مقدمة

تناولت في الجزء الأول من بحثي عن الفترة التي ستنتهي معها أسرة آل سعود، مدى التشابه بين مؤسس مصر الحديثة «محمد علي» ومؤسس المملكة العربية السعودية «عبد العزيز آل سعود»، مستدلًا بسبع نقاط بدأت بالشعور بملكية الدولة، ومرورًا بخوض الحروب بذاتهم وتعددها، والاستقلال، وبناء الدولة، والحكم في ريعان الشباب، وانتهت بالمكوث أطول فترة حكم مقارنةً مع باقي السلالتين، وسأُبرهن في الجزء الثاني هذا على أن أوجه التطابق لم تكن بين مؤسسي الأسرتين وحسب، بل هناك الكثير من ذلك التطابق بين باقي الأفراد الحاكمين في السلالتين.

باقي السلالة

لن أخوض هُنا في حديثي عن حُكام أسرتي محمد علي، وعبد العزيز آل سعود أحداثًا تفصيلية، بل سأُحاول جاهدًا الإلمام بأوجه التشابه التي جمعتهما على مر سنوات حُكامهما، لأبرهن كما أوضحت سلفًا مدى التطابق الواضح بين الأسرتين في الإجمال والأحداث التي وقعت عليهما والتواريخ التي تقاربت، وأُجيب على سؤال قد طرحته من ذي قبل، متى سينتهي حُكم عبد العزيز آل سعود وأسرته للمملكة العربية السعودية؟

(1) إبراهيم محمد علي وسعود بن عبد العزيز والذراع العسكرية لآبائهم

ربما يظن البعض أنني سأُشبه النجلين من حيث كونهما ثاني من تولى الحُكم في الأسرتين، أو كونهما وُلدا خارج حدود مملكتهم التي لا يعلمون أنهم سيحكمونهما يومًا ما، وحسب، حيث ولد إبراهيم في نصرتلي بتركيا [21] وولد سعود في سكة عنزة بالكويت [10] وما أُلمح إليه هنا هو أنه وبالرغم من أن الأخير ولد ليلة تملك أبيه إمارة الرياض [10] إلا أن كلًا من إبراهيم وسعود هم الحاكمان الوحيدان في الأسرتين مقارنة بباقي حُكامها لم يولدا كما يُقال وفي أفواههم ملعقة من ذهب، ولم يولدا حتى وأبواهما مسيطران على سنتيمتر واحد من بقاع الأرض التي تولى وسيتولى لاحقًا آباؤهم وأنفسهم وأبناؤهما حُكمها.

وبالرغم من كل ما ذُكر من تشابه وإن كان بسيطًا، إلا أنني أرى أن التشابه الأقوى هو أنهما أصبحا الذراع العسكرية لأبويهما في كثير من الأوقات إن لم تكن جميعها، ليحُققا نصرًا تلو الآخر ويحققان مبتغى آبائهم.

فكما استعان محمد علي بابنه إبراهيم في حربه ضد دولة السعودية الأولى والسودان والمورة وبلاد الشام [13] استعان عبد العزيز آل سعود هو الآخر بابنه سعود في معركة جراب، وتربة، وجبال شمر في حائل، وضم الحجاز [14][15][16][17][18][19][20] وبالرغم من أن الأخير لما يتطابق تمامًا من حيث ذات القوة العسكرية التي مثلها ابن محمد علي له، إلا أنه لا خلاف في أن الاثنين كانا عضدًا قويًا لأبويهما اللذين استطاعا الاتكاء عليهما بثقة وأمان.

أوجه التشابه

إبراهيم محمد علي

سعود بن عبد العزيز

الترتيب في سلسة حكام الأسرتين

ثاني الحكام في الأُسرة العلوية

ثاني الحكام في أسرة عبد العزيز آل سعود

مكان الميلاد

خارج مصر، وقبل أن تصبح تحت حكم والده[21]

خارج حدود السعودية وقبل أن تصبح تحت حكم والده[10]

حالة أبويهما أثناء ميلادهما

لم يصبح واليًا بعد

لم يصبح ملكًا بعد

المكانة لدى أبويهما

الذراع العسكرية لوالده

الذراع العسكرية لوالده

الحروب التي خاضها كذراع عسكرية

*الحرب ضد الدولة السعودية الأولى

*الحرب في السودان

*حرب المورة

*الحرب في بلاد الشام

[13]

*معركة جراب

*معركة تربة

*معركة حبال شمر في حائل

*ضم الحجاز

[14][15][16][17][18][19][20]

(2) عباس حلمي الأول وفيصل بن عبد العزيز بين النزعة الدينية والاغتيال والاهتمام المبكر

برغم تشابه الرقم التسلسلي لتولي كل منهما الحكم منذ تولي الأسرة التابع إليها، حيث كان كل منهما الحاكم الثالث على التوالي لدولته، وبرغم تشابههما في اشتراكهم المحدود في الحروب مقارنةً بمن سبقوهم، إلا أن التطابق المثالي لملك السعودية فيصل بن عبد العزيز، وحاكم مصر عباس حلمي الأول ابن محمد علي، هي الظروف التي آلت بهم في النهاية دون غيرهم في كامل الأسرتين، حيث إنهم الوحيدان اللذان تم اغتيالهما في أسرتيهما دون غيرهم[4][5][6][7][8].

ومن التشابهات الأخرى التي جمعت بينهما الاهتمام المبكر من مؤسس الدولة في كلتا الأسرتين لكل منهما، حيث أدخل مؤسس الدولة السعودية عبد العزيز آل سعود نجله فيصل في سن مبكرة في السياسة من خلال إرساله إلى زيارات للمملكة المتحدة وفرنسا في الثالثة عشرة من عمره، بل وولاه نائبًا له وهو في سن العشرين، ورئيسًا لمجلس الشورى في عمر الحادية والعشرين، ووزيرًا للخارجية في عمر السادسة والعشرين، وترأس وفد المملكة في مؤتمر المائدة المستديرة بلندن عام 1939م. [8][9]

وعلى نحو مماثل كان مؤسس مصر الحديثة محمد علي يعتني بحفيده عباس حلمي الأول، وعهد إليه بالمناصب الإدارية والحربية حيث عُين مديرًا للغربية ثم بمنصب الكتخدائية التي كانت بمنزلة رئاسة الناظر[4].

ومن ضمن التشابهات الأصيلة والواضحة أيضًا في كليهما هي النزعة الدينية والإيمانية، فكان عباس حلمي مهتمًا بالدين الإسلامي بشكل كبير وواضح، واتضح ذلك في حبه وتأييده للشيخ محمد بن عبد الوهاب لدرجة أنه قام بتهريب أحد أبناء الشيخ أثناء وجوده في السجون المصرية والذي تم أسره في معركة خاضها عمه إبراهيم باشا [1] بالإضافة إلى ذلك إحياؤه لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مصر [1] وأوامره لإدارة خزينة دار الباشا بأن تباشر أداء أنجاله للصلوات الخمس المفروضة فور أن يبلغوا [3] وإنشاء الكثير من الجوامع والمساجد كمسجد السيدة زينب وجامع العشماوي والمسجد الأحمدي و المسجد الزينبي [2]، وإدخاله لنظام الشاويشية في مصر لمنع الفاحشة واستقرار الأمن. [1]

في جهة مقابلة كان فيصل بن عبد العزيز مهتمًا بالدين الإسلامي والوحدة الإسلامية وظهر ذلك في معارضته للشيوعية الماركسية والقومية العلمانية حيث دعا إلى التضامن الإسلامي مما أسفر بعد سنوات عن عقد أول مؤتمر قمة إسلامي برغم معارضة بعض الحكومات العربية، وإصداره نظامًا أساسيًا للحكم مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء، وتأسيس مجلس أعلى للإفتاء وإصلاح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسعيه لإنشاء البنك الإسلامي للتنمية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرهما. [8]

ومن التشابهات الأخرى أيضًا الاختلاف الواضح الذي كان يجمع كليهما مع الحاكم الذي يسبقهما، حيث يُذكر أن في السنوات الأخيرة لملك السعودية سعود ومع اشتداد المرض عليه مما جعله لا يقوى على أعمال الحكم ظهرت الخلافات بينه وبينه أخيه فيصل وتطورت واتسعت مع الوقت إلى حد أنه تم إصدار فتوى ليحل بموجبها ولي العهد فيصل محل أخيه سعود في أمور المملكة ومن ثم تم خلع الأخير من الحكم وبرغم إرساله كتاب مبايعة لأخيه بالحكم في يناير (كانون الثاني) 1965م إلا أنه عاد يطالب بالحكم في السنوات اللاحقة. [10][11]

وعلى نحو مماثل كان إبراهيم باشا ناقمًا على سلوك عباس، حتى اضطر عباس حلمي إلى الهجرة إلى الحجاز عام 1847م، وظل فيها حتى وفاة عمه إبراهيم باشا ثم عاد ليتولى الحكم في مصر. [12]

أوجه التشابه

عباس حلمي الأول

فيصل بن عبد العزيز

الترتيب في سلسة حكام الأسرتين

ثالث الحكام في الأُسرة العلوية

ثالث الحكام في أسرة عبد العزيز آل سعود

الوفاة

الوحيد الذي تم اغتياله من بين جميع حكام الأسرة العلوية

[4][5][6][7][8]

الوحيد الذي تم اغتياله من ضمن حكام أسرة عبد العزيز آل سعود

[4][5][6][7][8]

العلاقة مع مؤسس الأسرة

حاذ على اعتناء من محمد علي

بتوليه مناصب إدارية وحربية

[4]

حاذ على اهتمام مبكر من مؤسس الدولة عبد العزيز آل سعود

سواء عبر تمثيله لزيارات خارجية أو توليه نائبًا لملك السعودية أو توليه وزير خارجية ورئيس مجلس الشورى

[8][9]

التوجه الديني

· أيد الشيخ محمد عبد الوهاب وساعد أحد أبنائه في الهروب

· أحيا شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مصر

· أمر إدارة خزينة دار الباشا بمباشرة أداء أنجاله للصوات الخمس فور بلوغهم

· أنشأ الكثير من المساجد، كالسيدة زينب، والعشماوي، والأحمدي، والزينبي

· أدخل نظام الشاويشية في مصر لمنع الفاحشة واستقرار الأمن [1] [2] [3]

· عارض الشيوعية والماركسية والقومية العلمانية ودعا للتضامن الإسلامي مما أفرز عقد أول مؤتمر إسلامي برغم معارضة حكومات عربية

· أصدر نظامًا أساسيًا للحكم مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء

· أسس مجلسًا أعلى للإفتاء

· أصلح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

· سعى لإنشاء البنك الإسلامي للتنمية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرهما[8]

العلاقة مع الحاكم الذي كان يسبقه

كان إبراهيم باشا ناقمًا على سلوك عباس، حتى اضطر عباس إلى الهجرة إلى الحجاز عام 1847م، وظل فيها حتى وفاة عمه إبراهيم باشا ثم عاد ليتولى الحكم في مصر [12].

ظهرت الخلافات بينه وبينه أخيه سعود وتطورت واتسعت مع الوقت إلى حد أنه تم إصدار فتوى ليحل بموجبها ولي العهد فيصل محل أخيه سعود في أمور المملكة ومن ثم تم خلع الأخير من الحكم [10][11].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[2] مجموعة الخطابات والأوامر الخاصة بعباس الأول»، ص 92
[3] «مجموعة الخطابات والأوامر الخاصة بالمغفور له عباس الأول»، ص 83.
[14] Saudi Arabia by St. John PhilbIby, ERNEST BENN L TD.,1955 , P
[15] A LETTER FROM ABDULAZIZ TO SHEIKH AHMAD AL JABIR, 1399, Archives Edition ,V.I.P 327, RULNG FAMIES OF ARABIA
[16] المختار صلاح الدين تاريخ المملكة العربية السعودية حاضرها وماضيها
[17] رسالة من الملك عبد العزيز للشيخ / أحمد الجابر الصباح " ( عام 1339هـ ) الوثائق البريطانية ، ( ص 327 ).
[18] المختار صلاح الدين ( ص . 224 ).
[19] الريحاني أمين تاريخ نجد ، دار الجيل ، بيروت ص .259 .
[20] المانع ، محمد ( AL – MANI MUHAMWD ) ، ( ص27).
عرض التعليقات
تحميل المزيد