من المفارقات الكثيرة التي يتم ذكرها دائماً أثناء الحديث عن العالم العربي والإسلامي هي ” أن أمة إقرأ لا تقرأ”، وذهب آخرون بالقول أنها لا تسمع أيضاً، والبعض يصف العالم العربي براكبٍ يتدلى من أبواب قطار تملأه الثقافات الأخرى ولم يجد له مكاناً فيه، أمّا المفارقة هي أنا عجلات هذا القطار هي عربية المنشأ وشرقية الهوى والدلائل كثيرة.

دقائق قليلة تقضيها في شوارعنا تكتشف فيها حالنا وما وصلنا إليه … ديارٌ خالية من الفكر، مجتمعٌ منصرف عن شئون التفكر، حكومات ذات سلوك مشبوه وغير مرضي، وضع اقتصادي متردي، و أمنييتجه نحو الهاوية، نزعنا الحجاب عن بناتنا وغطينا به قرآننا !!  .. أصبحنا رهن إشارة الغرب نتحرك كيفما يشاء ومتى يشاء !! .. أسواقنا تمتلئ بملابس تفضح عوراتنا والغريب أن الكثير لها مُتقبّل فبنطلونات شبابنا بخصر نازل ، وملابس بناتنا أن لم تصف فهي تشف !!.. نهتف اليهود سرقوا أرضنا ، وانتهكوا عرضنا ، ولكن أين نحن ؟!.. في الطرقات نعاكس بناتنا !!… مُلئ تلفازنا ببرامج مُضللّة.. وزوّد تعليمنا بمناهج مُملّة .. فأصبحنا لا نفكر بشيء له أهمية !! .. انتشار اليأس والتشاؤم بين المفكرين والمثقفين فابتعادوا أكثر فأكثر عن مجال النشاط العلمي !! .. لغتنا أجزل لغة، و بها نزل القرآن، أصبحنا نقول أنها ( لغة مُتخلّفة ) وأصبحنا نتفاخر بلغات زائفة !! .. ، تواضعت الهمم وقلت الأحلام فما عاد أحد يفكر في البطولة ولا حتى في العمل الأمثل، وإنما اصبح الكثير يكتفي بالممكن ويحصرأحلامه في الموجود ، وشغلنا بخبزنا عن كل شئ .. نقول: كان جدي وكان أبي ونحن لا شيئ !!

لو ذهبت إلي الخليج فسوف تشاهد إمارات كالجواهر وقصوراً وعمارات كالعرائس تغازل العيون، وتكنولوجيا متقدمة وصناعات بترولية تسير وراء التكنولوجيا الأوروبية، ولكنها خالية على عروشها من أي فكرة أو ثقافة أو حضارة فالحضارة فكر وفن وإبداع واختراع واشعاع ديني وعلمي يغير التاريخ، وهي أشياء لا تشترى ولا تستورد ، إن أبسط وصف لما يجري إنه عودة إلى الجاهلية … جاهلية جديدة في عصر الفضاء والذرة والتكنولوجيا.

ويكون السؤال هنا : كيف لأمة تعتنق الدين الإسلامي أن تكون في هذا الموضع من الاقتباس والتقليد ؟!

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة مبيناً الخيرية التي تتمتع بها هذه الأمة من خلال كتابها والتحاكم إليه ونبذ الأهواء المضللة والركون إلى سلطان الهواء  : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )

إن المأول لهذه الأمة في الحال والمستقبل أن تكون ذات قيادة مستقلة بذاتها مستمدة تعاليمها من الكتاب الله والسنة بالإضافة إلى الاستفادة من تجارب الأمم السابقة والحالية مما لا يتعارض مع تعاليم الإسلام ، ومن هنا نكتشف أننا فهمنا الإسلام فهما خاطئاً ، وأكثر من ذلك أننا استعملنا إسلامنا لهدم أهدافه وتعاليمه ذاتها – إلا من رحم ربي – ، وإستعملنا كلمات القرآن لنطفئ بها نور الإسلام !!

يقول محمد عبده في كتابه رسالة التوحيد : ( لقد انتشرت الفوضى العقلية بين صفوف  المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم … فجاء قوم ظنوا أنفسهم مالم يعترف به العلم لهم فوضعوا مالم يعد للإسلم قبل باحتماله … غير أنهم وجدوا من ناقصي المعارف أنصاراً ومن البعدين عن ينابيع الدين أعواناً فشردوا العقول عن مواطنها وتحكموا في التضليل والتكفير وغلوا في ذلك حتى قلدوا بعض من سبقهم من الأمم في دعوى العداوة بين الدين والعلوم الأخرى … وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب : هذا حلال وهذا حرام وهذا كفر وهذا إسلام … والدين من وراء ما يتوهمون … والله جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون … والذين علينا أعتقاده إن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد والعقل من أشد أعوانه والنقل من أقوى أركانه وما وراء ذلك فنزغات شياطين وشهوات سلاطين والقرآن شاهد على كل بعمله قاض عليه في صوابه وخطله … ) .

مما سبق نكتشف أن أمتنا تعيش فترة من الجمود والتعطيل وذلك بسبب وقوعها بين فكين :

إحداهما حضارة غربية مستوردة ، والآخر عامل أصيل متجمد ، وإن استمر الوضع على هذا الحال فإن عملية النهوض بثقافة الأمة تكاد تكون مستعصية  .

وفي النهاية نقول : قد صنعها الإسلام مرة، ويمكن أن يصنعها مرة أخرى، ولكن إن صححنا مفهومنا للإسلام، وأن نكرس جهدنا في سبيل الحفاظ على مقدراتنا التي أساسها وحدة الإيمان والعقيدة الصحيحة بعيداً عن الطغيان المادي الذي يفقد الإنسان إنسانيته، ومتى بنى الإنسان حضارته على قيمه وأخلاقة الإسلامية فإن هذا البناء لن يقهر بإذن الله .

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد