إن الدول التي تحكم المنطقة التي نعيش تحت سطوتها الآن تفضل السمات الثقافية المُحققة للتوازن السياسي والمجتمعي، الذي يخدم مصالحها؛ لذلك يجري تعريف جميع عناصر المجتمع وطبقاته وفهم التفاعلات المُستجدة بينها داخل مؤسسات تلك الدول وفقًا لمعيار وحيد، هو القدرة على تحقيق استقرار واستمرار النظام، وبناءً عليه أيضًا تقَّيم التغيرات والظواهر الاجتماعية المُستحدثه؛ بل ما زالت حكومات تلك الدول تبذل جهدًا لا ينقطع لتوجية الوعي المجتمعي والتحكم فيه من خلال تشكيل القيم الإنسانية والتوازنات الاجتماعية، وفرض تصوراتها المحدودة عن الحقائق والأخلاقيات، ومحاصرة مواطنيها بحواجز من العواطف القومية، والآمال المستقبلية، لكي تضمن تمركزها في السلطة واستمرارية تمركز الموارد الاقتصادية في يدها، وحتى يتحول كل ذلك في النهاية إلى استجابات عاطفية تُشكل منهجًا فكريًّا خاصًّا بمواطنيها، ورؤيةً حياتيةً مسلمًا بها، فلا يخضع كلٌ منهما للمُساءلة البحثية أو للعقل المنطقي، فلا نستطيع التحرر من سطوتها إلا بعد مجهود ذهني عظيم، ولا نقدر على نفض سلطاتها عنا إلا بعد عناء أليم.

وقد تشكلت هذه الدول في ظل ظرف تاريخي كانت فيه المنطقة في أشد حاجتها للتحديث والنمو الاقتصادي وتأسيس نظام يسعى دائمًا لتقديم رؤية ثقافية مُحصنة تعبر عن مواطنيها، وتحقق التوازن المجتمعي، وتحافظ عليه، وبرغم ما تبذله تلك الدول الآن من مجهودٍ مُضنٍ لتحديد الوجهة المجتمعية وتحجيم أي رؤى مستقبلية خارج إطارها، وفرض تصورٍ يوتوبيٍّ وحيد عن مستقبل آمن خالٍ من العوائق لمواطنيها، لا يتحقق إلا من خلالها، فلم يعد من السهل في عصرنا هذا رسم هذا الإطار وتحديده، بل من الأصعب تحصينه، بحيث يكون منيعًا وغير قابل للاختراق، بسبب ما تقدمه هذه الدول من حزمة ثقافية جامدة شديدة التناقض لمشكلات الهوية والولاء المتعددة، إلى جانب عجزها عن مواجهة المشكلات الاقتصادية، خاصةً في ظل تصاعد علامات الاستفهام حول الرابطة المتينة الأولية بين الهوية والقومية في عصر ما بعد الحداثة الذي لا يعتد بالمسارات المحددة لمصادر العيش وفرص البقاء، ولا يهتم لأسبقية حقوق السكان المحليين، فلم يعد من الممكن وصف أي دولة بأنها مكان خالص لعرق أو جنس محدد في ظل تنوع مسارات الهجرة والتجارة، وظهور الجنسيات المزدوجة بل الولاءات المتعددة.

وفقًا لـ«جورج زيمل» أستاذ علم الاجتماع جامعة «هومبولت» برلين فإن الحياة الاجتماعية صيرورة دائمة بطبيعتها، وابتكار مذهل يعمل في سلسلة من التغيُّرات الدائمة التي تستمد حركتها من داخلها، بل إن الأمر يتجاوز الصيرورة الدائمة، بحيث يزداد تأثير قوة التغيُّر داخل الحركة الديناميكية الاجتماعية كلما زادت محاولات إخضاع جوانب من الجهد البشري والاجتماعي إلى منطق الجمود؛ ذلك لأنها حركة تستمد استمراريتها من داخلها، وإذا كان ذلك أمرًا محالًا في عالم الفيزياء فإنه الحالة الطبيعية في عالم الاجتماع البشري، ويحدث هذا عبر مواجهة رغبتين بشريتين رفيقتين دائمًا لكنهما، وكما يوضح «جورج زيمل»؛ متعارضتان على الدوام كل منهما يسير فى اتجاه معاكس، ولكن بدقة وإحكام دون أي فقدان للطاقة فيما يشبه حركة البندول؛ فرغبة الإنسان كعنصر اجتماعي في الإحساس بالانتماء إلى جماعة محددة (حلم الانتماء) تتعارض بطبيعتها مع رغبته في التميز والإحساس بالتفرد (حلم الاستقلال)، وهذا التعارض يلخص التناقضات الاجتماعية ويوضح الصراع المجتمعي بين المُطالبة الدائمة بالحرية والحاجة الملحة للأمن بمفهوميهما الاجتماعي والسياسي.

لذلك فإن وجود كلٍّ من الحرية والأمن ضروري لقيام أي دولة واستمرارية أي مجتمع، فالحرية بلا أمن تغرس الفوضى، والأمن بلا حرية يحصد الديكتاتورية، وكلاهما يهدد بالانهيار إذا ما حُرم من الآثار الانقاذية لشريكه، ولو أن التعايش بينهما ليس بالأمر البسيط؛ فبقدر ما يتجاذبان يتنافران في الوقت ذاته، ويحاول كلٌ منهما استبعاد الآخر، لذلك فإن كل المحاولات السياسية للتوفيق بين هاتين القيمتين الاجتماعيتين عادةً ما تكون غير مستقرة وهشة، كما تبرز وتوضح عجز السيطرة السياسية على الواقع الاجتماعي من خلال تقديم صورة نموذجية عصرية أو صورة يوتيوبية مستقبلية لا تحقق أبدًا هدفها، سواءً تم الاعتراف بذلك أم ظل هذا في طي الكتمان. وهو ما يؤكد نظرة «جورج زيمل» عن الحياة الاجتماعية في شكلها الباحث عن حل وسط يضمن التعايش بين الأمن والحرية، فتنجرف في حركة لا نهائية مدمرة للغاية، حركة فعّالة وخبيرة بما يكفي لتدمير كل جمود، فلا تقتصر على طرق محدودة للحياة ولا تختص بظواهر اجتماعية محددة، تعهدت في كل حقبة من حقب التاريخ، وفي كل مقر من العمران البشري بتشكيل التغيُّر الدائم، وتحويله إلى أداة توجيه للحياة البشرية نحو التقدم.

لكن وعلى العكس تمامًا من المفاهيم التي دائمًا ما تتضمنها الاستخدامات المبكرة لمصطلح (التقدم)، فإن النظرة للتقدمية على اعتبار كونها عملًا مثاليًا يتشكل من خلال حركة التاريخ، ينطلق من نقطة معروفة مُتوجهةً بشكل معلوم مسبقًا إلى وجهة محددة وإلى مقصد أساسي، وغاية لا مفر من الوصول إليها، والتي هيمنت على مدارس الفكر الأوروربي خلال القرن التاسع عشر، لم تعد تصلح في عصرنا هذا بعد أن أصبحت لا تستند إلى أي ثابت من الثوابت العلمية. بل ولم يعد بالإمكان الآن النظر إلى حركة التاريخ باعتبارها اتجاهًا نحو تحقيق غاية بعينها؛ إذ إن القوى المتحكمة في حركة التاريخ وفقًا لنظرية «ميشيل فوكو» لا تسعى نحو مرمى محدد، ولا تشمل أي منطق داخلي تنتظم من خلاله حركتها، وإنما تخضع لمعاني الهيمنة والخضوع، ومصادفات الصراع بين السلطات المتنافسة والتي لا تخضع بالضرورة لأي علاقات سببية، كما أن الأحداث التاريخ دائمة التجدد لا تتجلى باعتبارها نتيجةً لأحداث متعاقبة نحو مقصد أساسي، فيجب في النهاية ألا يحملنا الإيمان بعمل التقدمية إلى القول بكلية التاريخ واتصال أحداثه وغائية حركته.

إن الاستعمالات التقليدية للتاريخ بجميع أنواعها، وخاصةً تلك التي تُقدِّس الماضي وشخصياته العظيمة، الأفلاطونية والميتافيزيقية، والدينية، والهيجيلية، والماركسية التي تحن للماضي، مرفوضة لدى «فيردريك نيتشه»، باعتبارها استعمالات فلسفية تعوق إبداعات الحاضر بسبب توجهها نحو الأزمنة البعيدة، والاقتراب منها باعتبارها أكثر العصور نبلًا، والسعي لحفظها داخل حاضر أبدي (تقديم المتأخر)، ومحاولة استعادتها في مستقبل يوتوبي؛ فقد أخذ نيتشه على عاتقه مهمة تحرير الإنسانية من تلك الحمولة التي تُثقل كاهل التاريخ، والبديل عنده هو التاريخ النسبي الذي لا يستند إلى أي مُطلق، وهو الحس التاريخي الذي ينفلت من قبضة الميتافيزيقيا، ويوجه نظرته إلى ما هو أشد قربًا، فإذا عاد إلى الأزمنة البعيدة فهي عودة باحثة عن الأصل، كاشفة عن الهوية الأولى، مُفكِكة من الداخل أشكال تنكر خطاب الميتافيزيقيا بغرض تجريده من طابعه المطلق المتعالي؛ فنحن وفقًا لفوكو، لسنا أمام شموليات، بل أمام أحداث متفردة تخضع للصدفة ولغير المتوقع؛ وعليه فإن الاستخدام الراهن لمصطلح (التقدُّم) يشير إلى عملية متواصلة من التغيُّر دون اعتبار لتحديد الهدف من هذا التغيُّر، عملية مُتجددة تخضع إلى منطق الموضة في حالتها اللانهائية دائمة التجدد.

إن الثقافة الراهنة لعصرنا الحالي تتطلب من الدول والمجتمعات اكتساب قدرات جديدة على التغيُّر، واستيعاب المتغيرات والتفاعلات الاجتماعية المتلاحقة بسرعة وكفاءة تضاهي سرعة تغيير القميص الذي نلبسه، فلا يأتي حديثها عن التقدم في سياق محاولات بائسة لاجتناب الفشل؛ بل في سياق الأخذ بأسباب الارتقاء، فإن التقدم وفقًا للمعتقدات التي غرستها مفاهيم الموضة المتجددة والمسيطرة على الأسواق الاستهلاكية في عصرنا الحالي، هو عملية التغيُّر الذي يقلل من قدر الثبات، وينزل من شأن التحفظ، ويحط من قيمة كل شيء يتركه وراءه يحل محله شيء جديد، وهو دافع للتخلي عن دور حُراس الأخلاق المجتمعية، وسبب قوي للتخلص من الحلم اليوتوبي القديم بالمجتمع الفاضل، ومنفذ مفتوح لتأسيس مجتمع جديد يخضع لآليات النزعة الفردية والسوق الحر، ومؤسس أيضًا لبيئة اجتماعية مِضيافة لإنسانية أعضائها، تُمَزّق نموذج الإدماج باعتباره نموذجًا ثقافيًّا تقدميًّا، ويحل محله التسامح مع الاختلاف والتنوع، وتحطم التراتبية الرأسية بين الثقافات الموروثة المُستندة إلى تفوق إحداهما على الأخرى، وتضع مكانها أسُس التضامن الأفقية المتبادلة، فلم يعد من الممكن لأي ثقافة أن تفرض التبعية والإذعان على ثقافة أخرى، فجميعها تتمتع بثقل نوعي متشابه يسمح بالتداخل والاختلاف والتبادل والتنافر بالدرجة نفسها وفقًا لجورج زيمل.

أما النموذج الشخصي في البحث عن الهوية الفردية فهو نموذج الحرباء في تلونها، بحيث يثبت المرء المعاصر قدرته على أن يصبح شخصًا أخر، قادرًا على اكتساب مهارات التعايش اليومي بالقرب من الغرباء، ومتقبلًا للتعايش مع تصورات وطرق حياة مختلفة عن تصوره للحياة وطريقته الشخصية؛ تعايشٍ سيبرهن في المستقبل أنه مفيد للجميع، وليست فكرة حقوق الإنسان التي تُحارب بشدة هذه الأيام ليحل محلها فكرة الحقوق القومية، سوى الحق في الاختلاف في المقام الأول والأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد