خدعة الديمقراطية

«كانت الديمقراطية دائمًا، خدعة الأقلية التي تمتلك العبيد والثروات».

حاول فوكوياما أن يصور النظام السياسي الآسيوي في حالة الاستبداد، مستدلًّا بما سماه توكفيل باستبداد الأغلبية، لشرح التزام الأفراد في المجتمعات الآسيوية لمنح الاعترافات للجماعات بالدرجة الأولى وليس للأفراد، متناسيًا في اللحظة نفسها أن الديمقراطية الغربية أيضًا تقوم على حكم الأغلبية. فالأغلبية هي التي تحكم الأقليات، وتفرض آراءها بواسطة الانتخابات التي تعد الآلية الأساسية للديمقراطيات الغربية.

كما أن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ في دولة تكون فيها النزعة الوطنية أو العرقية مبالغًا فيها لدى أفراد الجماعات المكونة لهذه الدولة، إذ يفتقرون إلى الإحساس بالأمة الواحدة، وإلى قبول الاعتراف بحقوق الآخرين، فقد تؤدي الديمقراطية التي تقوم على رأي الأغلبية إلى تهميش الأقليات وإقصائها، ما يعني عدم المساواة بينها وبين الأغلبية التي تحكم. فلقد أتت الديمقراطية الغربية في أوكرانيا بفرض رأي الأغلبية الموالية للغرب، وإقصاء الأقلية الموالية لروسيا، كما أن هذه الديمقراطيات الغربية قد أشعلت فتيل الحروب والصراعات الطائفية والعرقية في الدول العربية، التي تتميز بالتنوع العرقي والديني، والعراق وسوريا أبرز الأمثلة على ذلك. فلقد جاء الدستور العراقي ليعطي نصيبًا أكبر للشيعة والأكراد وتهميش السنة؛ فهي ديمقراطية تهميش الأقليات. وهذا ما تحاول الدول الغربية تجسيده في سوريا بإقامة دويلات على أسس طائفية.

كما أن الديمقراطية التي يطرحها الغرب هي ديمقراطية الأسياد والطبقة الغنية على حساب العالم الثالث والطبقات الفقيرة. فكما يقول شيبجلر «إن الديمقراطية تصبح بالمال ناصرة لذاتها بذاتها، وذلك بعد أن يكون المال قد دمر العقل». كما أن الديمقراطية تعد كذلك إذا خدمت مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، فلقد كانت الأنظمة السياسية التي قادها نورييجيا في بنما، وصدام حسين في العراق، والبشير في السودان، وبن علي في تونس، ومبارك في مصر، والقذافي في ليبيا وغيرهم، أنظمة ديمقراطية اعترفت لها الولايات المتحدة بذلك، ولكنهم أصبحوا قطاع طرق، وشخصيات غير مرغوب فيها، وأنظمتهم غير ديمقراطية في الوقت الذي أبت دولهم الانصياع للأوامر الأمريكية. كما أن تقرير المصير قضية في كوسوفو وليس في شرق أوكرانيا، واحتلال واشنطن للعراق مشروع، وتدخل روسيا في أوكرانيا مرفوض ومنبوذ.

فبعد إعلان الحرب على الإرهاب قال جورج بوش بالحرف الواحد «من ليس منا فهو ضدنا». فأين الديمقراطية فيما يقول؟ فهو يريد إخضاع كل الدول للقيادة الأمريكية والمفهوم الأمريكي للإرهاب، رغم أنه قد يرى المقاومة في بعض البلدان إرهابًا. كما قد يعد إرهاب الدولة الذي تقوم به واشنطن في العالم دفاعًا عن النفس. فامتلاك حماس للسلاح واستهدافها إسرائيل إرهاب، بينما امتلاك إسرائيل للسلاح النووي واستهدافه الأبرياء دفاع عن النفس، وغزو العراق للكويت عدوان وغير شرعي، بينما غزو إسرائيل لجنوب لبنان واحتلالها لسيناء المصرية والجولان السورية دفاع عن النفس وإعادة الاستقرار إلى المنطقة. هذا ما يجعل هذه الديمقراطية الغربية لا تحترم رأي الآخر ما دام هذا الرأي مناقضًا، وترى في كل هذه الأنظمة التي لا تعلن ولاءها لواشنطن أعداء، حتى وإن جاءت إلى الحكم بالطرق الديمقراطية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد