شكل إغلاق المسجد الأقصى واحدًا من أبرز أهداف الاحتلال، وخلال السنوات الماضية كان الاحتلال يستغل أي عملية فردية أو حدثٍ أمني يقع قرب أبواب المسجد ليغلقه ساعاتٍ أو أيامًا عدة، وما كانت شرارة هبة باب الأسباط إلا نتيجة إغلاق الأقصى على أثر عملية الجبارين الثلاثة، ويتكرر سلوك الإغلاق في السنوات الأخيرة، ولكن إصرار المقدسيين وحراس الأقصى على فتح أبواب المسجد، يحول دون تمادي الاحتلال بعمليات الإغلاق هذه.

ومع تفشي «كورونا» في المناطق الفلسطينية ومن بينها القدس المحتلة، شكل إغلاق المسجد الأقصى محطة فاصلة، إذ وقعت الجهة المشرفة على الأقصى، بين إغلاق المسجد على خلفيات صحية، وبين إمكانية استمار فتح الأقصى، لما يتمتع به من مساحة كبيرة ومصليات مسقوفة عديدة، وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الأقصى منذ إغلاقه في 15 مارس 2020، شهدت القدس في 16 سبتمبر 2020 إرباكًا كبيرًا لم تعلم أسبابه، فعلى أثر إقرار سلطات الاحتلال فرض إغلاق كامل لمجمل المناطق المحتلة، ومن بينها «دور العبادة»، بدأت المعطيات تتسرب إلى وسائل الإعلام أن مجلس الأوقاف في القدس المحتلة يتجه إلى إغلاق الأقصى ثلاثة أسابيع، وفي قراءة لأداء المجلس نجد مجموعة من المعطيات بالغة الدلالة، وقبل الخوض فيها نعيد الإضاءة على ما شهده الأقصى في الإغلاق الأول.

الإغلاق الأول: مكامن التدخل ومحاولات فرض السيطرة

شكلت مدة إغلاق الأقصى التي أقرتها دائرة الأوقاف في سياق الإجراءات الصحية، محطة فارقة في محاولات الاحتلال تثبيت واقعٍ جديد على المسجد، فخلال هذه المدة أغلقت قوات الاحتلال أبواب المسجد وأبقت على فتح بابين منهما فقط، في محاولة لمراقبة الداخلين والخارجين من المسجد. أما عن اختيار هذين البابين، فقد أشار متابعون للشأن المقدسي أن اختيارهما يأتي في سياق السماح للاحتلال بفرض المزيد من التحكم بالأقصى، فباب الأسباط يفتح على ساحة الغزالي المحاطة بنقاط عدة للشرطة، وباب السلسلة يفتح على مخفر المدرسة التنكزية، وعزَلَ هذا الإغلاق موظفي الأوقاف عن باقي القدس، بعد إغلاق باب المجلس، وعزلت مبنى الأوقاف القائم في المدرسة المنجكية عن الأقصى طوال المدة بإغلاق باب المجلس.

ولم تكتف سلطات الاحتلال بهذا الاعتداء، بل حددت أعداد الموظفين الذين يوجدون في المسجد، على الرغم من مساحته الكبيرة، وبحسب مصادر مقدسية حصلت سلطات الاحتلال على قائمة بموظفي دائرة الأوقاف، ومهامهم وأماكن عملهم وأوقات هذه الأعمال، ما سمح لشرطتها بالتدقيق في دخول جميع الموظفين وخروجهم بحسب أوقات العمل، ما حول شرطة الاحتلال خلال مدة الإغلاق إلى المتحكم الفعلي بالأقصى، وتحويل «كورونا» إلى اللافتة التي رفعتها سلطات الاحتلال لتبرير جميع هذه الإجراءات.

وإلى جانب الاعتداءات هذه، ساوت سلطات الاحتلال بين المستوطنين المقتحمين وبين المصلين أصحاب الحق، ففي اليوم الذي أعيد فيه فتح الأقصى، سمحت سلطات الاحتلال بعودة اقتحامات المسجد، ومن حينها تصعد أذرع الاحتلال استهدافها للأقصى وعناصره البشرية، من فرض الغرامات الباهظة بذرائع عدم ارتداء الكمامة، وتركيب سماعات على أسطح الأقصى، في إطار تأسيس نظام ٍ صوتي موازٍ في المسجد، وقيام عتاة المتطرفين بالنفخ بالبوق التلمودي حول الأقصى وأمام أبوابه، في إشارة لتحضيرهم لموسم الاقتحامات القادم مع الأعياد اليهودية، ما يفتح الباب أمام اعتداءات أخرى.

تخبط الإغلاق.. إذعان للاحتلال أو إجراء وقائي بحت؟

على أثر فرض سلطات الاحتلال الإغلاق الكامل في مجمل المناطق الفلسطينية المحتلة، لم يخرج مجلس الأوقاف بأي تصريحات رسمية حول إغلاق المسجد الأقصى، ولكن معطيات إعلامية تسربت عن ممارسة سلطات الاحتلال ضغوطات على دائرة الأوقاف، لإغلاق الأقصى بالتزامن مع الإغلاق العام في دولة الاحتلال، وأشار باحثون متخصصون بالشأن المقدسي إلى أن «منظمات المعبد» هي التي تقف خلف المطالبة بإغلاق الأقصى، فقد تضمنت إجراءات الاحتلال للحد من تفشي «كورونا»، منع التجول لمسافة 500 متر عن محيط سكن المستوطنين، ما يمنع هؤلاء المتطرفين من الوصول إلى المسجد الأقصى، خاصة أن مدة الإغلاق تتزامن مع موسم الأعياد القادمة. ويُشير متابعون إلى أن «منظمات المعبد» طالبت بإغلاق الأقصى أمام المسلمين، لئلا يظهر أن المسلمين قد «استفردوا بالأقصى»، خاصة أن موسم الأعياد القادم هو أبرز مواسم اقتحام الأقصى.

ونعود إلى الارتباك الذي حصل في موقف مجلس الأوقاف، فأمام المخاطر السابقة التي ذكرناها، وما يمكن الاحتلال أن يقوم به في مدة الإغلاق القادمة، نقلت وسائل إعلام تصريحات لأحد أعضاء مجلس الأوقاف أعلن فيها «تعليق الدخول إلى الأقصى مدة ثلاثة أسابيع»، وهي مدة الأعياد اليهودية القادمة، ولو كانت هذه التصريحات هي قرار الأوقاف الرسمي، لشكلت انصياعًا تامًا لمدة الإغلاق التي أعلنتها حكومة الاحتلال. وعلى الرغم من ذلك أثارت هذه التصريحات موجة رفضٍ عارمة، وخرجت العديد من البيانات عن مؤسسات مقدسية، إضافة إلى مواقف المقدسيين أنفسهم تعلن رفضهم إغلاق الأقصى، وأن تدابير الوقاية المطبقة في المسجد أكثر من كافية.

ومضت ساعات تضاربت فيها المعطيات بشكلٍ كبير، فبين تصريحات هذا العضو عن هذا التوجه، وتراجُع مجلس الأوقاف في القدس لاحقًا، عن قرار تعليق دخول المصلين والزوار إلى الأقصى، أشارت مصادر في الدائرة لصحف عربية في 17 سبتمبر 2020 إلى أن قرار التعليق كان مرتبطًا بمنع شرطة الاحتلال اقتحامات المستوطنين في مدة التعليق، وقال هذا المصدر «طالما أن شرطة الاحتلال ستمتنع عن تنفيذ هذا الشرط، فان أبواب الأقصى ستبقى مفتوحة أمام المصلين».

وبعيدًا من هذا التخبط الذي اكتنف موقف الأوقاف، خاصة أن الإغلاق الماضي في شهر مارس 2020، جاء بخلفية اتفاق بين السلطات الأردنية والاحتلال، أثار هذا الارتباك الكثير من علامات الاستفهام. فهل كان الارتباك في موقف الأوقاف نتيجة ضغوطات من قبل سلطات الاحتلال؟، وهل إمكانية انصياع المجلس لقرارات الاحتلال لم يكن وليد ضغوط إسرائيلية فقط، بل بسبب ضعوط أخرى غير معروفة؟، وهل يمكن أن تحدِث تصريحات أحد أعضاء المجلس كل هذا الشرخ في الموقف، على الصعيد الإعلامي المعلن على أقل تقدير؟

جميع هذه الأسئلة تفتح المجال مجددًا ليس للإجابة عنها فقط، بل إلى ضرورة تمتين موقف مجلس الأوقاف في المدينة المحتلة، للقيام بدوره المنوط به للحفاظ على المسجد الأقصى، فالمجلس يضم قامات فلسطينية مشهود لها، لديها رصيد ضخم من الصمود والتضحية ومواجهة تغول الاحتلال، والكثير منهم تعرض للإبعاد والاعتقال بشكلٍ متكرر، فليست هذه الأسئلة اتهامًا لهم البتة، بل تأتي في سياق الدعوة إلى إسنادهم، وتقديم العون لهم على الصعد السياسية والقانونية والمواقف الرديفة، لكي يستطيعوا القيام بدورهم في تسيير شؤون المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى، والذود عنه بالشكل الأمثل، وأن تكون أي قرارات قادمة للمجلس لا تأخذ بعين الاعتبار إلا مصلحة الأقصى والمقدسيين، بعيدًا من ضغوطات الاحتلال ومن يريد تقديم التازلات لمصالح ضيقة هنا وهناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد