أثناء مطالعتي لأخبار العالم المتنوعة استوقفتني صورة محزنة وغريبة وفيها كثير من الإذلال والاستصغار، كانت لطفل أفريقي متعب وجائع وعطشان وقد تقدم إلى شخص بالغ لم تظهر صورته سوى يده وهو يسقيه الماء ولكن لا يستخدم وعاءً أو قدحًا أو أية أداة من أدوات المطبخ، لقد كان يسقيه الماء مستخدمًا فردةً من حذاء بلاستيكي احمر!

فتساءلت أين وثيقة حقوق الإنسان وأين العاملين عليها؟ أين الأمم المتحدة وأين قوانينها الدولية الصارمة؟ أين الدعوات إلى احترام الإنسان وكرامته؟ أين الجيوش ذات القبعات الزرقاء ودورها في حماية الأطفال الذين يموتون بلا ذنب اقترفوه؟ لماذا نحن لا نتكلم عن جرائم الدول العظمى بحقنا وبحق الناس وهم يركضون خلف مصالحهم وإن اقتضت الضرورة أن يباد الشعب في سبيل تحصيل مبتغاهم الاستعماري؟

الحرب خدعة

سقطنا في الخدعة، نظن أن الدول المتقدمة هي دول إنسانية وتحترم مواطنيها وتتعامل معهم بالرحمة والشفقة والعدل، بينما حققت هذا التوازن عندما نقلت وحشيتها وبطشها وتدميرها للدول الأخرى التي تقبع تحت سطوتها ونفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، هل لاحظت من يدعم القوى المسلحة في العالم ومن يزودها بالسلاح والمؤن؟ أليست نفسها دول الإنسانية والعادلة؟ كيف استطعنا أن ننسى ما جلبته لنا هذه الدول من الدمار والدعم لدخول الحروب المتتالية والمتوالية وتسليط الحكومات الفاسدة على الشعب وفرض إرادة التفريق بينهم؟ ناهيك عن حجم الدمار والأمراض التي خلفتها قنابلهم والإشعاع الذي يفتك بأطفالنا كل يوم، تحت مرأى ومسمع العالم، أطفال تجوع وأطفال تتعرى وأطفال تستجدي كسرة الخبز وأطفال تعمل لتعيل نفسها وأهلها، وآخرون لا يعلمون مصيرهم مستعبدين تتلقفهم أيدي العصابات من مكان لآخر، فستجدهم يعملون في الجريمة والدعارة، أو تجدهم مقطعين في مراكز بيع الأعضاء البشرية.

التنظير

كيف ستقنع طفلاً معدمًا بالأخلاق والقيم الإنسانية؟ كيف ستصور له مستقبله وحياته وتجعله يتعلق بالأمل؟ أي مدربٍ للتنمية البشرية باستطاعته ان ينتشل فكر هذا الطفل ويخرجه إلى عالمٍ وردي مزدهر وهو ما زال يبحث عن لقمةٍ في القمامة ولا قمامة؟ كيف للأم الحنونة وهي تشاهد صور الأطفال وهم يعانون الموت الطويل والمجاعة والأمراض وتستطيع أن تبتلع لقمتها بسهولة؟ هل هناك ممن يتكلمون عن الإنسانية من يقف بصدق مع الفقراء والمعدومين؟

الشعارات والكلام بسيط ويخرج من الأفواه بسرعة وهو يدعم ويشجب ويهتف مع وضد، ولكن الأفعال لا وجود لها والتطبيقات معلقة بسبب تضارب المصالح، ولهذا نجد الإعلام يسلط الضوء على بعض الدول التي تساهم في إرسال المعونات إلى الشعوب المنهكة من المجاعة والحروب، والناس تمتدح هذه الأفعال وتمتدح القادة الآمرين بذلك، وما لا يعلمونه ان هذه المساعدات مدفوعة الثمن، فلا توجد منظمة ألا وكان لرجال الاستخبارات يد فيها، فهم يعطون الطعام ويضعون اليد على بعض الثروات، الأطماع هي ما تحرك العالم ولا وجود للإنسانية.

الإنسانية وحقوق الإنسان كذبة نحاول تصديقها ونبرر لإيجادها، والحقيقة هي أن البشرية تعيش صراعًا للبقاء بلا أخلاق وبلا قيم، وإحدى هذه الأساليب الرخيصة هي إبادة الشعوب من خلال قتل أطفالهم، ومن خلال تشويه مواليدهم وجعل رجالهم ونسائهم يعانون من العقم، حرب ترتكز على نشر الأمراض بكل الطرق المتاحة، بتسهيل الحصول على المخدرات وبالطعام المسرطن وبالمواد الكيميائية في مستحضرات التجميل وفي غش الأدوية والمكملات الغذائية وفي سوء تخزين الأطعمة لتتحول إلى سموم وفي نشر ثقافات الشذوذ الجنسي والذي يسرع من انتشار مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، بل وتعدت إلى إرسال اللحوم المصابة بالأمراض للاستهلاك البشري، لتظهر امراض جديدة لم تكن منتشرة في السنوات السابقة، هناك سباق للنيل من البشرية أبشع من صراع البقاء لدى الحيوانات، فقط الإنسان هو من لديه القدرة على رفع شعارات الرحمة وهو يمضغ بلحم إنسان آخر لم تتفق مصالحه معه.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد