مقدمة

مائة وسبع وأربعون عامًا – 147 – هي فترة الحكم الفعلي للأسرة العلوية، بداية من الوالي محمد علي، إلى ملك مصر فاروق، ولو أردنا إضافة السنة الأخيرة التي قضاها أحمد فؤاد الثاني، والتي لا تعد سوى شكليات أُضيفت إلى عمر تلك الأسرة، فسيصبح عمرها 148 عامًا، بداية من العام الميلادي 1805 إلى 1953، تملك فيها 11 واليًا، وخديوي، وسلطان، وملك، من الأسرة العلوية حكم مصر. [1]

لذا، فإذا كانت تلك هي الفترة التي انتهى بعدها حكم محمد علي وسلالته لمصر، فمتى سينتهي حكم عبد العزيز آل سعود وسلالته للسعودية؟

في الحقيقة لا يعرف الغيب إلا الله – جلّ وعلا – ومن يقول خلاف ذلك، فمن المؤكد أن عقله مازال في مرحلة البلاهة، ولكن الله أعطى لنا العقل، ومنّ علينا بالذاكرة، ربما لتساعدنا على تدبر الأحداث، ومقارنة بعضها ببعض؛ لتكون لنا عبرة، لذلك، وقبل أن نتوقع الفترة التي سينتهي معها حكم عبد العزيز آل سعود وسلالته، يجب علينا في البداية أن نوضح ما هي أوجه الشبه التي جمعت بين السلالتين، من مؤسس الدولة، إلى الأبناء والأحفاد؟

ولكن – أيضًا – قبل الخوض في الحديث عن الأسرتين وأبنائها، يجب أن نعي أن أوجه الشبه التي سأتناولها لا أقصد بها مقارنة السلوك الشخصي للأفراد، أو تشابه الضمائر والنوايا بُحسنها أو قُبحها، لكنني – وأوضح (لكنني) – أحاول جاهدًا إلى توضيح التطابق الكبير للظروف المحيطة والأهداف والنمط الزمني، الذي جمع الأسرتين منذ بداية عهدهما، مرورًا بالأزمنة المختلفة، وكيف آلت الأحداث لكليهما عبر الأزمنة، وكأنها سيمفونية تُعزف عبر التاريخ في ثياب مختلفة!

تشابه مؤسسي الدولة بين حروب واستقلال وبناء للدولة

1- الشعور تجاه الدولة

من الممكن اختصار شخصيتيّ عبد العزيز آل سعود ومحمد علي في إحدى مقولاتهم الشهيرة، حيث قال الأخير ذات يوم في مرسوم لأحد حكام الإقليم بشأن الضرائب المتأخرة: وليكن معلومًا لكم ولهم أن مالي لا يضيع منه شيء، بل آخذه من عيونهم [2].

وعلى وجه مقابل، كانت – ذات يوم – إجابة عبد العزيز آل سعود – على اقتراح مندوب أرسله شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية آنذاك مضمونه قطع البترول عن الولايات المتحدة الأمريكية؛ للحد من مساعدتها لدولة الاحتلال (إسرائيل)، بعد انقضاء معركتها عام 1948م في فلسطين – بأن البترول منحة من الله، وأن النضال أغنياء أفضل من النضال فقراء قائلًا: كانت أمي حين تدعو لي تقول: اللهم ملكه ما فوق الأرض وما تحتها، وهل تحتها إلا البترول؟[3].

إذًا اجتمعت شخصيتا والي مصر وملك السعودية آنذاك في تعاملاتهما مع مقدرات الدولة بذات الحماس الذي يتعامل به الشخص مع ملكيته الشخصية، بدليل ياء الملكية، التي أتت في حديث محمد علي في كلمة (مالي)، والهاء التي أعادها عبد العزيز آل سعود على نفسه في كلمة (ملكه)، ولا نقصد هنا من حديثنا أن دوافعهم كانت بأنانية، فربما كانت دوافعهم نابعة من غيرة على مقدرات الدولة لدرجة أن يلصقاها بأنفسهما، لكن في جميع الأحوال ما أردنا أن نبرهن عليه هو الشعور الذاتي الذي نضح من كليهما، والذي يفسر سعيهم الدءوب في حروبهم وبناء الدولة وقتئذ.

2- الحروب والاستقلال وتوارث الحكم للأبناء

لقد خاض مؤسس مصر الحديثة محمد علي العديد من الحروب التي نجح فيها بطريقة مذهلة، سواء أكانت الحروب بدافع من الدولة العثمانية، كحرب كريت[4]، أو حربه ضد الوهابيين في شبه الجزيرة العربية[5][6]، من أجل توسيع رقعة مصر وتوطيد يده عليها كضمه للسودان[7][8]، أو كحربه في بلاد الشام[9][10].

في الوجه المقابل خاض مؤسس المملكة السعودية عبد العزيز آل سعود هو الآخر حروبًا عديدة، سواء لاسترداد إمارات سابقة، أو للتوسع في رقعة بلاده، كحروب استعادته للرياض[11] وتوجهه إلى نجد واستيلائه على القصيم أو معاركه في إمارة شمر[12][13]، وبدفع من الحكومة البريطانية لضرب ابن رشيد حاكم إمارة حائل وقتئذ.

وبالرغم من أن مصر في نهاية المطاف حصلت على استقلال مقيد، إلا أن حروب محمد علي وانتصاراته تسببت في مكسبين، أولهما كان مكسبًا عامًا، وهو أن تحصل مصر لأول مرة على استقلال لا تعامل فيه، كسائر ولايات الدولة العثمانية من تعاقب ولاة، واندماج، وخلافه، والثاني مكسب خاص، وهو أن تصبح مصر مُلكًا خاصًا لمحمد علي يتوارث ملكها أبناؤه من بعده[21]، وفي الوجه المقابل كان نفس المكسبين من حظ عبد العزيز آل سعود الذي استطاع أيضًا أن يحصل على استقلال كامل للمملكة[22] يتوارث أبناؤه ملكها من بعده[23].

3- بناء الدولة

مملكة أو دولة أو إمبراطورية، اختلفت المسميات واتحد الهدف الذي كان يسعى إليه كلٌّ من رب الأسرتين، والذي خاضا من أجله الحروب، ألا وهو وضع اللبنة الأولى التي ستُبنى عليها دولتهم فيما بعد والتي ستُعزز وتُرسخ وجودها كما حلموا.

فكما سعى محمد على لإنشاء المدارس والجامعات كالمهندسخانة والطب، وإنشاء جيش قوي من المصريين والقيام بأكبر إصلاح زراعي من إعادة توزيع الأراضي وتمليك المصريين لها وزيادة الرقعة الزراعية لملايين الأفدنة وإنشاء القناطر وإعادة التقسيم الإداري وإنشاء الوزارات والدواوين واستيراد أنواع كثيرة من الزراعات غير المعروفة وإرسال البعثات وإنشاء أول جريدة باللغة العربية والمستشفيات، والاهتمام بالنيل وحفر القنوات[14][15][16][17]، سعى أيضًا عبد العزيز آل سعود إلى الحفر، ولكن تلك المرة ليس سعيًا نحو المياه وحسب، بل نحو النفط والذي بمثابة المياه التي روت للمصريين أراضيهم على مر آلاف السنين، وبالفعل تم حفر أول بئر للبترول، وظهور أول وزارة للخارجية في عهده وظهور مجلس الشورى وتأسيس وزارة المالية، وتأسيس أول نظام للتليفونات والبرق والمستشفيات، وأول بعثة سعودية، وأول مرسوم ملكي للإذاعة والخطوط السعودية[18][19]، والكثير من إنجازاتهما، والتي لا يسعنا للحديث عنها هنا، حيث إنها تحتاج إلى مجلدات حتى نوفيها حقها، لكننا خضنا الحديث في ذلك لنبرهن كيف اجتمعت الشخصيتان أيضًا في حلم البناء.

إذًا وكما نفعلها في الرياضيات من (1) و(2) و(3) نبرهن على وجود تشابه قوي بين هدفي مؤسسي الدولتين بدايةً من خوضهم الحروب بشخصهم، سواء على رأس رجاله الذين لم يتجاوزوا السبعين رجلًا مثل عبد العزيز آل سعود [24] أو على رأس 300 رجل، مثل محمد على [25]، مستغلين ما أحاطهم من ظروف، ليصلا في النهاية إلى سدة الحكم في ريعان شبابهم، وتحقيق مبتغاهما في بناء دولة عسكريًا واقتصاديًا وعلميًا وإداريًا كما حلموا لتكون ملكية الحكم فيها لهم ولذريتهم من بعدهما، ونهايةً بمكوثهما أطول فترة في الحكم مقارنةً بسلالتهما حيث مكث محمد علي 43 عامًا حاكمًا منذ أن أُرسل واليًا على مصر عام 1805م حتى أصابه الخرف عام 1848م [20]، فيما مكث عبد العزيز آل سعود 51 عامًا منذ نشأة الدولة السعودية الثالثة عام 1902 إلى أن وافته المنية عام 1953م [19] ليرث الأبناء من بعدهما دولة أفضل حالًا مما كانتا عليها ذات يوم.

إلى هُنا أكون قد اختتمت في إيجاز الجزء الأول من مقالي البحثي عن أسرة آل سعود وأسرة محمد علي، بالرغم من أنني أعلم أن هناك ربما الكثير من التشابهات بينهما متوارية بين سطور التاريخ، ولكن هدفي إيضاح الفكرة أكثر من دراستها بشكل معمم حتى لا تتوه الارتباطات داخله، هذا وسأستكمل بمشيئة الله أوجه التشابه بين السلالتين وأبنائهم في أجزاءًا أخرى.

الخلاصة

أوجه الشبه

محمد علي

عبد العزيز آل سعود

الشعور بملكية الدولة

وليكن معلومًا لكم ولهم أن مالي لا يضيع منه شيء، بل آخذه من عيونهم [2]

كانت أمي حين تدعو لي تقول اللهم ملكه ما فوق الأرض وما تحتها، وهل تحتها إلا البترول؟! [3]

خوض الحروب

حرب كريت[4]

الحرب ضد الوهابيين في شبه الجزيرة العربية [5][6] ضم السودان [7][8]

الحرب في بلاد الشام [9][10]

حروب الرياض[11]

التوجه إلى نجد والاستيلاء على القصيم، معارك إمارة شمر[12][13]

الاستقلال

الحصول لأول مرة على استقلال لا تعامل فيه مصر كسائر ولايات الدولة العثمانية من تعاقب ولاه واندماج تحول مصر إلى ملكًا خاص لمحمد علي يتوارث ملكها أبناءه من بعده [21]

الحصول على استقلال كامل للمملكة [22]

توارث الأبناء ملك المملكة من بعده [23]

بناء الدولة

إنشاء المدارس والجامعات كالمهندسخانة والطب

إنشاء جيش قوي من المصريين

القيام بأكبر إصلاح زراعي من أعادة توزيع الأراضي وتمليك المصريين لها وزيادة الرقعة الزراعية لملايين الأفدنة وإنشاء القناطر وإعادة التقسيم الإداري

إنشاء الوزارات والدواوين واستيراد أنواع كثيرة من الزراعات غير المعروفة

إرسال البعثات

إنشاء أول جريدة باللغة العربية والمستشفيات، والاهتمام بالنيل وحفر القنوات [14][15][16][17]

( تلك بعض إنجازتهم للاستدلال وليس جميعها)

– حفر أول بئر للبترول

– ظهور أول وزارة للخارجية

– ظهور مجلس الشورى

– تأسيس وزارة المالية

– تأسيس أول نظام للتليفونات والبرق والمستشفيات

– أول بعثة سعودية

– أول مرسوم ملكي للإذاعة والخطوط السعودية

[18][19]

( تلك بعض إنجازتهم للاستدلال وليس جميعها)

خوض الحروب بذاتهم

على رأس ثلاث مائة رجل [25]

على رأس رجال سبعين رجل [24]

الوصول إلى الحكم في ريعان شبابهم

ولد عام 1769 وتولى ولاية مصر في 1805 أي في عمر 36 عام

ولد 1876 م وبداية فترة حكمه من 1902 أي وهو في عمر 26 عام

أطول فترة حكم مقارنة بباقي السلالة

مكث 43 عامًا حاكمًا منذ أن أُرسل واليًا على مصر عام 1805م حتى أصابه الخرف عام 1848 [20]

مكث 51 عامًا منذ نشأة الدولة السعودية الثالثة عام 1902 إلى أن وافته المنية عام 1953 [19]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

‏[1] موسوعة تاريخ مصر
[4] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "الثورة اليونانية". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي. صفحة 215
[5] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "الحروب في جزيرة العرب". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي. مكتبة الأسرة. القاهرة: مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب. صفحات من 134 إلى 135 و139 إلى 143 وصفحة 147 و الصفحة من 153 إلى 154
[6] تاريخ الدولة العليّة العثمانية، تأليف: الأستاذ محمد فريد بك المحامي، تحقيق: الدكتور إحسان حقي، دار النفائس، الطبعة العاشرة: 1427 هـ - 2006 م، صفحة: 407-409
[7] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "فتح السودان". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي. مكتبة الأسرة. القاهرة: مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب. صفحات ص 159–191
[9] المصور في التاريخ، الجزء السابع. تأليف: شفيق جحا، منير البعلبكي، بهيج عثمان، دار العلم للملايين، الحملة المصرية، صفحة 157
‏[10] حروب إبراهيم باشا المصري في سوريا والأناضول. تحقيق أسد رستم، منشورات المكتبة البولسية، لبنان، ‏‏1986. صفحة: 14-15‏
[11] كتاب "تاريخ العربية السعودية"- فاسيلييف - الفصل التاسع
[12] تاريخ نجد الحديث، أمين الريحاني، صفحة 280
‏[13] تحفة المشتاق في أخبار نجد والحجاز والعراق ، عبد الله بن محمد البسام حوادث عام1340 هـ‏
[14] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "التعليم والنهضة العلمية". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي. صفحات ص 401–490
[15] بدوي، جمال (1999). "أولادنا في الخارج". محمد علي وأولاده. صفحات ص 49–59
[16] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "أعمال العمران والحالة الاقتصادية". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي. صفحات ص 491–517
[17] الرافعي، عبد الرحمن (2000). "الحالة الاجتماعية". تاريخ الحركة القومية، وتطور نظام الحكم، ج3 عصر محمد علي.. صفحات ص 547–557.
[18] عبد العزيز والقوى العظمى" وثائقي يكشف لأول مرة تفاصيل علاقات السعودية بالغرب، العربية.
عرض التعليقات
تحميل المزيد