حركة التفتح الفكري للشباب، ووضع القراءة على رأس الأولويات شيء ذو ضرورة قصوى وعاجلة، ينبغي أن يُوجه معظم الشباب إليه ويستثمروا في ذلك؛ فهو من بين الحلول المهمة للأزمة التي نمر بها.

ولكن هناك مشكلة كبيرة قد ظهرت من بعض الشباب المهتمين بهذه الحركة التي بدأت منذ فترة، يجب العمل على حلها وتداركها قدر ما نستطيع؛ تلك المشكلة هي أن الشاب يتعجل كثيرًا في إتمام بناء الفكرة والعناية بها، فبمجرد أن ينتهي من قراءة كتاب واحد فقط تأخذه الحمية ليمارس دور العالم في تلك القضية، يذكرني ذلك بتلك المشكلة التي كنا نعاني منها قبل الثورة – في تلك النقاشات المتكررة والمشهورة حينها – مع بعض الأفراد حديثي العهد بالانتماء إلى جماعات إسلامية، بمجرد انتمائه لها وسماعه محاضرة عنها كنتَ تجده يسترسل في النقاشات هنا وهناك، مثل رجل قد كتب مؤلفات في هذا المجال.

هذه المشكلة يجب العمل على حلها، سواء من مفكري الحاضر، أم من هؤلاء الشباب أنفسهم؛ بأن يضبط لسانه عن الخوض في كل أمر وكل صغيرة وكبيرة، بأن يتعلم السماع – في بداية الأمر- أكثر من أن يتكلم أو يكتب، وفي فترة ما سينضج، وسيظهر هذا النضج في حديثه المتناسق المتناغم، وحينها سيجبر الجميع على أن يسمعوه.

ليست الحكمة في أن تتحدث في كل المواقف التي حولك، وأن تعلق على جميع الأحداث -وقد يصل حالك إلى أن تغضب إن فاتك أمر لم تكتب عنه -بل الحكمة أن تتحدث وقتما تجيد الحديث أو تنضج الفكرة لديك، وتصمت حين يكون الصمت لغة الحال والمقال.

هذه المشكلة تسبب ضررًا على المستوى البعيد والقريب، فعلى المستوى القريب تهدر أوقات هؤلاء الشباب في جدالات وسجالات لا تجدي نفعًا، وترمي بهم بعيدًا عن الهدف المرسوم، فضلًا عن شعوره بالمتعة في التحليل والتنظير دون فهم الواقع، وتجعل الكلام سابقًا العمل، بل تجعل الكلام واجبًا والعمل مستحبًا!

وكما يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة:

«إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة؛ فهو لايفكر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجرًدا!».

وعلى المستوى البعيد؛ فإن تكوين طبقة شبابية لدينا شغلت وقتها بالقراءة ليس مشكلة بالطبع في حد ذاتها، ولكن الطامة أنه قرأ، وإما أنه فهم فهمًا خاطئًا، وإما قرأ من زاوية واحدة واهتم بها دون غيرها، أو خرج بمجموعة من الأفكار المشوشة، سواء بالمغالاة حينًا، أو التفريط حينًا آخر؛ وفي ذلك قال ابنِ مسعودٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ: «ما أنتَ بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلَّا كانَ لبعضهم فتنةً».

ومجمل القول أنت كقارئ لا بد وأن تضع مسافة بينك وبين الكاتب، تسمح لك بالنقد والتعليق أو تنظيم الأفكار وفهمها فهمًا صحيحًا، ولا يمكن أن تتعامل منذ البداية أن كلامه مُسلمٌ به وما خالفه فهو خطأ جلي!

وأن تتمهل في التعلم والتلقي، وإن وجدت معلمًا صادقًا أمينًا تتعلم على يديه فأنعم بها من طريقة، وأحسن بها من وسيلة.

يقول الإمام الغزالي في كتابه «الطريق من هنا»:

«إن الطفولة العقلية السائدة بين متحدثين إسلاميين يُخشى منها على أمتنا، بل يجب أن نعلم أنه لا مستقبل لنا ما بقي هذا الاسترخاء الفكري والخُلُقي يصبغ شؤوننا».

وختامًا، ليس كلامي بالطبع دعوة إلى ترك مجالات الفكر أو التنظير أو عزوف الشباب عنها، ولكنه دعوة إلى ضبط البوصلة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الربح الفكري؛ وذلك بأن يهتم الشباب ببناء صرح فكري عملي قوي متكامل الأركان أكثر من اهتمامهم بفرد عضلات فكرية خاوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!