister, Little sister, Red sister). الفريق الأخيرُ هوَ الذي حازَ السّيادة ووطّدَ حكْمَهُ على جغرافيا واسعة جدًّا تشملُ «أبناء الدولة الوسطى» و«أبناء السّهوب والقبائل» معًا.

لكنّ الدعوة إلى شكلٍ فكريّ جديد بعدَ تأسيس حُكْم الحزب الشّيوعيّ الصّينيّ عام 1949 واكبَهَا استنادٌ وتفسيرٌ معيّن للمصادر الكونفوشيوسيّة بعبارة أخرى، استنادٌ إلى التّقليدِ، وفي الآن نفسه، بسبب تطوّر التكنولوجيا، التجارة الحديثة، والأجهزة العسكريّة أصبحَ بإمكان الإمبراطوريّة أن توطّد نفسها على نطاق أوسع، يتجلّى في حيازة الجغرافيا والإنسان الذي يقطنها، حيثُ إن الشّخصيّة والانتماء للإمبراطوريّة الصينيّة كما اتّضحَ منذُ أوّل التّاريخ، هوَ انتماء للشخصيّة السّياسيّة التي تحكمها. عليهِ يلزم مراقبة الإنسان ومدّ الجسور ووصل الجغرافيا لضمان الكينونة الإمبراطوريّة بهذا الشّكل. يُذْكَرُ أنّ هناكَ من فلاسفة الصّين القدماء من ناهضَ التّوسُّع، وعرَف مخاطره على الإمبراطوريّة، حيثُ إنّ التّوسّع المُفْرَط قد يؤَدّي إلى التّفكُّك، في الآن نفسه، يناهضُ هؤلاء الفلاسفة التوسّع لحفظ الشخصيّة السياسيّة الصينيّة من التأثيرات الأجنبيّة، إذًا تكون الشخصيّة السياسيّة هي الأهَمّ، وتُفرَض عليها أخلاقيّات تدعوها إلى نشر قيمها وحضارتها بطريق مدّ الجسور والتّجارة، أو القوّة النّاعمة، وهذا ما يُرى اليوم في مبادرة الحزام والطّريق (العرب والصّين، مستقبل العلاقة مع قوّة صاعِدَة).

ما يفكّر به المقال هوَ، هل تستدعي الجغرافيا الإسلاميّة بينَ آسيا وأوروبّا، إمبراطوريّة؟ هذا سؤال نظريّ، ولكن له أبعاده ويهمّ طرحهُ. هذا السّؤال يختلفُ عن السّؤال: هل في الفكر الدّيني والسّياسيّ الإسلاميّ ما يستدعي الإمبراطوريّة ضرورةً.

من المهمّ طرح هذا السّؤال لامتياز الشّخصيّة السياسيّة الجغرافية السّياسيّة، للإنسان الذي يحيا في حدود الإمبراطوريّة الإسلاميّة السابقة، بنوع من السّيولة والقبول الحضاريّ، نظريًّا. في عصر يوجدُ فيه من ناحية الصّراع الدّامي بينَ الدّول الأوروبيّة وقد وجدَ أرضيّةً لهُ في ما جرى في العراق وسوريا وغيرها من دول العرب (غزو العراق عام 2003، وما جرى بعدَ ثورات 2011)، ومن ناحية أخرى، تبدو الإمبراطوريّة الصّينيّة ككيان غير مفهوم أو كيان مُحْكَم في قبضته على الإنسان والأرض، ينبغي أن يُطرَح السّؤال أخلاقيًّا، ماذا نقدّم للأرضيّة العربيّة والإسلاميّة، وأيّ فكر سياسيّ وطموح سياسيّ سنقدّم للعالم الآن؟ إنّ التّاريخ وضعَ أبناء وبنات الحضارة الإسلاميّة بينَ شقّيْن، وكأنّ عليه أن يختار إمّا الدولة وإمّا الإمبراطوريّة. على الأرجح، أتى الوقتُ، لنخرُجَ من القالبَيْن، وننظُرَ في المساحة التي يعطيها القرآن للمُسلِمِ ليبْدِعَ في حكومته، والمساحة التي تهبها الحضارة العربية الإسلاميّة والجغرافيا التعدّديّة لكلّ أبنائها العرب مسلمينَ من أيّ مذهب كانَ وغيرهمْ، والتأسيس لنظام مبتَكَر وجديد، يحترمُ طبيعة الأرض والجغرافيا التّعدديّة، وهيَ ضرورة أخلاقيّة في هذا العصر ومسؤوليّة تقعُ على عاتق أبناء وبنات المكان بينَ المكانَيْن، فإنّ للتّاريخ آذانًا تُصغي لأفعالِ الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد