نيل الاعتراف والتقدير والطريق نحو الاستبداد

استعان فوكوياما بفكرة الصراع الذي ولد بين السيد والعبد لنيل الاعتراف والتقدير للاستشهاد على اعتراف العالم باللبرالية أو الرأسمالية التي انتهى التاريخ لصالحها كما يزعم، وحاول ربط العلوم والازدهار فيها بالسعي إلى نيل الاعتراف والرأسمالية، ويعتبر فوكوياما أن الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية ثورتان ديمقراطيتان ألغتا التمييز بين السيد والعبد بأن جعلتا عبيد الماضي سادة أنفسهم. رغم أن نتائج الثورة الأمريكية جاءت عنصرية تجاه السكان الأصليين لأمريكا، فكيف نعتبر مثل هذه الثورة ديمقراطية وأنها جاءت لترسيخ مبادئ السيادة الشعبية وسيادة القانون، بينما السكان الأصليون لأمريكا وهم الهنود الحمر تعرضوا للإبادة على أيادي السادة الجدد. فإن السكان الأصليين كانوا عبيدا وبقوا كذلك، فلم يصبحوا سادة أنفسهم حتى اليوم. بل ان الولايات المتحدة كانت ولا تزال أرضًا مستعمرة من طرف الأوروبيين ولم تسمح يوما لعبيد الماضي أن يصبحوا سادة أنفسهم، فشكلت ابادة الهنود الحمر (خلال القرن السادس عشر كان عددهم لا يقل عن 40 مليونا) والتمييز بين السود والبيض في المجتمع الأمريكي (لم يكن لهم حق تولي الوظائف الحكومية ) أبرز نتائج الثورة الأمريكية.

حاول فوكوياما إبراز نوعين من الرغبة في نيل اعتراف وتقدير الآخرين، بالتطرق إلى مصطلح الميجالوثيميا التي يعتبر أنها تظهر لدى الطاغية الذي يغزو شعبًا مجاورًا ويستعبده حتى يعترف بسلطته. أو هي الرغبة في نيل الاعتراف بالتفوق على الآخرين كتقييم مبالغ للنفس، وعكس هذا المفهوم يطرح مفهومًا آخر هو الأسيموثيميا أو التعادلية، أي رغبة الإنسان في أن يعترف به مساويا للآخرين. بينما يظهر المصطلح الأول ميزة أساسية في الدول الديمقراطية الغربية التي ترفض مبادئ المساواة بينها وبين الدول الأخرى، فكيف إذن نفسر رفض هذه الديمقراطيات الليبرالية مبدأ تساوي الدول في منظمة الأمم المتحدة، وترفض إلغاء حق الفيتو الذي يجعل من الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن غير مساويين لأعضاء الجمعية العامة.

هذا ما يجعل هذه الديمقراطيات الليبرالية ترغب دائمًا في نيل الاعتراف بالتفوق على الآخرين، ما يجعل رغبتها في نيل الاعتراف طريقًا نحو الاستبداد منه أكثر إلى العدالة والمساواة. فلقد أصبحت الولايات المتحدة ترى نفسها شرطيا للعالم ما جعلها تتدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت ذرائع كحماية حقوق الإنسان وإقامة الديمقراطية، مرجعين ذلك إلى تفوق الأمة الأمريكية على باقي الأمم، ما يجعل مهمتهم لا تنحصر فقط داخل الولايات المتحدة بل العالم كله، لكن هذه هي الطريق المختصرة نحو الاستبداد والهيمنة على العالم، ما يجعل خاتمته الإمبريالية، كما يلخص ذلك فوكوياما في قوله «يؤدي منطق الاعتراف في خاتمة المطاف إلى الرغبة في نيل اعتراف الكافة أي إلى الإمبريالية».

وما كلامه عن المجد الذي يبحث عنه البرجوازي الحديث في الديمقراطيات اللبرالية المعاصرة، إلا محاولة إخفاء حقيقة وحشية اللبرالية وإخفاء رغبة الديمقراطيات الليبرالية في الهيمنة على العالم.

الكرامة على حساب الآخرين

«ثمار الحرية والمساواة لا يستمتع بها الجميع»

انهارت كل الإمبراطوريات على مر العصور، لأنها لم تعترف بكرامة الإنسان، رغم أن بعضها كالإمبراطورية الرومانية اعترفت بالمساواة بين جميع الناس، وهذا ما تقوم به الدول الغربية التي اعترفت وأقرت بالمساواة بين جميع الناس، لكنه اعتراف شكلي، فهي لا تحترم كرامة الإنسان. وتعتدي عليها إما في دولهم أو في حملاتهم العسكرية.

فالمساواة هي اعتراف كل امرئ بكرامة الآخر واحترامها، بينما في ظل اللبرالية المتوحشة لا نجد أثرًا لهذه القيم. فاختزلت المساواة في القوانين والدساتير والإعلانات العالمية، بينما نجد الواقع عكس ذلك. فأصبح الطريق إلى كسب المال والثروة ولو على حساب كرامة الآخرين، وقتلهم أحيانًا هو شعار اللبرالية الغربية التي يعتقد فوكوياما أنها نهاية التاريخ، وهذا ما راحت إليه مادلين أولبرايت أثناء الحرب على العراق في اجابة عن سؤال عما إذا كانت وفاة نصف مليون طفل عراقي هي ثمن الديمقراطية المزعومة، بالقول: «نحن نعتقد أن الثمن المدفوع له المقابل الذي يستحقه».

ويعتبر فوكوياما أنه إذا ارتفع مستوى المعيشة ومستوى التعليم أصبح تفكير الناس عالميا غدا في المجتمع بقدر أكبر من المساواة. لكنه يخفي حقيقة أن رغبة هذه الدول الليبرالية في تحقيق مستويات معينة أحسن، ونمو اقتصادي جعلها تشعل فتيل الحروب في العالم. فتحقيق المساواة المرتبطة برغبة تحقيق مستويات معيشية أفضل غير حقيقي، فالدول الليبرالية التي حاولت تحقيق مستويات معينة أفضل لمواطنيها ألغت المساواة بينها وبين دول العالم التي احتلتها.

إن فوكوياما الذي يرى أن التجربة الأمريكية فريدة في ضوء ما ذكره توكفيل من أن الأمريكيين يولدون متساوين في الحقوق، يخفي حقيقة تعامل هذه التجربة مع الهنود الحمر والسود، وكذلك المسلمون في الولايات المتحدة. فالطفل الأمريكي الذي يعتقد فوكوياما أنه يولد وله حقوق معينة في المواطنة، وليس من حق أحد أن يلحق الأذى بحياة ذلك الطفل سواء كان غنيا أم فقيرا، أسود أم أبيض، هو اعتقاد عكس الواقع كون المواطن الأمريكي لا يلحق به أذى، لكن يجب ألا يكون مسلمًا. فلقد تحول الانسان المسلم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 في نظر الحكومة الفدرالية إرهابيًا بالفطرة، وليس الا أنه مسلم وليس لاعتبارات أخرى ما يجعله يتعرض للأذى دون تبرير.

كما أن الديمقراطية اللبرالية التي تعتبر كرامة الإنسان شيئًا جوهريًا لم يحظ بها حتى اليوم في كيان ديمقراطي ليبرالي، وحتى وإن حظي به فإما أقلية أو على حساب الآخرين. فالإنسان الإسرائيلي يحظى بالكرامة في نظام ينتهج الديمقراطية الليبرالية لكن نفس النظام الديمقراطي الليبرالي لا يحترم الإنسان الفلسطيني ولا يعترف بكرامته. ومن هنا يظهر أن المساواة والديمقراطية التي يزعم دعاتها أنهم حققوها ليست موجودة أصلا، فليس هناك مساواة بين الفقراء والأغنياء، وبين البيض والسود، وبين الشمال والجنوب، وبين العالم المتقدم والعالم الثالث. فالرأسمالية تمر بفترة عصيبة وهي تدافع عن اللامساواة التي تولدها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد