لم يعد من الممكن اليوم أن يراودنا بصورة جادة أمل حقيقي في تحويل العالم إلى مكان أجمل للعيش، ولكن ربما يستطيع المرء أن يحمي نفسه على الأقل لفترة من الزمن، وأن يحمي المكان الخاص الذي تمكن من نحته لنفسه في ذلك العالم. لقد انتقلت فكرة التقدم ولو بشكل مؤقت من رغبة التحسين المشترك للحياة إلى رغبة البقاء، ومن السعي للحركة السريعة إلى تفادى بائس لعدم السقوط، ومن محاولات الترقي إلى اجتناب الإقصاء، وأصبحت عملية التقدم المتواصلة التي لا تعتبر لرغباتنا ولا تكترث لمشاعرنا ترادف في الوقت الراهن مصطلح الهروب، الهروب إلى المستقبل، الهروب من شبح يطاردنا ونشعر بأنفاسه تدنو من رؤوسنا.

فقد أصبح الهروب على أقل تقدير من الوجهة النفسية بديلًا عن اليوتوبيا المُتخيلة، بل ربما البديل الوحيد المتاح اليوم، والتفسير الأوضح لطبيعة الصراع. فالصراع من أجل البقاء يتطلب انتباهًا تامًّا، ويقظة على مدار اليوم، لكنه وعلى غير المتعارف عليه، لا يتطلب حركة دائمة، وإنما يتطلب السكون والثبات، ثبات المستيقظ للمواجهة وسكون المتحفز للقتال.

والهروب هو أشهر الغايات الإنسانية، بل إنه في الواقع أمر إجباري، فالناس يريدون الهروب من الحاجة إلى التفكير في وضعهم التعيس؛ ولهذا فإنهم لا يبحثون إلا عن أشغال عاجلة تصرفهم عن التفكير الحصري في أنفسهم، وأغلب الظن أن الطريقة الوحيدة لمواجهة كل هذا القدر من المخاوف، وتخفيف ذاك الإحباط الإنساني؛ هي التخطيط الفوري لمغامرة صيد والشروع فيها.

فعل الصيد كضرورة وهوس، كمخدر لأشكال البؤس الإنساني، لا الغنيمة التي لن تنقذنا من التفكير، الغنيمة المخيبة للآمال التي تنذر بنهاية الإثارة، والصيد على عكس مهمة الزراعة المرتبطة بموسم الحصاد، مهمة لا نهائية تدوم طوال الوقت، وتستنزف قدرًا هائلًا من الطاقة، وتؤجل لأجل غير مسمى لحظة التدبر في واقع إنساني مرير؛ وإن كانت الآمال المصاحبة لفعل الصيد هي أمتع ما في الأمر، وربما الأمر الممتع الوحيد، فالطريقة الوحيدة لمواجهة ذاك الإحباط واللاجدوى، هي التخطيط الفوري لمغامرة الصيد التالية والشروع فيها. وليس هناك ما هو مخيف ومخزي في مجتمع أهل الصيد أكثر من نفاد القدرة على فعل الصيد، وضياع شغف البدء في مغامرات جديدة.

وهذا هو التجسيد الحقيقي ليوتوبيا جديدة تناسب في جوهرها مجتمع أهل الصيد، التي يجب أن تحل محل يوتوبيا أهل «البَستنة» التي تستمد إلهامها من السعي إلى حالة السكون، والرغبة في انتهاء العوائق والوصول إلى النهاية، حيث يتوقف التاريخ، وهي نسخة من الحلم القديم بفكرة المجتمع الفاضل، ووعد بنهاية الكدح في نهاية الطريق؛ أما يوتوبيا أهل الصيد فهي حلم لا ينتهي فيه الكدح، ولا ينتهي فيه الطريق أبدًا؛ فالاستبعاد من مهمة الصيد المتواصل يجلب الخزي وعار الرفض، فإن كانت اليوتوبيا من منظور أهل البستنة هي نهاية الطريق، فإن أهل الصيد وجدوا أنها الطريق ذاته، فنهاية الطريق لا يمكن أن تكون إلا هزيمة مخزية لليوتوبيا.

حان الآن الوقت المناسب للتوقف عن السعي وراء السعادة بناء على الافتراض الخاطئ أننا سنجدها يومًا ما، والتخلص من يوتوبيا أهل البستنة التي تزرع في عقولنا الأمل المنغمس في الوهم، وهي تعد بجائزة بعيدة المنال بتحقيق فردوس النعيم الأبدي في نهاية التاريخ، النهاية التي لا وجود لها في يوتوبيا أهل الصيد، وهي يوتوبيا غريبة علينا، تعد بحل نهائي لأوجاع الوضع الإنساني وبعلاج جذري لأحزان الإنسان هنا والآن وليس هناك وبعد حين، فأهل الصيد لا يعيشون من أجل تحقيق اليوتوبيا بل يحظون بفرصة العيش داخل اليوتوبيا، ما دام لم يكفوا عن فعل الصيد.

وعلى عكس يوتوبيا الماضي فإن يوتوبيا أهل الصيد لا تقدم أجوبة مجهزة مسبقًا عن معنى الحياة والطريقة التي تتشكل بها، وإنما تساعد على محو تلك الأسئلة من العقول، فلا تدع مجالًا لتأمل الاتجاه وتدبُّر معنى الحياة، حياة الفرد الخاصة وحياة النوع البشري، فهي يوتوبيا جديدة مشغولة بحاجات فردية، قادرة على تحقيق مواجهة فعالة لصراعات فردية مع تحديات ومتاعب الحياة الإنسانية، يوتوبيا تتمركز حول الحرية الفردية للاختيار والمسؤولية الفردية لذلك الاختيار، فقد وضعت مسؤولية الاختيار وعواقبها على كاهل الفرد الذي أصبح المدير التنفيذي الوحيد لسياسة الحياة اليومية.

والمسؤولية الفردية أعظم ما قد تقدمه يوتوبيا أهل الصيد للإنسان المعاصر، بعد أن حولت رحلة الحياة إلى سلسلة لا نهائية من المصاعب المتمركزة حول الذات، بحيث يُعاش كل حدث منفصل على أنه استهلال لما يليه، وهو ما دعا له «فريدريك نيتشه» في بحثه عن الإنسان الأعلى، فلا يمكن تحقيق الإنجاز الإنساني عبر تجنب الألم، بل عبر تحديد دور الألم بكونه طبيعيًّا، وكونه خطوة لا يمكن تجنبها على الطريق نحو التوصُّل للغايات العليا. إنه الألم الذي عادة ما يصاحب السؤال عن معنى الحياة، قد حل محله ألم ليس أقل شدة، ولكنه يصدر هذه المرة عن الاختيار من دون ثقة كاملة بأن الاختيارات المُتخذة ستحقق الهدف المرجو، وذلك جوهر فعل الصيد، وتلك هي أدوات الصيد.

فإذا أردت أن تكون صيادًا ماهرًا فعليك بركوب الأمواج والسفر للأدغال لمواجه المخاطر، وتغير أدواتك وعاداتك وأفكارك، والاستمرار في استحداث نفسك، واستحداث حياتك، والتصرف فيها كما يحلو لك في كل لحظة؛ فحياة الصياد تُطالبك بأن تكتسب المهارة الكافية والقدرة على تغير هويتك ومفاهيمك بسرعة وكفاءة تضاهي سرعتك في تغير القميص الذي تلبسه. وبذلك يتجسد الهروب، الذي هو جوهر يوتوبيا أهل الصيد، في قدرات الفرد على أن يصبح شخصًا آخر، إنه الحلم بنزع قدرة اللايقين على إشعارنا بالعجز، وتحويل السعادة إلى حالة دائمة بتغير متواصل دائم للأنا، ولا بد أن نتعلم مع الوقت التماهي مع المُنغصات التي نتلقاها وأن نحترم قرارت الطبيعة. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد