تحل الذكريات والأعياد تباعًا، ويثقل حمل كل مناسبة بوزن ما يحمله واقعنا من حلاوة أو مرارة، ويرتفع منسوب مشاعرنا وينخفض وفقًا لذلك أيضًا.

كم أبدعت فايزة أحمد في أغنيتها ست الحبايب عندما قالت: «ست الحبايب يا حبيبة يا أغلى من روحي ودمي يا حنينة وكلك طيبة.. أنام وتسهري وتباتي تفكري وتصحي من الأدان وتجي تشقري.. تعيشي ليا يا حبيبتي يا أمي ويدوم لي رضاكِ.. أنا روحي من روحك انتِ وعايشة من سر دعاكِ.. بتحسي بفرحتي قبل الهنا بسنة وتحسي بشكوتي من قبل ما حس انا.. لو عشت طول عمري اوفي جمايلك الغالية عليا.. اجيب منين عمر يكفي والاقي فين أغلى هدية.. يا رب يخليكي يا أمي.. يا ست الحبايب».

كل بيت اعتاد على سماع تلك الأغنية وإهدائها للأم؛ لأنها تعبر تمامًا ما معنى كلمة أمي، ولكن ماذا لو أصبحت اليوم كلمة أمي موجعة في حد ذاتها؟

ففي حالة الجنون التي يعيشها العالم اليوم، أصبحت كلمة الأم تحمل من الأوجاع والجراح والآلام ما يكفي لجعل هذا اليوم محزنًا حقًا.

فكم من أمٍ الآن ضحت بأبنائها وتقبلت فكرة تغربهم عنها من أجل حمايتهم من جنون الحرب! فكم من أم أصبحت جريحة منهكة مكسورة نتيجة ضعفها أمام متطلبات الحياة الكثيرة والمكلفة لتربية أطفالها! فكم من أمٍ الآن تجلس وحيدة تسترجع ذكرياتها مع أبنائها الذين غادروا ديارها، إما إلى السماء، أو إلى بلاد أخرى، بعيدين عنها!

وأيضًا كم من شابٍ الآن يسكن ديار الغربة وحيدًا بلا أم، وهو الذي اعتاد على عطف لامتناهٍ وقبول له ولأغلاطه دومًا، وعلى رضا دائم! كم من شابٍ الآن فقد بيته ودراسته وعمله وأصبح عاجزًا لا يملك ثمن شراء وردة لأمه في عيدها!

وكم من شابٍ اليوم فقد أمه، إما ضحية حرب أو مرضٍ مؤلم، وأسباب الفقد لا تعد!

فاليوم بيت جدنا، الذي اعتادت جدرانه على سماع أصوات ضحكاتنا والفرح لأعيادنا، أصبح مهجورًا، لا يسكنه سوى الجدين الهرمين متشبثين بذكريات وضحكات الماضي، متأملين عودة تلك الأيام متجاهلين تمامًا أن أحفاد هذا البيت لم يعودوا صغارًا، وهموم هذه الحياة كانت كفيلة بقتل وسرقة ضحكاتهم، فاليوم حتمًا في كل بيت هناك جرح، إما خفي، أو ظاهر، جليّ، أو غامض، متورّم من شدّة وطأة الفقد أو الغياب أو السجن.

في كل بيت هناك أمٌ تبكي شوقًا لأحد أبنائها، فهناك على طاولة الطعام يوجد كرسي فارغ، تجلس الأم تلوك حزنها في صمت، نعم فقد اعتادت على غياب أحد أبنائها، ولكن لأن اليوم عيدها ستذكره وستذكره كثيرًا بدموع وحسرة، تذكره ومتى نسيته فقلوب الأمهات لا تنسى ولا تغفل ولا تحمل شرايينها سوى المحبة والرأفة والرحمة.

منها!

إن نوى أحدنا الاحتفال بعيد أمّه فليستذكر أمّا دفنت أربع أبناء في غزة في فلسطين، وأخرى اغتسلت بدم وليدها وغسلته بعَبراتها بعد أن مزق أشلاءه برميل متفجر في دير الزور في سوريا، وأخرى تنتظر خبرًا عن ابنها المخطوف بقرية مهجورة في اليمن، وأمهات مكلومات في كل بقعة من خارطة البلاد العربية الدامية.

نجد اليوم أن مَن يبكي ويتألم أكثر بكثير ممَن يضحك ويفرح، لنحترم إنسانيتنا قليلًا، ولنحترم شعور هؤلاء الناس ونحتفل بصمت. رفقًا بقلوب ما عادت تعرف إلا الألم احتفظ بمعايدتك لأمك وفرحك بعيدها لنفسك بعيدًا عن مواقع التواصل الاجتماعي، لا توقظ الأسى الغافي بين الضلوع، لا تنكأ جراحًا لم تندمل.

ويا رب بعدد الأعين التي تدمع وجعًا في هذا اليوم وبعدد حرقات وغصات قلوبنا تهون علينا أوجاعنا وتحمي أمهاتنا وترحم الأموات منهن وتقلب أحزاننا أفراحًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد