حادث سقوط الطائرة العسكرية في الجزائر لم يخلف ضحايا وحزنًا على أرواح من سقطوا فقط؛ بل خلف نوعًا من القومية التي لا تزال تسيطر على عقول الشعوب رغم الانفتاح الكبير حاليًا على وسائل التواصل الاجتماعي٬ والذي يُفترض أنه قد أكسب الشعوب العربية قدرةً على استيعاب أننا جميعا في خندق واحد٬ وأن جلادنا واحد، فعلى ما الشماتة؟!

لم يتم دفن ضحايا الطائرة بعد حتى بدأت موجة السب والشتم بالارتفاع بين الجزائريين والمغاربة. وكما هي العادة حينما يكون هناك أي حادث مهم في إحدى الدولتين، لا يضيع الطرف الآخر الفرصة ليبدي فرحته شامتًا في الطرف الآخر، أو شاتمًا له في حالات أخرى. وتبدأ بعدها تحليلات العامة ممن لا يفقهون في السياسة شيئًا؛ فتجدهم يطبلون لدولتهم على أنها فعلت وفعلت وأنها تقف على قمة العالم، بينما لم تحقق الدولة الأخرى شيئًا يُذكر. لكن ما لا يفقهه أولئك المطبلون هو أنهم ضحية لتحريض خفي يتم من كلا النظامين لتشويه العلاقة بين الشعبين٬ وإشعال نار الكراهية بينهما، ما يساعد على تقبل فكرة الولاء للدولة أكثر٬ وعلى عدم استساغة أي فكرة للاتحاد أو الاتفاق أو التعاون في أي شيء مستقبلًا، وهو تمامًا ما قامت عليه اتفاقية كامب ديفيد التي شتتنا وزرعت في نفوسنا هذا الولاء الدخيل علينا للقومية؛ بينما ننسى الولاء الأقوى وهو أننا مسلمون من أمة واحدة قامت على الأخوة والمساواة والتكاتف في وجه العدو، لا التكاتف في وجه أهلنا وإخوتنا!

ومع أنه حتمًا هناك عاقلون كثر سواء من المغرب أو الجزائر ممن يدركون أننا إخوة٬ وممن لا يقعون في مثل هذه السقطات، إلا أنه من المحزن أن ترى أشخاصًا متعلمين مثقفين يشاركون في السب والشتم٬ ويصدقون هذه العداوة الغريبة التي تم صناعتها باحترافية بين الشعبين. وهذا لا يدل سوى على أمر واحد٬ وهو أن الأنظمة استطاعت أن تغسل أدمغتنا حسب ما تراه وما تقرره، فبمجرد أن يمس البلاد أي عارض نجد عقولنا مبرمجة مباشرة للشعور بأننا تحت الخطر الذي برمجنا عليه النظام، لكنه ليس الخطر الصهيوني مثلًا؛ بل هو خطر الشعب الشقيق الذي يعيش معاناتنا نفسها٬ والذي لا حول له ولا قوة تمامًا كحالنا. وهذا الحال من العداوة الدخيلة ليس موجودًا بين الجزائر والمغرب فقط؛ بل رأيناها بين عدة دول عربية وفي الدولة الواحدة كما يحصل في سوريا الشقيقة.

لكن لم يكن العداء بين الجزائريين و المغاربة هو ما لفت نظري فقط؛ بل كمية البلاهة أيضًا التي تصيب عقول البعض حينما يتعلق الأمر بالقوميات. فبعد حادث سقوط الطائرة العسكرية مباشرة تم تزيين شاشات القنوات الجزائرية باسم بوتين الذي سارع إلى تعزية الجزائر بمُصابها، وقد عهدنا مثل هذه الشهامة من مجرم مثله٬ خاصة نحو بلد ليس له ناقة ولا جمل في سوريا٬ ولم يدن يومًا جرائمها هناك باعتباره تدخلًا في شؤون الشعب. ولنقل أن هذه سياسة لا دخل لنا بها، فهل ينسى الشعب البسيط ما يفعله بوتين بأهلنا في سوريا؟ أم أنهم يتغافلون؟ أو ربما يصدقون أنه يضرب الإرهابيين! فللأسف لم يمر خبر تعزيته دون أن يثير في نفوس البعض عواطف جياشة على أنه حليف للجزائر٬ وأننا يجب ألا ننسى أنه أول من سارع لتعزيتنا بينما شمت بنا غيره، أعلى هذه الأسس يتم تقييم العدو والصديق؟ لو كانت المشاكل وأمور السياسة تُحل بالكلمات لقُلبت الدنيا رأسًا على عقب!

أريد توجيه كلمة بسيطة للجزائريين والمغاربة وهو أنكم أشقاء، لولا جور الزمان لما كانت هناك حدود ترابية تفصلنا عن بعضنا، ولولا سقوطنا تحت رحمة القوميات لكنا تحت راية دولة واحدة قوية أقل ما يمكنها أن تضمه هو المغرب العربي بكل دوله. فرفقًا بأنفسكم ورفقًا بما آل إليه حالكم، ولا تُعطوا الشامتين بحق من الصهاينة وكلابهم في الغرب الفرصة للضحك عليكم٬ وتدبير الخطط لتوسيع الفجوة بينكم أكثر مما هي عليه الآن، اتحدوا ولو على مواقع التواصل الاجتماعي لعلنا نتجاوز العاصفة التي تضرب العالم العربي والإسلامي٬ والتي لن تهدأ حتى تُخضعنا جميعًا وتسرق منا روحنا، وليست تلك الروح إلا قدسنا التي ننساها في خلافاتنا التافهة وإسلامنا الذي يخفت بريقه يومًا بعد يوم، فلا نعود بعدها أمة؛ بل مجرد جسد خاو لن يقدر حتى على التنفس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد