“حرام أن يعذّب العلماء الحيوانات لإجراء تجاربهم؛ ليتهم يجرونها على الصحفيين والساسة”. هنريك إبسن

 

ثمة نازع عنيف مدفوع بقدر لا بأس به من الاشمئزاز على طبقة السياسة ورجال الإعلام لدى خليفة شكسبير ورائد الواقعية وأبي المسرح الحديث النرويجي: هنريك يوهان إبسن.

لقد عاش هنريك إبسن (1828 ـ 1906) فترة هي الأشد بؤسًا على الإطلاق والتي قد حلّت بأوروبا ما بعد الثورات والحروب الأهلية الطاحنة، ثمة انتفاضات عارمة (أيديولوجية كانت أم غير ذلك) لا تبقي ولا تذر، تضرب بجذور المجتمع والدولة، عاصفة معها بكل ما يحاول أن يقف أمامها. (1)

تشكّلت في وسط هذه البيئة المضطربة مفاهيم مثل: الثورة، الشعب، السلطة، الثوّار، الجمهور، والصحافة (الإعلام). فكان من ذلك أن أخرج لنا إبسن مسرحيته الطريفة كطرافة التاريخ نفسه، والثابتة كثبوت الأحداث ذاتها، تلك هي مسرحية: “عدو الشعب”، لتجمع بينها تلك المفاهيم في صورة فنية رائعة.

مَن يكون عدو الشعب هذا؟ وما الذي جعله عدوًا؟ ولماذا الشعب أصلًا يراه كذلك؟ تلك هي أسئلة، من بين أسئلة أخرى، يطرحها إبسن في روايته المستمرة عبر كل الأزمنة.

 

“على المرء أن يذعن للمجتمع ويخضع، وبعبارة أدق، يجب عليه أن يذعن لولاة الأمر الذين في يدهم مصلحة المجتمع”.

تلك هي الموعظة الأولى التي استهلت المسرحية بلقاء وديّ عائلي يجمع بين الأخوين “ستوكمان”: بيتر، وتوماس. الأول عمدة المدينة التي فيها ورئيس لجنة الحمامات المسئولة عن مياه المدينة. والثاني دكتور شريف ومُفتش صحة حمامات البلدية ذاتها. وجاءت العبارة من جانب صاحب السلطة والسيادة، العمدة بيتر.

 

إن العمدة لا يرى في المجتمع الحق في التدخل في شؤون السلطة والحكم، فذلك ليس من شأنهم في شيء، بل الأحرى أن يذعنوا صاغرين لأولئك المعتلين رأس الحكم، فهم وحدهم يقبضون بأيديهم على مصلحة المجتمع ويعملون جاهدين لأجلها.(2)

ها هو توماس ينصت إلى موعظة أخيه العمدة الأثيرة، والمعتلي منصبه الجديد مفتشًا لحمامات البلدية، داعيًا إليه، وإن بدا بطريقة ليست مباشرة؛ أن يكون ضمن مجتمعه لا يحيد عنه، فتلك هي مصلحته أو لا يكون.

 

حري بتوماس الدكتور أن يعمل بموعظة أخيه العمدة، لولا نبله وشرفه الموسوم بهما (3)، والذي جعله غير قادر على السكوت أمام الفساد الذي ترزح فيه مياه المدينة؛ فقد كانت منشأ الحمامات كلها ليست إلا بؤرة تجتمع فيها كل أنواع الأوبئة، وقد قرر توماس، بوصفه مفتشًا لتلك الحمامات وإنسانًا في آن، أن يعلن ذلك الفساد وإجراء ما يجب أن يجري.

علم العمدة بواقعة أخيه توماس وبتقريره الذي يؤكد فيه وجود أوبئة داخل المياه، فراح يكلمه في هذا الشأن الأكثر خطورة، محاولًا إقناعه بعدم نشر تلك الواقعة في الصحافة أو أمام الجمهور كي لا يحلّ الخراب على البلاد، حسب ما يرى؛ إذ أن نشر كلام عن سموم المياه التي يشرب منها شعب المدينة ويستحمون فيها سيجعلهم يتحولون عن تلك الحمامات آخذين وجهتهم نحو مدينة غير مدينته.

 

وإن عمل أي إصلاح، كبناء خزان مثلا، لتنقية الحمامات سيأخذ على الأقل عامين لتحقيق ذلك، وهي الفترة التي فيها سيرحل الناس عن حمامات المدينة، وستبقى المنشآت خاوية على عروشها، فالخير أن يكونوا على ما هم عليه، أيّ ينهلون من سموم الحمامات، خير من الخراب الذي يوشك أن يكون بسبب هذا التقرير اللعين!

 

هذا ما يراه العمدة وصاحب السيادة: “السموم للشعب، لتبقى السلطة”. ما جعل توماس يرفض ذلك وبقوة وألا يشارك في هذا الاحتيال والكذب على الجمهور والمجتمع بدعوى المصلحة العامة كما يردد أخوه دائمًا. وسيأخذه طابعه الثوري والمشاكسة إلى حد نشر التقرير في إحدى الجرائد، والمنعوتة بـلقب: جريدة رسول الشعب. ليعرف الشعب ما هو حقيقي، وليعرف عدوهم مَن يكون.

 

لقد اتفق توماس مع رئيس تحرير “جريدة رسول الشعب”، ويُدعى “هوفستاد”، ليتم نشر المقالة التي بها التقرير، وقد وافق هوفستاد على نشرها، لكن ما قيمة وعد صحفي أمام سُلطة تضع الإعلام تحت قبضتها؟ لقد سقط كل صحفي كانت قد تحمّس بداية لأمر توماس تحت إغراء السيادة، أي سقطوا في “هوى السُلطة” بتعبير ميشيل فوكو.

مدار السقوط من جانب المثقف والإعلامي أو الأكاديمي أمام آلة السلطة، والذي لا يمكن بحال تبريره من زاوية سياسية محضة، إنما هو راجعٌ واقع الأمر إلى “الفاشية” التي تستبطن نفوسنا وتسكنها، تلك التي تجعلنا نهوى السلطة ونعشقها، ونرغب في كل ما يهيمن علينا ويستغلنا. (4)

 

ها هو توماس يجد نفسه واقفًا وحده أمام سلطة تملك القوة، وإعلام سقط في هوى السلطة، وجمهور مشتت ينتظر الأقوى ليفعل كما يفعل، ما جعل زوجته كاترين، (والتي نصحته بالعدول عن نشر تلك المقالة خوفًا من إيذائهما)، تتساءل: لماذا يتغلب عليك كل واحد هكذا؟ فيجيبها زوجها توماس بغضب : السبب لأن كل رجل في هذه البلدة امرأة عجوز مثلك، كلهم لا يفكرون إلا في عيلاتهم، أما المجتمع فلا.

“إن عيبه الوحيد والجوهري أنه مطواع لقلبه لا لعقله”. يقول هوفستاد واصفًا موقف توماس: واقع الأمر أن إبسن يضع طريق الثورة (أو المواقف الثورية) منافيًا للتصور العقلاني والأداتي؛ فكاترين التي ترفض موقف زوجها غير المبرر عقلانيا على الإطلاق، لكونه سيحل كارثة على الأسرة جميعًا إذا استمر على ما هو عليه.

والصحفي هوفستاد ها هو يتعجب من موقف توماس الذي يصرّ على عناده في الوقوف في وجه السلطة ولو كان وحده، وجميعهم في ذلك ينتصرون للعقل، أما توماس فينتصر للقلب: يطاوع قلبه لا عقله!

يبدو أن تصوراتنا التي يجب أن تكون، أول ما ينبذها دومًا هو العقل، أو وهم العقل إذا جاز التعبير.

 

لقد راح العمدة ومعه رجال الصحافة يدجّنون الجماهير ضد مُفتش صحة حمامات البلدية توماس، الذي جاء، كما يقولون، ليفسد المياه لا ليصلحها. حتى صار كاشف الفساد في الأصل وواقف في وجه السلطة الكاذبة: عدوًا للشعب.

رُبَّ درس قاسٍ، وهو الأهم في قصة إبسن تلك، يمكن أن نعرفه بالآتي: إن أخطر أعداء الحق والحرية بيننا هم الغالبية المتراصة، الغالبية السافلة التي تسمم حياتنا الخلقية وتعدي بوبائها الأرض التي نحن عليها. القلة دائمًا على حق.

 

إنّ عصر صاحب “كوميديا الحب” كان قد امتلأ بصوت الغوغاء، وتصدع ببرجماتية الأحزاب وتطرف الأيديولوجيات، فكان أن أوجد مجتمعًا يعيش في الأكاذيب، ويضيع فيه كل حق وكل قيمة. لقد صار إذن عدو الشعب هو الذي يريد أن ينهي كل تلك الأكاذيب، أو على الأقل يوقظهم على حقيقة كونهم كاذبين.

 

يقول الصحفي هوفستاد: لا شك في أن الرجل الذي يريد أن يخرب المجتمع برمته هو عدو الشعب. يرد توماس في حزم: ماذا في هدم المجتمع من الخطورة إذا كان هذا المجتمع يعيش في الأكاذيب؟! الواجب أن يهدم حجرًا على حجر.

في الأخير، أظهر إبسن بطله المحبب توماس في صورة الواقف في الدنيا وحيدًا، كونه لم يسقط، رغم الضغوط والإغراءات، في هوى السلطة، ولم يذب تحت هوى الغالبية من الجماهير.

ربما هو قد أنصت لكانط وهو يقول: “إن الإنسان الذي يعتمد على شخص آخر لا يعود إنسانًا؛ فهو فاقد لاستقلاليته، وليس سوى ملكية لشخص آخر”. توماس لم يكن يومًا مُعتمدًا على جمهور، لم يكن ليقدم على عمل ما لأجل حفاوة الجمهور.

إنه لمن الصعب على أولئك الموسومين بوسم الخفّة تجاه هذا العالم، تمامًا كحال توماس، أن يكونوا ضمن تصور مغلق صلب، ضمن تصور يحمل من العدم أكثر مما يحمل من الحياة. ومن أجل هذا لم يجعل إبسن بطله توماس، رغم سهولة ذلك؛ يؤسس حزبًا ويكون له عونًا في صناعة الأتباع؛ ذلك أن “المبادئ الحزبية ليست إلا وسائل خنق لكل حق فطري قوي”. الحزب أو الأيديولوجيا مفرمة للحقوق، ورصاصة الاغتيال لكل ما هو إبداعي وجمالي داخل الإنسان.

 

أما بعد، فبميسورنا أن نؤول قصتنا تلك في أي زمن نرغب، وعلى أي أشخاص نريد، ولاسيما في زمننا الجماهيري التقني هذا، لكن وقائع التاريخ تُحتم علينا، بإظهارها في كل مرة طرفتها التي لا تنتهي، وإعلانها بكل سخرية تكرارها الممل، أن مسار التاريخ منوط في أكثر حالاته بفكرة “دهاء العقل” أو “مكر العقل” بلغة هيغل، تلك التي مدارها على أن البشر إذ يتبعون في حياتهم أهواءهم وحاجاتهم ومطالبهم ويطلبون الطلبة فإذا بهم يحققون، بفضل غاية الطبيعة التي تتمنع عنهم فتغريهم من غير أن تنكشف لهم؛ غايات سامية عليا.(4)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) اشتهرت تلك الفترة من الزمن بكثرة الثورات التي اجتاحت أوروبا والتي تفجرت مع ثورة عام 1848، وكانت قد تسببت في الكثير من التغيير في البنى الاجتماعية والاقتصادية في كثير من المناطق. وللمزيد عن هذه الحقبة يمكن مراجعة: إيريك هوبزباوم، عصر الثورة.
(2) للعالِم المنطقي واللسانيات الأمريكي نعوم تشوميسكي تحليل حول نظرة الإدارة الأمريكية لشعبها بوصفه لا يعرف مصلحته ولا يحق له التدخل في شؤون السلطة، تمامًا كنظرة العمدة لمجتمع مدينته. وضع تشوميسكي هذا التحليل ضمن كتابه: السيطرة على الإعلام. الصادر عن مكتبة الشروق الدولية.
(3) يجادل دوستويفسكي في إحدى روايته الشهيرة باقتران الغباء بالشرفاء، فيصف شخصًا ما فيقول: "إنه رجل شريف، ولكنه غبي! ما أكثر الشرفاء عن غباوة". وهذا نلاحظه في شخصية توماس والذي تظهر طيبته في تعامله مع الصحفيين، والذين انقلبوا عليه فيما بعد.
(4) فوكو يؤكد بأن كل منّا يحتوي على فاشية، هي في رؤوسنا وسلوكنا اليومي، فاشية تجعلنا نعشق السلطة ونرغب في كل ما يهيمن علينا ويستغلنا.للمزيد عن تعبير "مكر العقل" لآخر المثاليين الألمان هيغل، راجع: محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، 2008، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
(5) للمزيد عن تعبير "مكر العقل" لآخر المثاليين الألمان هيغل، راجع: محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، 2008، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد