لا شك أننا كبشر من خلال أزمة كوفيد-19 أو بالأحرى أزمة الإنسانية، نعيش في ضبابية ونخطو بخطوات نحو المجهول، فلا أحد يستطيع الجزم أو التكهن بما سيحدث في المستقبل القريب ولا البعيد، إلا أن معظم الخبراء يتفقون على أننا نعيش مرحلة حاسمة في حياتنا كبشر، وعلى أن العالم يحتاج لسنوات طويلة من أجل التعافي من مخلفات هذه الأزمة، إن وجد لها حل في الوقت الراهن، وهو الشيء الذي يبدو مستبعدًا، خصوصًا أن المختبرات التي تتصارع من أجل إيجاد لقاح لهذا الوباء تحتاج لسنة من الدراسة على أقل تقدير.

في الحقيقة جاء هذا الفيروس التاجي (اسم على مسمى فهو ملك العالم الآن) إذ استطاع أن يكشف ويعري توجه البشرية المتوحشة، وأقصد بالبشرية هنا المنظمات الدولية أو الأقلية المتحكمة التي ترسم خطط وتوجهات العالم، وتسهر على حفظ السلم والأمن الدوليين كما تدعي ظاهرًا، أما الباطن فهو مغاير تمامًا، فهي في الحقيقة تتنافس للقضاء على الجنس البشري وتدمير الإنسانية، التي جاءت في الأصل لحمايتها بعد الحربين، والتي كان سببهما الأساسي هو الصراع نحو التسليح وفرض الهيمنة، وعدم قناعة بعض البشر (الدول) بما يملك وطمعه فيما يملكه غيره، وهذا مشكل البشرية منذ فجر التاريخ، فصراع الأخوين قابيل وهابيل يعد أول تمثلات هذا الشر البشري، وها هو التاريخ يعيد نفسه كل مرة في حدثٍ، لكن دون جدوى، ولعل ذلك راجع لكون الإنسان في طبعه ينسى، ربما!

جاء كورونا ليذكرنا، أو بالأحرى الأقلية المتحكمة بماضيها لعل الخوف من الموت، وغريزة البقاء توقف غريزة التحكم والقوة، إذن هو صراع الغرائز! نعم إنها حرب الإنسان ضد نفسه، حرب الإنسان ضد غرائزه، حرب الإنسان ضد أخيه الإنسان.

وأنا ساهر في إحدى الليالي الكورونية المرهقة للعقل والجسد، وجدت نفسي أغوص في أعماق تفكيري محاولًا استيعاب هذا الكابوس الذي يشغل بال العالم في هذه الفترة، واضعًا نصب عيني تصاعد أرقام المصابين والضحايا غير غافل لنظرية المؤامرة التي تحاول إيجاد مكان لها في عقلي، بدأت أتخيل العالم في سقْفِ غُرفتي كأسرة صغيرة وأنا ربها، حيث تساءلت: ماذا كنت سأفعل لحماية أسرتي؟! هل كنت لأدفع أفرادها للتتنافس وتتصارع ليثبت كل فرد قوته على الآخرين، كما هو الشأن في الأسرة العالمية؟!، حتمًا ما كنت لأفعل، فالهدف الأساسي من الأسرة هو التفكير بالعقل الجماعي والإحساس بأنها كالجسد الواحد.

وهذا لا يعني عدم وجود خلاف وشجار بين أفرادها طبعًا، لكن يفترض أن يوجد رجل حكيم (حكيم وليس قويًّا) في الأسرة يتم اللجوء إليه لحل المشكلات، وهذا هو الدور الذي كان من المفترض أن تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية، بحكم تربعها على سيادة العالم (اقتصاديًّا، سياسيًّا، عسكريًّا، طبيًّا وإعلاميًّا…)، هذا ما لا نجده فعليًّا، فهي قوية وليست حكيمة؛ مما جعلها السبب في جل التوترات التي تعصف بالعالم إن لم تكن جميعها، لعل ذلك راجع إلى أنها تتغذى من تلك التوترات، ولا يمكن أن تعيش من دونها.

هذا العالم أُنفق عليه تريليونات الدولارات من أجل تدمير بعضِهِ بعضّا، كل الدول عمومًا أو العظمى منها على الأقل تُنفق المليارات على التسلح وتحديث إمكانياتها الأمنية، من طائرات، وحاملات الطائرات، وغواصات، ورؤوس نووية، أتساءل لماذا؟أهذا ما تحتاجه البشرية؟ أين الأمن الصحي من كل هذا!

عجبًا لبشرٍ يمتلكون كل هذه الإمكانيات وقفوا عاجزين عن توفير الكمامات وأجهزةالتنفس، ما يقارب 8 مليار من البشر مع كل هذه الإمكانيات العسكرية والمعدات الحربية، لا يتوفرون على مليونين من أجهزة التنفس! يا أسفاااه، لعل قائلًا يقول، وكما يروج في الإعلام، إن العالم لم يتوقع ولم يكن مستعدًّا لهذه المصيبة، أقول أما الاستعداد فكان على أشده من جميع الدول تقريبًا، لكن لمحاربة بعضها بعضًا، فكل الاستعدادات كانت في اتجاه أن الإنسان عدو لأخيه الإنسان، وأما التوقع فقد كان متوقعًا لأكثر من ثلاث سنوات على لسان بيل جيتس وكثيرين غيره، الذين توقعوا كارثة وبائية تهدد البشرية في المستقبل القريب، إذن من المسؤول؟ ومن المستفيد؟

بالحديث عن المسؤولية فجميع البشر يتحملونها لكن المسؤولية درجات، فالأقلية المتحكمة هي المسؤول الأول عن كل ما يقع، بحكم أنها هي من توجه العالم حيثما أرادت، فالذي يملك الاقتصاد يملك القرار، كيف يعقل أن عشرين فردًا (وأقول فردًا وليس دولةً) من أصل 8 مليار إنسان على وجه البسيطة يمتلكون أكثر من نصف ثروة العالم، عشرون فردًا فقط (كلهم رجال على فكرة) يتحكمون فيما يقارب 60%‎ من الاقتصاد العالمي، كيف ذلك؟ أين التقسيم العادل للثروة؟ أين حقوق الإنسان؟أين تمكين المرأة؟ كل هذه الشعارات من صنعهم لماذا لا تنطبق عليهم؟

أما المستفيد الوحيد حتى الآن من هذه الأزمة فهو البيئة والمناخ والطبيعة، نعم الطبيعة هي المستفيد الأوحد؛ فالشركات، والمصانع أغلقت أبوابها، والطائرات، والباخرات أوقفت رحلاتها، والمحروقات طاح ثمنها، وقلَّ استهلاكها، بعدما كانت البشرية تضحي بالطبيعة (منزلنا المشترك) من أجل الاقتصاد، ها هو الاقتصاد ينهار لصالح الطبيعة، فوقفت عجلة الاقتصاد المسرعة، لعل البشر يفهمون أنها كانت مسرعةً نحو الهاوية، إذن هي الطبيعة تنتفض، هي الطبيعة توقف العالم لتأخذ أنفاسها، هي الطبيعة تنتصر لذاتها؛ ففيروس كوفيد-19 ما هو إلا رسالة، يا ليت العالم يفقه قراءتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رسالة, مشفرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد