منذ أيام انتهيت من مشاهدة مسلسل ثمانيناتي بعنوان «نهاية العالم ليست غدًا»، المسلسل من تأليف الكاتب يسري الجندي ومن بطولة الفنان الرائع حسن عابدين، الذي أبدع في تجسيد دور الأستاذ رياض مدرس الفلسفة، حيث حاول بقيمه النبيلة ومثله العليا تغيير مجتمعه المادي والتصدي لأفكار الدول الاستعمارية الكبرى، والتي تحاول السيطرة على دول العالم الثالث بشتى الطرق. ذلك المسلسل رغم صدوره منذ أكثر من 3 عقود لكنه يثير عددًا من القضايا السياسية والفلسفية التي قد تكون سببًا في نهاية العالم.

البعد الثالث و«الفلوس بالكوم»

في البداية يسعى الأستاذ رياض إلى تغيير عقل زوجته التي ترى أن «القوطة» أو الطماطم أثمن من الفلسفة التي يدرسها، كما يحاول إصلاح عقل ابنه ناجي طالب الجامعة الذي يخطط لأن يصبح تاجرًا كبيرًا بالسوق على غرار خاله ويترك دراسته بالاقتصاد، وفي الوقت ذاته يعرض لنا المسلسل الآثار المدمرة الناتجة عن تأثر المجتمع المصري بنمط الحياة الغربي في تلك الفترة، حيث تغيرت مفاهيم الحياة البسيطة لدى الإنسان المصري إلى متطلبات أكثر تكلفة، ومن ثم اختفت القيم والأخلاق وأصبحت المادة هي كل شيء، فكما شاهدنا في الثمانينات الغزو التكنولوجي للبيوت المصرية من التليفزيونات الملونة للغسلات الأوتوماتيك، والذي أدى إلى زيادة سعي الإنسان وراء المال حتى يستطيع الحصول على تلك الأدوات، نستطيع أن نرى أيضًا ذلك الأثر السيء في زمننا حيث التكنولوجيا الأكثر تطورًا والحياة الأكثر كلفة، كل ذلك زاد من جشع الانسان وجعلنا نسعى لعيش الحياة بالطول والعرض، وأصبح شغلنا الشاغل هو جمع المال أو «الفلوس بالكوم» من أجل مواكبة العصر، مما أنسانا أن هناك بعدًا ثالثًا للإنسان أكثر قيمة له وهو معنى الحياة.

دول العالم الثالث و«الخواجات»

يبين المسلسل لنا مدى هيمنة الدول العظمى على دول العالم الثالث واستخدامها كأدوات في حروبها مع بعضهم البعض، حيث يشير الأستاذ درديري إلى أن «الخواجات»، ويقصد بهم الدول العظمى، هم سبب رئيسي في حروب و تخلف وفقر دول العالم الثالث، كما يظن أناس تلك الدول أنهم أعلى وأرقى وأكثر تطورًا من إنسان العالم التالت، ذلك التصور الذي يدفع الدول العظمى إلى التلاعب بنا مثل قطع الشطرنج والوقوف في طريق أي محاولة لنهضتنا وتطورنا حتى يتسنى لهم الشعور دائما بأنهم أقوى وأفضل منا، لذا لا عجب في أن كل طغاة العرب لديهم مساندة قوية من دول الغرب الكبرى رغم انتهاكهم الصارخ للديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتغنون بها ليل نهار، فعلى سبيل المثال سنجد أن انقلاب 30 يونيو (حزيران) في مصر كان بعلم وتدبير ومساندة أمريكا ودول الغرب.

كذلك نرى أن انتقال ساحة الحرب بين الدول العظمى إلى العالم الثالث والتقاتل من أجل نهب ثرواتها كانت ولا زالت من ضمن أساليب الغرب للهيمنة على عالمنا، فجميعنا نعلم ما سببه الغزو الأمريكي للعراق من دمار وخراب ونهب لثرواته، كما نرى الآن تحالفات الدول الكبرى التي تقابل بعضهم البعض في سوريا وليبيا واليمن من أجل نفس الأسباب. استخدام صندوق النقد الدولي في الهيمنة الإقتصادية على دول العالم الثالث من ضمن ما تم الإشارة إليه أيضًا، ولعل أبرز مثال على ذلك هو ما نعانينه اليوم في مصر من تدهور اقتصادي كبير بسبب شروط ذلك الصندوق الخاضع لسيطرة تلك الدول الكبرى.

كيف أصبح كل شيء سلعة

يبين لنا المسلسل تأثير الفكر الرأسمالي على الإنسان، والذي بات يبحث عن الاغتناء السريع بكل الطرق حتى وإن كانت غير مشروعة، ومن ثم أصبح التعليم سلعة مثله مثل الطماطم، ذلك المبدأ الذي رفضه «رياض» رغم فقره واحتياجه، وعلى النقيض كان زملاؤه من المدرسين يحيكون المؤمرات من أجل نيل أكبر قدر من الدروس الخصوصية والفرص، كما نرى كيف أصبح الفن سلعة، وذلك من خلال فطين الكاتب الشاب ونضاله من أجل عرض مسرحيته الهادفة، ولكنى فوجئ بمتطلبات السوق التي تتحكم في كل شيء والتي ترى في الفن الهادف «وجع دماغ» وأن النكات هو ما يطلبه الجمهور. الريف المصري أيضًا وما حدث به من تشوهات كان له نصيب في المسلسل، حيث نرى كيف أن رغبة الفلاح في الاغتناء السريع دفعته إلى ترك الزراعة وهجر الأرض والذهاب للعمل في المدينة، ومن ثم أصبحنا نعيش على استيراد طعامنا بعد أن كنا من الدول المصدرة.

بيع التراث والرأسمالية التي تريد شراء كل شيء

مثلما كان الأستاذ رياض يواجه حروبًا في بيته ومدرسته، كانت معركته الكبرى في الحي الذي كان يقطن به والواقع بالقرب من قلعة صلاح الدين، تلك المعركة متمثلة في نسيبه «الدمهوجي» الذي يريد شراء كل المباني في الحي وهدمه على رؤوس الفقراء ومن ثم بيعه للخواجة «مستر روبي» وكيل الشركات العالمية، كان رياض يرى الدوافع الخبيثة لهذه الشركات العالمية في شراء المباني الأثرية أو القديمة، حيث يريدون طمس تاريخنا الذي نفتخر به مثلما دمروا حياتنا ومستقبلنا.

فكرة «الخواجة» أو الأجنبي الذي يأتي لشراء التراث ضاربًا الحائط بمصير الفقراء مستغلا جشع رؤوس الاموال مازالنا نراها حتى اليوم ولو كانت الصورة اختلفت قليلًا، فبدلًا من «الخواجة» أصبح نرى الخليجي الذي يستغل جشع السلطة ذات نفسها، ولكن ظلت مصائر الفقراء يتم التنكيل بها في كل عصر، ونستطيع أن نرى ذلك في بيع السلطة لجزيرتي تيران وصنافير للسعودية وبيع جزيرة الوراق ومثلث ماسبير للإمارات.

كيف فشل الإنسان في مهمته على الأرض

يقدم لنا المسلسل شخصية الأستاذ درديري، ذلك المدرس المثقف الواعي الذي يرى في أن الحل هو نزول كائنات فضائية على سطح الأرض لكي تنقذ العالم الثالث من سيطرة القوى العظمى لأنها ستكون أكثر تطورًا وعلمًا منهم، لكن يموت الأستاذ درديري بعد أن اتهموه بالجنون، أما رياض فعندما أحس بالهزيمة في كل معاركه، هرب ليعيش بمفرده فوق سطح بيته، وقبل أن يقضي عليه اليأس والحسرة تأتي إليه الكائنات الفضائية لتخبره أن الأرض كانت ومازالت غابة، والإنسان يعثو فيها فسادًا، فكم من البشر الذين يموتوت جوعًا في أفريقيًا كل يوم، وكم من الأبرياء الذين يتم قتلهم بسبب الحروب، وكم من الجرائم التي نرتكبها بحق أنفسنا، وكم من الخراب الذي يلحقه البشر كل يوم بالأرض، وكل هذا بسبب طمع الإنسان وجشعه، وعليه يتضح لنا أن قانون الغابة مازال يحكم هذا العالم رغم كل هذا التطور العلمي والتكنولوجي، ولم يتطور سلوك الإنسان منذ وجوده، وعليه فلقد فشل الإنسان في مهمته على الأرض.

إنقاذ الجنس البشري يبدأ من العالم الثالث

على عكس ما توقع رياض فلقد قالت الكائنات الفضائية له أن الحل في فناء الجنس البشري، حيث أخذ الأنسان فرصته كاملة لما يزيد عن نصف مليون عام، ولكنه سبب الدمار الشامل لذوايه من البشر والأرض والمخلوقات الأخرى، ورغم ذلك قامت هذه الكائنات بإعطاء رياض فرصة أخيرة لمدة أسبوع لتغيير العالم قبل أن يقوموا بالقضاء عليه بأنفسهم، لذلك سعى رياض لتوصيل صوته للصحافة والإعلام العالمي ومن ثم دعا دول العالم إلى إحياء الضمير والتحلي بالقيم والاخلاق، كما أدلى بمقترحاته أمامهم من أجل إنقاذ العالم قبل فوات الآوان، ومنهما تحويل كل ميزانيات التسليح لدى الدول الكبرى لخدمة إقتصاد العالم الثالث، وأيضًا إنهاء وتصفية كل ديون العالم الثالث، وكذلك إنهاء التحالفات المفروضة على شعوب العالم الثالث، إلى جانب الإهتمام بحقوق الإنسان من الرغيف حتى حرية الرأي والفكر.

لا أعلم لماذا إنتابني شعور بالفرح في نهاية العالم أثناء مشاهدتي المسلسل، وكنت أرغب في ألا يتحرك الأستاذ رياض من أجل إنقاذه وتركه للهاوية، ربما لأنني أعلم أن جشع وطمع الأنسان لن ينتهي، وأن قانون الغابة سيحكم عالمنا إلى الأبد، وربما لأنني أعلم أن أفكار رياض عن الضمير والاخلاق أصبحت كلام كتب وشعارات جوفاء لا يؤمن بها سوى القليل، وربما أيضًا لأنني أعرف أن الواقع أسوأ بمراحل وأن مأساة العالم الثالت لن تنتهي بسبب جشع وطمع الدول الكبرى المتزايد، أو لأنني متيقن من أن الكائنات الفضائية لن تأتي لتحذرنا باقتراب نهايتنا وتحي فينا ضمائرنا طالما لم نحييها نحن بأنفسنا، لذا أعتقدت أن نهاية العالم قد تكون غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد