الوقف هو «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة» وهو مشروع إنساني يهدف لتكافل المجتمع ومد يد العون للعجزة من مخلوقات الله. وبما أن الوقف يحمل صبغة إنسانية فإنه بذلك ينبغي أن لا يحصر على البشر، فالإنسانية لا تتجزأ ولا تبذل لجنس البشر فقط، بل هي رحمة يستحقها كل ما دبّ على الأرض من مخلوقات الله، يقول تعالى (وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).

ومن خلال هذه المقالة ستتعرفون على بعض نماذج الأوقاف ووجوه صرفها وما تحمله تلك المشاريع من صور تستحق التوقف والتأمل.

ومن تلك الأوقاف

أوقاف للمواشي

ففي الشام مثلًا وقفٌ للقطط الضّالة يطعمها ويسقيها، وسمي ذلك الوقف «بمدرسة القطاط» وهو في القيمرية التي كانت حيًّا للتجّار في دمشق؛ كما كان هناك وقف للكلاب الشاردة يؤويها ويداويها، سمي باسم «محكمة الكلاب»، وهو في حي «العمارة».

وقد يعبر هذا المشروع الإنساني عن الجانب الآخر من الدّواب غير الضالّة والتي تستقر حولهم وفي مرابعهم، ولك أن تتصور معاملتهم الرحيمة بها، فإذا كانت معاملتهم للدّواب الضالة والشاردة بهذه المعاملة الحسنة فكيف كانت معاملتهم لغيرها من الدواب المنتفعين بها والتي في حوزتهم وتحت أملاكهم!

وربما حمل هذا الوقف دلالة أخرى، وهي أن الأصل عندهم هو إيواء تلك الدواب والرفق بها، وإلا لما خصصت أوقاف بالشارد والضّال منها!

وقد أخذتني هذه الصورة أيضًا لمناظر البعض ممن تاهت عقولهم وانصهرت تحت وطأة الحياة وقسوتها، فضلوا طريق أنفسهم وهاموا على وجوههم في الطرقات بثيابهم الرثة وعلامات الآسى البادية على وجوههم، أليس هؤلاء أحق بالإكرام وتخصيص أوقاف تؤيهم وتضمد جراحهم وتعيد لهم الأمل؟!

وأنا هنا لا أنتقد الصور الإنسانية بالرفق بالحيوان بقدر ماهو دعوة للالتفات لبشر ضلّوا الطريق واتّخذوا من الأزقة وجوانب الطرقات والمقابر المظلمة مأوى لهم.

أوقاف للطيور

«وفي مدينة فاس خصص وقفٌ على نوع من الطير يأتي في موسم معيَّن، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن».

ويبين هذا جانبًا من كرم الضيافة التي يتمتع بها أهالي تلك المناطق، حيث وصل بهم السخاء والضيافة أن اعتبروا تلك الطيور ضيفًا، وعليهم قراه، وكأنهم يشاطرونه الغربة ويشفقون عليه من وحشتها.

وإن كانت الضيافة قد قدّمت للطيور، فلك أن تتخيل كيف كانوا يكرمون ضيوفهم من بني البشر!

أوقاف لحماية الأطفال والخدم من التعنيف

 وقد ذكر ذلك ابن بطوطة في رحلته، فقال: «مررتُ يومًا ببعض أزقَّة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يُسَمُّونها الصَّحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم: اجمع شقفها، واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها، وذهب الرجل معه إليه، فأراه إيَّاها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال؛ فإن سيِّدَ الغلام لا بُدَّ له أن يضربه على كسر الصحن، أو ينهره، وهو -أيضًا- ينكسر قلبه، ويتغيَّر لأجل ذلك؛ فكان هذا الوقف جبرًا للقلوب».

تمعّن أخي الكريم في الحسّ الإنساني في هذه القصة من خلال عبارة «فاجتمع الناس حوله» ويقصد بذلك الصبي الذي تكسّرت آنيته، وهم بذلك يشفقون عليه من عواقب فعلته غير المقصودة، وربما كان ذلك يوحي بالتعنيف الذي تعرض له الأطفال والخدم في ذلك الزمن.

أوقاف لبثّ روح الأمل

 ففي عهد العثمانيين ما ذكره الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- في كتابه (من روائع حضارتنا) : «أنه حُكي له عن وقف غريب في مدينة طرابلس الشام؛ كان ريعه مخصَّصًا لتوظيف اثنين يمرَّان في المستشفيات يوميًّا؛ فيتحدَّثان بجانب المرضى حديثًا خافتًا؛ ليَسْمَعَه المريض بما يوحي له بتحسُّنِ حالته، واحمرار وجهه، وبريق عينيه!».

ما أجمل تلك النفوس وأرقها حين تنبّهت لنفوس المرضى ومعنوياتها المحبطة، فبثّت فيها روح الأمل وطردت عنها وساوس الشيطان.

كم نحن بحاجة لأوقاف يخصص ريعها لصنّاع الأمل والابتسامة، فالجانب النفسي لا يقلّ أهمية عن الجوانب الأخرى.

وفي الختام فإن الوقف مشروع عظيم لا يتوقف على مأكل وملبس ومشرب ومأوى، بل قد يأخذ أشكالا متعددة الرابط بينها هو الحس الإنساني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد