ينتهي التاريخ مرة على الأقل في تاريخ كل حضارة، وأحيانًا أكثر من مرة، وعندما تنشأ دولة الحضارة العالمية يغشى بصر شعبها ما يطلق عليه تويني «سراب الخلود»، ويصبح مقتنعًا بأن ما لديه هو الشكل النهائي للمجتمع الإنساني.

المجتمعات التي تفترض أن تاريخها قد انتهى، هي دائمًا مجتمعات يكون تاريخها على حافة الانهيار.

هكذا أجاب الكاتب الأمريكي صامويل هنتغتون في كتابه «صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي» عن سؤال حول ما إذا التاريخ قد انتهى لصالح تفوق الحضارة الغربية على مثيلاتها، وانتصار الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية. وقد سبقه إلى الإجابة عن هذا السؤال فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، وفيه تساءل عن تاريخ للبشرية واضح المعالم والأهداف يتجه صوب الديمقراطية الليبرالية، فيجيب بالإيجاب محاولًا ربط ذلك بسببين رئيسيين هما الاقتصاد والصراع من أجل نيل التقدير والاحترام.

إلا أن الاقتصاد الرأسمالي بأزماته ونكساته، إن دل على شيء فهو يدل على انهيار النظام الرأسمالي، أما عن الجانب الثاني المرتبط بالصراع من أجل نيل التقدير والاحترام، فهو الجانب المظلم والأسوأ في الرأسمالية الليبرالية التي تبتعد كلية عن الأخلاق والمبادئ، ما ينشئ صراعًا من أجل هدم مبادئ التقدير والاحترام وليس من أجل نيلها.

كما ربط فوكوياما نهاية التاريخ بنهاية الحروب والفوضى بالقول «إن نهاية التاريخ تعني نهاية الحروب والثورات الدموية، ومتى اتفق الناس على الغايات فلن تكون هناك قضايا كبيرة يتقاتلون بسببها، يشبعون احتياجاتهم بفضل النشاط الاقتصادي، غير أنهم لن يضطروا الى المخاطرة بحياتهم في معارك». والواقع يؤكد أن فوكوياما قد ناقض أفكاره بنفسه بالقول إن التاريخ قد انتهى، وربطه بنهاية الحروب والثورات الدموية، بينما العالم يعيش أزمات وصراعات وحروبًا لا تكاد تنتهي بفعل محاولة إشباع الحاجيات الاقتصادية التي تكلم عنها فوكوياما.

فالتاريخ إذن حسب الواقعيين سلسلة متصلة لا تنتهي تسودها الفوضى، من الصراعات بين الدول وليس لليبرالية فيها أي وضع متميز.

رخاء ليس في متناول الجميع

إن الرأسمالية تخلق الثروة، ولكن تخلق البؤس أيضًا بسبب التفاوت الذي تولده بالضرورة.

يعد الانقسام المتواصل بين الشمال والجنوب من التكاليف الباهظة التي يدفعها العالم الثالث، زيادة على الموتى والضحايا التي تعد من نتائج الرأسمالية المتوحشة. فهناك عالم منقسم يكلف أربعة أخماس العالم كل يومين خسارة تعادل ضحايا هيروشيما. فارتقى الاستغلال إلى أكبر مراحله، فأصبح الغني يستغل الفقير والدول الكبرى تستغل الدول الضعيفة والفقيرة بأبشع الوسائل الممكنة، وهذا كله لأن الدولة كمؤسسة ألغيت ولا تتحكم في زمام الأمور، فأصبحت الأقلية المالكة لوسائل الإنتاج والأقلية الغنية هي التي تتحكم وتفرض مشروعاتها وقوانينها. فتزايد الإنتاجية أو التنمية المزعومة التي ينادي بها الغرب تخدم فقط ملاك وسائل الإنتاج.

صحيح أن السوق الحرة قد انتشرت وخلقت مستويات من الرخاء المادي، ولكن هذا الرخاء يتمتع به 10% من سكان العالم، فالسوق الحرة التي يفتخر بها النظام الليبرالي تعيق المساواة التي تعد عنصرًا مهمًّا في الديمقراطية الليبرالية، فان الدولة الليبرالية فشلت في التغلب على الصراع الطبقي بين البرجوازية والبروليتارية، فالرأسمالية تنتج البرجوازية وهذه الأخيرة أنانية، ما جعل الانقسام يظهر حتى داخل الشمال بين الأغنياء القلة والفقراء، ففعلًا هناك عالم منقسم حيث لا يتوقف في البلدان الغربية ازدياد عدد العاطلين عن العمل والمطرودين اليائسين.

إن الشركات متعددة الجنسيات ساهمت في التنمية غير المتوازنة، والتحكم في معدلات التبادل التجاري، وإعطاء الأولوية للدول المتقدمة في حصة السوق الحرة العالمية وإبقاء الدول الفقيرة أشد فقرًا من ذي قبل، وعلى عكس ذلك راح فوكوياما يهلل للرأسمالية ويؤكد أن الدول الفقيرة التي لا تمتلك من الموارد غير العمل الدائب لسكانها يمكنها أن تستفيد من انفتاح النظام الاقتصادي الدولي، وأن تخلق لنفسها قدرًا من الثروات الجديدة التي لم تكن تحلم بها، وهو من شأنه أن يضيق الفجوة بسرعة بينها وبين الدول الكبرى الرأسمالية الأكثر رسوخًا في أوروبا وأمريكا الشمالية.

لكن مثل هذه الشعارات لم تستمر طويلًا لتكشف وتظهر الرأسمالية في شكلها المتوحش، الذي يؤدي إلى استغلال الضعيف لفائدة القوي، والفقير لفائدة الغني، والدول الفقيرة لفائدة الدول الغنية. فلقد أدت الرأسمالية إلى تلاشي قوى اقتصادية وفقدانها لقوامها الاقتصادي، أما الدول الفقيرة فقد أنهكتها الرأسمالية والديون والاستغلال غير العقلاني من طرف الشركات الأجنبية والمؤسسات الاقتصادية الدولية، كما أن المديونية التي يعاني منها العالم الثالث سببتها البلدان الاستعمارية التي ألحقت اقتصاديات هذه الدول باقتصادها، ما ولد التبعية وأصبحت القروض أمرًا مفروغًا منه ولا مفر منه.

فقد أسهمت الهيمنة الأمريكية على العالم في السياسات الاقتصادية للتبادل الحر، مثل اتفاقية التبادل الحر ALENA بين الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، التي ألغت كل قيود التبادل التجاري والاستثمار، في تصاعد نسب العجز التجاري للمكسيك مع الولايات المتحدة، وبخصخصة الشركات الحكومية انخفضت فرص العمل وفقدت المكسيك سيادتها، والمستفيد الوحيد من هذه الاتفاقية هو الطبقة الغنية أو البرجوازية المكسيكية إلى جانب الشركات الأجنبية الأمريكية، ما أدى الى انتفاضات شعبية وعنف مسلح.

حاول فوكوياما إبراز مستويات الرخاء المادي التي تخلقها الليبرالية، واسترشد بالدول الآسيوية واقتصادياتها التي يسميها بالمعجزات الاقتصادية، بينما هذه الدول الآسيوية هي أحسن الأمثلة على تدخل الدولة في الاقتصاد. كما أن هذا الرخاء الذي يتحقق داخل الدول الليبرالية تستفيد منه الأقلية البرجوازية وملاك وسائل الإنتاج، وتهمين بذلك على الاقتصاد وتحرم الأغلبية منها. كما أن الدول الليبرالية الغربية التي تسيطر على المؤسسات الاقتصادية الدولية تستفيد من الرخاء على حساب دول العالم الثالث، ما يجعل الأقلية دائمًا تستفيد على حساب الأغلبية. فالرأسمالية تخلق الثروة في جزء صغير من العالم، وتخلق البؤس والفقر في جزء كبير من العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد