يسيطر علينا وهم أننا نعيش في عالم آمن قابل للتنبؤ؛ إذا درست بجد لخمسة عشر عامًا، أو أكثر، ستتخرج وأنت مؤهل تمامًا للحصول على وظيفة أحلامك، وحين تحصل عليها ستبقى فيها إلى سن التقاعد تترقى السلم الوظيفي بثبات، بشكل آلي قابل للتنبؤ، وفي كل مرحلة ستحصل على العائد الذي تتوقعه نظير عملك.

الصدمة تأتي سريعًا لمن توظف مباشرة بعد تخرجه، حين يجد أن ما درسه لا يخول له التميز في وظيفته ويجد أن وظيفته غير مضمونة إلى الأبد، وتأتي الصدمة سريعًا جدًا للآخرين الذين اصطفوا أفواجًا في انتظار وظيفة لا تأتي أبدًا.

الحياة لم تعد بسيطة كما كانت، وحلم “إكمال الدراسة، الحصول فورًا على وظيفة ثم الزواج” صار محض وهم، لا يمكن تحقيقه بسهولة، وحتى إن تحقق لم تعد ثمة أية ضمانة على استمراره وألا يتحول إلى كابوس فجأة، نسبة البطالة مرتفعة للغاية، في العالم المتقدم كما في الدول النامية، وعدد الخريجين الذين لا يجدون أية وظيفة في تزايد مستمر. السبب أحيانـًا نقص مناصب الشغل، لكن في حالات أكثر نقص الكفاءات بسبب عدم ملاءمة ما يتم تدريسه في الجامعات مع متطلبات السوق، وعدم قدرة الخريجين على التعلم الذاتي ومواكبة الجديد، بصيغة أخرى: الهشاشة.

 

لا تكن كبشًا:

كان مرعوبًا في البداية، يوم فطمه المزارع عن أمه، وهو لم يكمل شهره الرابع بعد، ونقله من المرعى المفتوح إلى حظيرة مغلقة. لكنه سرعان ما تأقلم في هذا المكان البديع المكتظ بالحملان في مثل عمره. مضت أشهر وهو لا يفعل شيئًا إلا اللعب والأكل. لا يحتاج هنا إلى عناء الذهاب إلى المرعى والبحث عن الكلأ. المزارع يقدم لهم أشهى الحبوب وأطيب الأعشاب وأطراها.

لقد صار الآن كبشًا سمينًا راضيًا عن نفسه هانئًا مرتاح البال، يستمتع مع أقرانه بالحديث عن الأيام الوردية القادمة وكيف أن المزارع يحسن العناية بهم ويقدم لهم يوميًا ما يحتاجون من طعام وشراب. هذا أمر سيستمر إلى الأبد. كان يحادث نفسه بذلك، إلى أن جاء يوم سمع فيه هدير الشاحنات في الخارج ورأى أشخاصًا أغرابًا ينقلون رفاقه حملاً إلى الشاحنات.

حاول التملص منهم وثغى كثيرًا. جرى وركل وقفز، لكن لا مفر. وجد نفسه مكدسًا في الشاحنة، ثم وجد نفسه في مكان غريب فيه كثير من الضجيج وأناس يحيطون به ويفحصونه، ثم وجد نفسه وحيدًا في بيت ما، ثم وجد نفسه ملقى على الأرض وسكينًا حادة تقترب من نحره، ثم…

انتهى حلم هذا الكبش الذي كان يعتقد واهمًا أنه سيبقى للأبد في المزرعة والطعام يأتيه يوميًا، دائمًا في نفس الوقت!

هل هذه قصة خيالية؟ كلا. بالنسبة لأنور هي ليست مجرد قصة خيالية من عالم الحيوان.

كان أنور سعيدًا يوم حصل على وظيفته، كمبرمج، بمجرد تخرجه من الكلية. أمضى في عمله ثمان سنوات كاملة، يعمل عشر ساعات يوميًا، ستة أيام في الأسبوع، وكثيرًا ما يسهر الليالي لإكمال الأعمال المتأخرة التي لا تنتهي، اشترى سيارة مستعملة، وشقة صغيرة سيبقى طيلة عمره يدفع أقساط رهنها البنكي، تزوج وأنجب طفلين.

لا شك أن الوظيفة مملة رتيبة كئيبة مجهدة، لكنه سعيد براتبه الشهري الذي يزيد سنة بعد سنة، والمكافآت التي يحصل عليها أحيانًا مقابل عمله أيام العطل وحتى وقت متأخر ليلاً.

لكنه مثل الكبش كان مخدوعًا. فكما أن الكبش كان يعيش وهم “الحياة الرغدة الأبدية” كان أنور يعيش وهم “الأمان الوظيفي” وبأنه سيبقى في وظيفته إلى أن يصل سن التقاعد فيحصل على معاش جيد يعيش به بعد أن يكون قد أكمل أقساط قرض السكن. كان واهمًا، فبعد ثمان سنوات من العمل المتفاني، جاء صباحًا ليجد رسالة من قسم الموارد البشرية يخبرونه أنهم مضطرون للاستغناء عن خدماته، في إطار حملة تخفيض للعمالة بسبب تناقص إيرادات الشركة!

بعد ثمان سنوات من الكد في العمل وجد نفسه في الشارع، لديه طفلان صغيران ورهن عقاري ثقيل على كتفيه. ليس لديه حتى الخبرة المطلوبة للعثور على وظيفة جديدة، فسنواته الثمان من الخبرة لم تكن فعليًا سوى سنة واحدة مكررة ثمان مرات، بسبب وظيفته المملة الرتيبة التي لم تكن تتطور، فما كان يقوم به خلال سنته الأولى استمر يقوم به طيلة السنوات الثمانية. إنه الآن عاطل تمامًا، ودون أمل. لم يستعد يومًا لمثل هذا اليوم. إنه رخو ولين. إنه هش.

 

انهيار مدينة السيارات

برزت مدينة ديترويت خلال النصف الأول من القرن العشرين كدرة تاج التقدم الصناعي الأمريكي، وصارت أرض الأحلام والثروة، بفضل ثلاث شركات ناشئة (Startups) تميزت بالابتكار في صناعة السيارات؛ فورد، جنرال موتورز وكرايسلر. كان حلمهم تصنيع سيارة لكل أمريكي. سيارة لكل ميزانية ولكل غرض.

تمكنت شركة فورد من تطوير أسلوب خط التجميع، الذي غير صناعة السيارات إلى الأبد لما وفره من إمكانيات الإنتاج الكمي الوفير مع تحكم أكبر في الوقت والميزانية. كما تمكنت شركة جنرال موتورز، التي أصبحت أول شركة في التاريخ تحقق إيرادات بقيمة مليار دولار، من تطوير أساليب إدارية وإنتاجية وتحسينها فتحت لها الطريق نحو التميز والنجاح، حتى غذت كيانـًا جبارًا كادت وزارة العدل الأمريكية أن تقسمها لتقلل من قوة تأثيرها.

قدمت تلكم الشركات أمانًا وظيفيًا لا مثيل له؛ فلم يكن يفصل أي شخص، ارتقاء السلم الوظيفي كان مضمونًا وأكيدًا، وأي موظف متواضع المردودية أو محدود الكفاءات كان يتم إخضاعه للتدريب، بل إن جنرال موتورز كان لها جامعتها الخاصة، التي تخرج المهندسين في مجال صناعة السيارات وكذلك القادة الإداريين.

خلال سنوات نمو صناعة السيارات ازدهرت مدينة ديترويت وصار الملايين يتوافدون عليها حتى غذت رابع أكبر مدينة أمريكية من حيث الكثافة السكانية، وكان معدل الرواتب فيها هو الأعلى في أمريكا. كانت المدينة نموذجًا للريادة والابتكار.

لكن لا شيء من ذلك استمر. المدينة أشهرت إفلاسها سنة 2013، مسجلة نفسها كأكبر إفلاس في تاريخ الولايات المتحدة. ما حدث هناك هو صورة أخرى من قصة الكبش الغافل المخدوع بوهم الحياة الرغدة الأبدية.

من كانوا روادًا ذات يوم وقادوا صناعة السيارات بروح الابتكار، أصابتهم الغفلة والغرور والأنانية، ففقدوا روح الريادة داخلهم وتحولوا من رواد أعمال إلى مجرد عمال يلهثون وراء الرواتب السنوية الضخمة.

كانت الصناعة مربحة جدًا، مربحة للغاية، وكانت أيضًا صناعة سهلة مريحة تستفيد من نجاحات الماضي. اعتقدت تلكم الشركات الكبريات الثلاث، التي كانت تحتكر السوق وتقتل كل المنافسين الصغار، أنها ضمنت النجاح، فلم تعد تهتم بالابتكار واكتفت بجني الأرباح التي كانت ما تزال تنهال عليهم، دون أن ينتبهوا إلى نمو متطلبات السوق، تغير أهواء وتفضيلات الزبائن، والمنافسين القادمين من اليابان بأفكار إدارية جديدة وتفتح ريادي ابتكاري على متطلبات السوق.

النتيجة كما تعرفونها الآن: انخفاض متوال في المبيعات وخسائر متتابعة أتبعها احتماء الشركات الثلاث بقانون حماية الإفلاس الأمريكي والحصول على قروض بملايين الدولارات، ودخولها في سلسلة من إعادة التنظيم والهيكلة، وقبل ذلك إرسال آلاف من الموظفين إلى الشارع.

كل ذلك أثر على المدينة نفسها، التي أصبحت مهجورة، مستوى الخدمات فيها متدنيًا، الأمن شبه منعدم، البطالة مرتفعة جدًا والفساد مستشري. تحولت ديترويت من رمز الريادة والفخر الأمريكي إلى رمز لليأس والفشل والغرور البشري.

قصة فشل ديترويت تحتاج وحدها كتابًا لتفصيل أسبابه، لكن إجمالاً يمكن تلخيص أسباب هذا الانهيار في: الغرور، الركون إلى النجاح السهل، الغفلة عن تقدير المنافسة القادمة من الشركات الجديدة، الخوف من المخاطرة، والفشل في التكيف والتعلم المستمر.

 

ونهاية وظيفة التعليم

رغم التراجع المستمر للمكانة الاجتماعية للمعلم والأستاذ خلال العقدين الأخيرين، في المغرب، إلا أن وظيفة التعليم ما تزال تعتبر خيارًا آمنًا مضمونًا للحصول على منصب شغل، خاصة للطبقة المتوسطة. حتى إن بعض المهندسين، في قطاعات التكنولوجيا وهندسة الكمبيوتر، ممن درسوا لسنوات مرهقة في معاهد يصعب الولوج إليها، ثم توظفوا في شركات خاصة -غالبًا فرنسية- يتركون وظائفهم تلك نحو التدريس في معاهد تقنية، كلما وفرت الحكومة فرصة لذلك!

بجانب الصحة والعدل، يعتبر التعليم من أسوأ القطاعات تدبيرًا في المغرب، وأكثرها هشاشة، رغم كثرة “البرامج الإصلاحية” التي تم تجريبها وتطبيقها خلال العقد الأخير. الكلام السياسي عن الإصلاح كبير، أما الأمر على أرض الواقع فمختلف تمامًا؛ مستوى التعليم في الحضيض، مكانة المعلم في نزول مستمر، كثير من المعلمين يغادرون بعد سن التقاعد لا يتم تعويضهم، كثير من المدارس يبدأ بناؤها ولا ينتهي، إلخ.

لم تعد الحكومة توفر مناصب شغل كثيرة في القطاع، رغم الخصاص المتزايد. فبعد أن كانت تفتح باب التسجيل في معاهد تكوين المعلمين كل سنة، صارت تفتحها كل سنتين، ثم صار الأمر عشوائيًا. ذات مرة جربت توظيف معلمين من غير خريجي معاهد التربية والتكوين، بعقود عمل مؤقتة عوضًا عن التوظيف الدائم.

هي مؤشرات كثيرة تدل على أن الحكومات الأخيرة المتعاقبة تريد رفع يدها عن التوظيف في التعليم. هي مؤشرات على انهيار الأمان الوظيفي في هذا القطاع الذي كان دخوله سهلاً والحصول على الترقيات فيه أمر سهل وآلي. لكن مع ذلك استمر كثيرون في غفلتهم عن تلك المؤشرات وبقوا على اعتقادهم بأمان وظيفة التعليم الأبدية من تقلبات العصر الفجائية، إلى أن قلبت عليهم الحكومة، متمم سنة 2015، دلوًا من الثلج، بإصدارها مرسومًا وزاريًا سيعني أن التخرج من معاهد التربية والتعليم لا يعني التوظيف مباشرة.

قبل ذلك كان التخرج من معهد تكوين المعلمين أو المدرسة العليا للأساتذة يعني التوظيف فورًا. أما الآن، لو تم تمرير هذا القانون فإن الطالب المتخرج بشهادة “معلم” سيغدو مثل المتخرج بشهادة الإجازة من كلية الآداب. مجرد رقم إضافي في طابور العاطلين عن عمل.

 

تراكم الخطر الصامت

 نعود إلى قصة أنور.

كان أنور سعيدًا في وظيفته. يحصل على راتب مريح ويعمل لساعات طوال، معتقدًا أنه يضيف لحياته، لمجتمعه وللشركة قيمة حقيقية، غير أنه كان واهمًا، وهنا الخطر الذي كان يحدق به.

اعتقاد أنور أنه ما دام يعمل بجد ويحصل على راتبه ومكافآته، فإنه يقدم فائدة قيمة للمجتمع، وخاصة للشركة، وبالتالي فإن منصبه سيبقى مضمونًا حتى سن التقاعد. هذه مغالطة كبيرة ووهم أكبر لم يفق منه أنور إلا بعد أن توصل برسالة فصله عن العمل، التي تقول بأن الشركة لديها نقص في الإيرادات وبالتالي قررت التخفيف من المصاريف والاستغناء عنه.

لو أن أنور كان يقدم قيمة حقيقية وفائدة كبيرة للشركة ما كانت لتستغني عنه بسهولة. لكنه لم يدرك ذلك إلا متأخرًا. كان مخدوعًا يعيش في الوهم مراكمًا “خطرًا صامتًا” نزل عليه على حين غرة.

محدودية فائدة أنور للشركة كانت واضحة دائمًا، نظرًا لطبيعة عمله الروتينية المتكررة، وقابلية الاستغناء عنه كانت خطرًا واضحًا من البداية أيضًا. لكن وجود الشركة في وضعية مالية مريحة ترك ذلك الخطر مدفونًا صامتًا لا صوت له ولا رأس. ومع مواصلة تحسن إيرادات الشركة والحماس الذي يبديه أنور للعمل لساعات أكثر من المطلوب منه، يزداد وهم الحاجة لأنور، فيزداد ذلك الخطر صمتًا ويدفن أعمق فأعمق. فالشركة ترى أن أنور مفيد، وأنور يرى نفسه مفيدًا ومنصبه آمنًا دائمًا. غير أن الخطر وإن كان صامتًا إلا أنه يبقى موجودًا، وخطورته تتراكم. كلما طال الوقت صار أخطر. فغياب المشاكل والأزمات يدفع أنور إلى الركون إلى الوضع الراهن معتقدًا أنه موظف متميز يقدم فائدة كبيرة للشركة ولا حاجة له لتطوير نفسه.

لو أن الشركة كانت تعاني بعض الأزمات، أو التحديات، بين وقت وآخر، لشعر أنور بالخطر على نفسه، ولكان قد جهز نفسه لمخاطر أكبر، مكيفًا نفسه مع كل هزة ومواصلاً تطوير نفسه. لكن غياب الأزمات جعل أنور مكشوفًا مهددًا تمامًا يوم ظهرت الحاجة لتقليص العمالة، فكان ضحية للتغيير الكبير الذي حدث فجأة، دون أن يكون قد اكتسب أية مناعة تمنحه القدرة على المقاومة أو التكيف.

التغييرات والهزات والمشاكل الصغيرة التي نتعرض لها باستمرار تكون مفيدة لنا للخروج من منطقة الراحة الذاتية التي نركن لها، لنواجه الحياة الواقعية بجدية أكبر، لنتعلم ونتكيف لنكسب المناعة باستمرار، حتى إذا ما أتت يومًا ما هزة ضخمة نكون قادرين على الخروج منها آمنين سالمين، أو ربما أقوى مما كنا.

 

ما الأمن: موظف أم رائد أعمال؟

لنقل بأنك مبرمج تطبيقات ويب في شركة كبيرة. الإنترنت في ازدهار والإقبال على تطبيقات الإنترنت في تزايد. منصبك المهني ذاك من بين أكثر مناصب الشغل استقطابًا في هذا العصر. أمضيت عامًا في وظيفتك هذه. الأوضاع جيدة وفرص النمو بارزة في الأفق.

السؤال: برزت لك فرصة ترك الوظيفة لتأسيس شركة إنترنت ناشئة مع صديق. هل تتخلى عن وظيفتك الآمنة المزدهرة وتدخل مغامرة إنشاء شركة جديدة، ذات مخاطرة عالية؟

في عالم آمن ثابت قابل للتنبؤ، تبقى الوظيفة هي الخيار الأضمن والأكثر أمانًا، لا شك في ذلك.

لكننا لم نعد نعيش في عالم هادئ ثابت كل ما يحدث فيه يكون في حدود المتوقع والتنبؤ. نحن نعيش في عالم وعصر تطغى فيهما التغييرات الفجائية الكبيرة التي تحدث في غفلة عنا وخارج حدود توقعاتنا بشكل كامل.

كثيرون منكم يتذكرون شركة كوداك. طيلة ما يناهز قرنًا كاملاً سيطرت الشركة على صناعة التصوير. كاميراتها موجودة في كل مكان وحاضرة في كل مناسبة. على سبيل التشبيه يمكننا أن نقول بأنها جوجل ذلك الزمن. كانت تحصل على هامش ربحي كبير جدًا، يزيد عن 80% بالنسبة لبيع الأفلام، وكانت تستحوذ على حوالي 90% من الحصة السوقية في أمريكا. لكنها سنة 2012 أشهرت إفلاسها وأمسى خمسون ألفًا من موظفيها دون عمل.

قصة أنور المبرمج الذي اشتغل لثمان سنوات في شركة كبيرة مزدهرة، ثم وجد نفسه دون وظيفة، مراكمًا خطرًا صامتًا جعله هشًّا غير قادر على النهوض مجددًا، ليست مجرد قصة خيالية أو حالة فريدة. فالعالم لم يعد خاضعًا للقواعد القديمة نفسها، حيث الأمور تتم ببطء وتأثيراتها السلبية تبقى صغيرة.

العولمة والتقدم التكنولوجي يضخمان التغييرات الإيجابية والرفاهية، صحيح. لكنهما أيضًا يضخمان بشكل فادح الكوارث والأخطار. البنوك مثلاً صارت كيانات ضخمة متماسكة لا يمكن أن تعصف بها المشاكل الصغيرة المتعددة، كما كان يحدث مع البنوك الصغيرة قبل عقود محدودة. لكن بقدر ما صارت تلكم البنوك منيعة أمام المشاكل الصغيرة المتوقعة فإنها بقيت، أو بالأحرى صارت، بحكم ارتباطاها الوثيق في شبكة واحدة، هشة تمامًا أمام العواصف الكبيرة الفجائية القادمة من وراء حدود التوقع. فمشكلة واحدة من ذلك النوع ستسقط النظام البنكي العالمي كاملاً. وما الأزمة المالية سنة 2008 ببعيدة عن أذهاننا.

* * *

 

غادر رشيد، زميل أنور، الشركة بعد عام من العمل في نفس القسم مع أنور، لينشئ شركته الخاصة. لم تكن الأمور بالنسبة لرشيد سهلة أبدًا. عانى كثيرًا واحتاج إلى بذل جهد كبير ومواجهة عقبات كثيرة باستمرار. غير أنه لم يكن مهددًا مثل أنور بتراكم الخطر الصامت. فكل عقبة يواجهها كان يخرج منها أقوى. كان يتعلم باستمرار ويتقدم إلى الأمام حثيثًا، ولو ببطء. لم يدخر كثيرًا من المال ولم يكن يجني كثيرًا في البداية. لكن تلك كانت نقطة قوته. ذلك كان دافعه للتطور والتحسين من منتجاته وخدماته. إذا لم يشتر أحد منه عرف أن الخلل منه، وقام فورًا بإجراء ما يلزم من تحسينات أو تطويرات واختبارات السوق للتحقق من الفائدة التي يقدم.

سلسلة المشاكل والعقبات المتواصلة علمت رشيد التكيف وأكسبته القوة وكثيرًا من الخبرات. لم يعد رخوًا لينًا ولا هشًا. لذلك، وبعد ست سنوات، وعكس أنور الذي ركن إلى الدخل الثابت والوظيفة الآمنة ثم وجد نفسه في الشارع، تمكن رشيد من النمو وبناء شركة صغيرة ناجحة، قادرة على التكيف مع متغيرات السوق، وتحقق له ولفريقه دخلاً آمنًا، طالما بقي نشيطـًا مبدعًا متقد الذهن، غير مستكين أو خاضع لوهم النجاح الدائم.

 

لكن، هل يجب أن نكون جميعنا رواد أعمال؟

يقول محمد يونس، مؤسس بنك جرامين، الشهير بتسمية بنك الفقراء، والحاصل على جائزة نوبل للسلام نظير تأسيسه لذلك البنك الذي ابتكر فكرة تقديم القروض الصغيرة للفقراء:

“كل البشر رواد أعمال. عندما كنا نعيش في الكهوف، كنا نعمل لحسابنا. كنا نجد طعامنا، ونطعم أنفسنا. هنا حيث بدأ التاريخ الإنساني، (لكن) عندما أتت الحضارة، أقمعنا روح المبادرة ودخلنا إلى سوق الشغل. كلنا عمال، لقد أصبحنا عمالاً، لأنهم صنفونا بقولهم إنكم عمال. لقد نسينا أننا رواد أعمال.”

كلنا نحتاج أن نكون رواد أعمال، لكن ريادة الأعمال لا تعني بالضرورة تأسيس الشركات، إنها تتمحور حول الاستقلالية التي تعني القدرة على الاعتماد على أنفسنا، وتتمحور حول الرغبة في الإبداع والابتكار التي تسكننا.

ريادة الأعمال هي أسلوب حياة يعتمد على الطموح والتكيف، رجل الكهف كان يتعلم كل يوم حيلة جديدة ويتكيف باستمرار مع المتغيرات الطارئة في إطار بحثه عن الطعام، في كل مرة لا يجد فيها الطعام حيث اعتاد، يكون عليه أن يخوض عميقًا وبعيدًا باحثًا عنه، مكتسبًا في كل مرة، وشيئًا فشيئًا، مهارات ومعارف تمكنه من تجنب المخاطر وإتقان طرق مختلفة للصيد.

لو أن رجل الكهف كان يجد يوميًا طعامه عند باب كهفه، فلن يتعلم شيئًا، ذات يوم ستحدث كارثة ما ولن يجد طعامه أمام بابه، سيحتاج آنذاك جهدًا جهيدًا ليصطاد، ولن يعرف، فهو غير معتاد على الصعاب. غالبًا هو سيصير فريسة لأول مفترس سيلقاه!

ليس المقصود بريادة الأعمال دائمًا تأسيس الشركات، فتلك مهمة غير يسيرة وصعبة جدًا، إنما المقصود من أن نكون رواد أعمال هو أن نترك قواعد ريادة الأعمال تقودنا، أن نقود حياتنا المهنية، وبشكل عام حياتنا الشخصية، كأنها شركة ناشئة.

ما معنى شركة ناشئة؟ الشركة الناشئة، أو ستارت آب Startup، هي شركة فتية تعمل بموارد محدودة، في ظروف يغلفها اللايقين، على تطوير نموذج تجاري قابل للنمو والتوسع بشكل كبير، بإيجاد حل لمشكلة لا يبدو حلها واضحًا ونجاحه التجاري غير مضمون.

جوهر الشركات الناشئة يقوم على الابتكار من جهة، وعلى اللايقين من جهة أخرى، كذلك يجب أن نتعامل مع حياتنا المهنية.

اللايقين يعني أن نقتل الكبش داخلنا الذي يغلفنا بوهم الحياة الرغدة الأبدية. يعني أن ندرك أن لا شيء آمن مضمون إلى الأبد. يعني أن نكون مستعدين دومًا لأية تغييرات أو هزات عنيفة، سواء القابلة للتوقع أو القادمة من وراء حدود قدرتنا على التوقع.

الابتكار يعني ألا نركن إلى النجاح السهل ونطور أنفسنا باستمرار. التعليم الذاتي المستمر هو مفتاح البقاء في هذا العالم الصعب شديد التغيير.

 

الخلاصة: تخلص من الهشاشة     

ما كان آمنًا ذات وقت مضى لا يعني أن يبقى آمنًا إلى الأبد. حين نترك الكبش داخلنا يقودنا فإننا سنعيش سعداء هانئين مرتاحي البال حتى نجد أنفسنا، على حين غفلة، ضحية هزة ما لا قدرة لنا على المقاومة ولا النهوض.

ما عدنا نعيش في عالم سهل التنبؤ، مساراته واضحة والنجاح فيه سهل أو مضمون.

الاستمرار في هذا العالم يتطلب منا التسلح بذات أسلحة رواد الأعمال وصفاتهم: الانضباط، الجدية، المرونة، التكيف، التعلم المستمر، السعي نحو الفرص، التميز، التفرد، وقبل ذلك تعريف الغاية من حياتنا والهدف من وجودنا، أن نعيش حياتنا كأنها “مرحلة تجريبيةBeta ” دائمة. المطلوب منا هو استمرارية التطور والتعلم والتحسين. أن نتخلص من الهشاشة ونمتص الخبرات والمعارف الجديدة بشكل يومي.

ببساطة، عليك أن تدرك أنك إن لم تكن تتقدم إلى الأمام فأنت حتمًا تعود إلى الوراء. سواء أكنت موظفًا أم كنت صاحب شركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد