مقدمة

في الأجزاء السابقة تناولت الحديث عن أسرة آل سعود عبر أزمنة مختلفة من التاريخ، وقارنتها بالأسرة العلوية التي حكمت مصر ما يقرب من 148 عامًا في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وأوضحت كيف تقاربت الأسرتان حُكامًا ومحكُومين وعيًا وأحداثًا، واليوم أختتم مقالي البحثي بآخر حُكام أسرة محمد علي؛ الفعلي، ملك مصر «فاروق بن فؤاد»، وملك السعودية المرتقب «محمد بن سلمان».

الفترة التي سينتهي معها حُكم آل سعود ج(1) مؤسسو الدولة

الفترة التي سينتهي معها حُكم آل سعود ج(2) سعود وفيصل بن عبد العزيز

الفترة التي سينتهي معها حُكم آل سعود ج(3) خالد وفهد وسلمان

الفترة التي سينتهي معها حُكم آل سعود ج(4) السعودية = (مصر + 97) +(-3 : +5) عام

1 – ولي للعهد

أول نقاط التلاقي التي جمعت بين ملك مصر «فاروق بن فؤاد» وملك السعودية المرتقب «محمد بن سلمان» كان تهيئة كرسي الحكم لكليهما، وتخطي أبويهما النظام الوراثي للحكم، متخطين بأبنائهم على رقاب الأكثر أحقية بسلاسة، ربما أحدث ذلك قلقًا، إلا أنهما استطاعوا إحداثه.

فبعد حصول مصر على استقلالها عام 1922 ميلاديًّا، أصدر ملك مصر آنذاك، فؤاد بن إسماعيل أمرًا ملكيًّا، قام من خلاله بتغيير نظام وراثة الحكم، ونص فيه حرفيًّا على أن يصبح نجله «فاروق» وليًا للعهد، وملكًا من بعده، ليقطع بذلك على أبناء عمومته الأكبر سنًّا كل السبل والأمنيات في تولي الحكم [1].

وعلى نحو مماثل استطاع ملك السعودية، سلمان بن عبد العزيز، تهيئة كرسي الحُكم لنجله محمد، بإعفائه اثنين متتاليين من ولاية العهد، بدأها بأخيه «مقرن بن عبد العزيز» في حادثة هي الأولى من نوعها [3]، والذي كان قد استُحدث خصيصًا له لقب ولي ولي العهد [35]، في عهد ملك السعودية «عبد الله بن عبد العزيز»، ليبدأ «محمد بن سلمان» مع الإعفاء بوضع قدميه على بداية الدَّرَجُ لكرسي الحكم، ويلي إعفاء «سلمان» أخيه، بإعفاء ابن أخيه «محمد بن نايف» ليعلن بها عن نواياه في ألا حُكم من بعده إلا لذريته، ويصبح «محمد بن سلمان» في نهاية المطاف وليًّا للعهد لا ينتظر سوى لقب خادم الحرمين الشريفين[2].

2 – أصغر ثاني ملك وولي للعهد في أسرتهما

ويمر التلاقي بين ملك مصر السابق «فاروق» وملك السعودية المرتقب «محمد بن سلمان»، في كونهما ثاني أصغر من تولى أو سيتولى الحكم في أسرتهما.

إذ تولى «فاروق» حكم مصر وهو في عمر السادسة عشر، في حين تولى من يسبقوه جميعًا في عمر أكبر منه [83]، ولم يتول الحكم أصغر منه إلا نجله «أحمد فؤاد» الذي تولى الحكم وهو ابن بضعة أشهر [5].

وعلى الشاكلة نفسها كان ثاني أصغر من تولى ولاية العهد في المملكة السعودية هو «محمد بن سلمان»، في الثانية والثلاثين إلا 71 يومًا من عمره [7][8]، في حين أصغر من تولى ولاية العهد كان سعود بن عبد العزيز في الحادي والثلاثين وأربعة أشهر من عمره [6][9].

هذا وإن افترضنا تولي «محمد بن سلمان» ملكًا للسعودية قبل الثانية والخمسين من عمره، وهذا المحتمل بشكل كبير، سيصبح حينئذ أصغر ثاني ملك للسعودية بعد مؤسس الدولة السعودية الثالثة «عبد العزيز آل سعود»، إذ بدأ معه عهد الدولة السعودية الثالثة منذ تملكه الرياض عام 1902 أي في السادس والعشرين من عمره [6][9].

ويُشكل العمر الصَغير الذي تولى فيه «فاروق» وسيتولى فيه «محمد بن سلمان» مقاليد الحُكم، بجانب الحياة الكريمة التي تمتعا بها، أثرًا سلبيًّا في الأداء التحكيمي لهما، إذ لا مجال لخبرة العمر كمن سبقوهم، ولا مجال للاجتهاد الشخصي الناجح في عمر الشباب لمؤسسي الأسرتين، والفرق بينهما، أن أجدادهم لم يكن لديهم ما يخسرونه، والتحدي بالنسبة إليهم كان يسيرًا، بالعكس مع حال شخصيتنا في ذلك الجزء؛ فلديهم أُمة وراءهم، فمن يُخاطر باللا شيء، ليس كمن يُخاطر بكل الأشياء.

3 – الاصطحاب المعتاد

ومن نقاط التلاقي أيضًا الواضحة أمامنا، هو اصطحاب الملكين المعتاد لأبنائهما، بالرغم من صغر عمرهما، والاصطحاب ليس كأي اصطحاب لأب وابنه، بل اصطحاب بهدف الظهور لنجليهما في الصورة السياسية والساحة الشعبية.

إذ لم يدع «فؤاد» أي فرصة إلا وقدم من خلالها الأمير «فاروق» للشعب؛ لتهيئة الشعب لاستقباله فيما بعد ملكًا، للدرجة التي أنابه وهو في عمر الثانية عشر «12» لحضور حفلة رسمية بسلاح الطيران البريطاني بدلاً عنه، وفي عمر السادسة عشر في افتتاح مؤتمر البريد عام 1934م [10] [11].

على نحو أخر لم نجد «محمدًا بن سلمان» تقريبًا إلا وهو في كنف والده، برغم ما لدى والده من أبناء يكبرونه سنًّا، فمنذ تعيينه وهو في الرابعة والعشرين من عمره، مستشارًا لوالده الذي كان أميرًا للرياض وقتئذ، مرورًا بتوليه مستشارًا ومشرفًا خاصًا على مكتب والده الذي أصبح وليًّا للعهد في عام 2012، ومن ثم رئيس الديوان أيضًا لوالده في عام 2013، ووزيرًا للدفاع في حكومة والده الذي أصبح ملكًا للسعودية عام 2015، ثم وليًا لولي العهد، فكان من الطبيعي أن يصبح وليًا للعهد ليتلو أباه كما اعتاد في السلطة. [12][13][14][15][16][17][18][19] [20].

التشابه بين الظروف الحاضرة والمستقبلية المحتملة

لم تكن نقاط التلاقي وحدها بين الشخصيتين، وما مرا به على مستوى خاص، بل على المستوى العام أيضًا، سواء الأحداث التي حدثت أو المرتقب حدوثها.

1 – الخلافات العربية

كانت العلاقة بين مصر والسعودية في عهد «فؤاد» علاقة قوية، للدرجة التي معها وصف ملك السعودية آنذاك «عبد العزيز آل سعود» مصر بأنها القدوة والأمل لجميع العرب، إلا أن بعد تمكن الأخير من ضم الحجاز إلى المملكة وبعد رفضه وساطة «فؤاد» بينه وبين «علي بن الحسين» أثناء حصار القوات السعودية لجدة اتخذ ملك مصر فؤاد موقفًا غير ودي تجاهه، لتتبدل الأحداث في عهد «فاروق»، وتحديدًا مع بدايات حكمه في العام 1936م، إذ وقعت معاهدة ود بين مصر والسعودية، وتبادل ملوك الدولتين آنذاك الزيارات، حتى إن وزارة الخارجية آنذاك وصفت زيارة «فاروق» للمملكة بأنها زيارة شخصية وليست زيارة للبحث في موضوعات، هذا بالإضافة إلى الاستقبال الحافل الذي أقامته مصر أثناء زيارة «عبد العزيز آل سعود»، وظهر ذلك في تجهيزات قصر الزعفران، وتزيين السكة الحديد، والطرق والمباني، إلى آخره، هذا ولا ننسى الاهتمام العالمي إعلاميًّا وسياسيًّا بتلك الزيارة؛ لتأثيرها المرتقب آنذاك في سياسة الشرق الأوسط [21].

على المنوال نفسه وقبل تولي ولي العهد «محمد بن سلمان» ملكًا للسعودية، اندلعت بين السعودية المتمثلة في «سلمان بن عبد العزيز» وبين قطر، الخلافات بعد حالة من الود صاحبت بداية عهده [38][39][22] لتحل قطر مكان السعودية قديمًا، وتحل السعودية مكان مصر، ولا يتبقى سوى عودة المياه إلى مجاريها في عهد جديد يتولاه رسميًّا «محمد بن سلمان»، ولكن ربما لا يتحقق ذلك إلا بعد مرور مرحلة انتقال السلطة انتقالاً كاملاً إلى «محمد بن سلمان»، إذ إن القلق السعودي تجاه قطر لا يكمن سوى في الموقف الإعلامي الذي سيصاحب عملية الانتقال؛ لذا كان يجب إغلاق تلك الخانة، والضغط على الأخيرة، لحين أن تمر تلك المرحلة بأمان.

2 – الحرب العالمية

بعد ولاية «فاروق» [11] على مصر بنحو ثلاث سنوات (3) اندلعت أكبر حرب شهدها التاريخ، ألا وهي الحرب العالمية الثانية عام 1939م [23]، في حين أنه وقبل توليه بنحو شهر كان هتلر قد قام بتسليح راينلاند متحديًا معاهدة فرساي، مع رد فعل ضعيف من الدول الأوروبية [24].

على الوتيرة نفسها يتحدى كيم جونغ العالم كل يوم أكثر من اليوم الذي يسبقه، سواء بإعلانه عن نجاح اختبارات القنبلة الهيدروجينية أو بإطلاقه الصواريخ الباليستية فوق الجزيرة اليابانية، مع رد فعل عالمي ضعيف [25][40][41][26]، هذا بالإضافة إلى بدء النزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة[34] الذي ربما يتحول مستقبلاً إلى عنصر دافع لحرب عالمية جديدة، بالإضافة أيضًا إلى استعراض البحرية الصينية في البحر الجنوبي بـ40 سفينة وغواصة حربية ترافقهم حاملة طائرات لياونينغ [36]، والذي أعلنت أحقيتها بنصفه، في حين تصطدم طلاباتُها بمطالبة كل من فيتنام والفيليبين وماليزيا وبروناي، حيث يشكل ذلك البحر ممرًا لـ5 تريليون دولار من التجارة البحرية العالمية السنوية، بالإضافة إلى الاعتقاد بأنه يحتوي على احتياطي من الغاز والنفط! [37]، أضف إلى ذلك التوتر القائم بين عدة دول في الشرق الأوسط، وتحديدًا سوريا، كل ذلك ربما ينبئ بقرب حرب عالمية أخرى، وربما مُقدر لها أن تصاحب عهد ملك السعودية المرتقب «محمد بن سلمان».

3 – الحالة الاقتصادية

بنحو سبع سنوات قبل جلوس «فاروق» على كرسي الحكم، حدثت أكبر أزمة عالمية في القطن، إذ تأثر القطن المصري على نحو آخر بانهيار بورصة وول ستريت عام 1929؛ ولأن القطن كان آنذاك محصولاً زراعيًّا له دور رئيسي وخطير في الاقتصاد المصري، إذ إنه كان يَشْغل نسبة 22.4% من المساحة المنزرعة عام 1913 ووصل حجمه ما بين عامي 1884 و1908 إلى 6.25 مليون قنطار بقيمة تصديرية بلغت أكثر من 17 مليون جنيه، بما يمثل 67% و83% على التوالي من حجم صادرات عامي 1884 و1906 [27].

ولك أن تتخيل أن الجنيه المصري كان يعادل 7.4375 جرام ذهب [28] أي حجم صادرات القطن كانت تبلغ حوالي 126.5 مليون جرام ذهب أو بالأدق 126.5 طن ذهب، وبسعر جرام الذهب عيار 24 اليوم 750 جنيه للجرام يعادل ذلك حوالي 95 مليار جنيه.

على المنوال نفسه، ومنذ ثلاث سنوات وتحديدًا عام ٬2014 كانت أسعار النفط قد جاوزت 100 دولار للبرميل لتنخفض انخفاضًا متواليًا وسريعًا [29]، واستمرت في الانخفاض حتى إنها وصلت إلى 28 دولارًا/ برميل في بداية عام 2016م [30]، مما شكل الأزمة الاقتصادية ذاتها التي حلت على مصر قديمًا، للدرجة التي أفقدت السعودية أكثر من 15% من احتياطها النقدي بما يقدر بمئات المليارات من الدولارات [31][32] [33].

الخاتمة

في النهاية، ربما توقع الكثير وحلل ورأى أن هناك نهاية وشيكة ستُحال بآل سعود، ربما لم يرها القائمون على الحكم؛ فربما ظنوا أنها غيرة أو أحقاد او تحد، وربما الكثير أو القليل عن هذا أو ربما لم يشغلهم الأمر برمته، ربما، وربما.

لذلك، وكما أوضحت من قبل، ليست الغاية من الدراسة لفت الأنظار إلى تطابق مثالي للتواريخ أو الأنظمة، أو تحليل مُسببات، بل أردت أن أُبرهن الأمر من زاوية أخرى لا علاقة لها إلا بما حدث، كالمتوالية الهندسية، من الطبيعي والمحتمل أن يأتي الرقم التالي وفقًا للمتوالية التي عُرضت أمامنا، فيحدث الكثير من الأحداث التي تزامنت مع عهد «فاروق» من جديد في عهد «محمد بن سلمان» في ملمح جديد مظهره عصري ونواته النواة ذاتها، لنستطيع بيُسر الإجابة عن السؤال الذي سبق وطرحته، ألا وهو «ما الفترة التي سينتهي معها حُكم أسرة عبد العزيز آل سعود؟».

أما سؤالي اللاحق والذي ربما يكون قبل الأوان ببضعة أعوام أو أكثر:

ماذا قدمتم فيما أنعم الله عليكم؟ أسأتم أم أحسنتم؟ ولمَ لم تعتبروا بأن الأيام دول؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

‏[24] ‏Adamthwaite 1992, p. 52‎
عرض التعليقات
تحميل المزيد