عفوا لا أقصد شخصًا بعينه، «عدو البلد» هو عنوان فيلم أمريكي أُنتج عام 1998، بطولة النجم الأمريكي الأسمر ويل سميث، وجين هاكمان «Will Smith and Gene Hackman» وقصته تحمل طابع إثارة وتشويق، الفيلم يصلح لكل زمان ومكان، بالرغم من أنه يعبر عن مشكلة رآها المخرج والممثلون، تهز ثقة المجتمع بالحكومة الأمريكية.

الفكرة الرئيسة للفيلم تتلخص في قيام أحد أجهزة الأمن القومي الأمريكية باغتيال أحد أعضاء الكونجرس من المعارضين لسياسة ما للدولة، حفاظًا على مكاسب ومكتسبات مترسخة منذ عقود لصالح فئات رأسمالية بالمجتمع الأمريكي، وترسخت لدرجة التجذر، أي يصعب اقتلاعها، دون هدم بنية المجتمع جميعه.

إلى هنا والفكرة عادية، وتحدث بكافة المجتمعات المعاصرة، النامية منها والمتقدمة، لكن المثير للدهشة في الفيلم، أن البطل كان يعمل محاميًا لقضايا عمالية، لكنه تعثّر صدفة بقضية مقتل عضو الكونجرس.

وهنا انقلبت الدنيا بأسرها، حيث البطل بمعاداة أمنية كبيرة وتعقب واسع النطاق وتفتيش في سيرة حياته منذ النشأة، ثم ليّ عنق بعض الحقائق، وإحالتها لباطل وتلفيق العديد من القضايا بعضها ذي شق جنائي، والأشد غرابة أن كافة وسائل الإعلام المنطوقة والمرئية والمطبوعة شنت عليه بدورها حملة هوجاء.

بمعايير الحياة بالعالم الثالث بعد المائة، هي قصة عادية ودراما سئمناها، وربما يراها غيرنا أننا نقع أسرى نظرية المؤامرة، فيلم عندما تراه للوهلة الأولى لا تشعر بغرابة الأحداث، تؤكد لنفسك أن هؤلاء تعرفهم وسمعت عنهم ويعيشون بيننا، وتُصدم حينما تدرك بعد لحظات أن هذا واقعًا مؤلمًا بكبرى الديمقراطيات الغربية والراعية الرسمية لها والحامي للحريات على مستوى العالم، وهو ليس انتقاصًا من قيمة الديمقراطية الغربية، لكن وبعيون من صاغوا سيناريو الفيلم وأنتجوه الجانب المظلم لدور الدولة غير المعلن.

وقام الإعلام بدور كبير وجهد وافر في شيطنة الرجل وتحويله لعدو كبير يتربص بالبلد كلها، وقلّبت عليه الرأي العام بصورة تجعلك كمشاهد من أبناء دولة من دول العالم الثالث بعد المائة تتصور أنك تشاهد فضائيات وجرائد الدولة الرسمية، أو أن حوادث الفيلم تقع في الشارع المجاور في مدينتك، ويُخيّل للمشاهد أن أحداث الفيلم تدور في بلد نامي أو بالتحديد شرق أوسطي. فصور الفساد متشابهة، وتسلط أو تغوّل الأمن قائم كأنهم نسخ ضوئية لا يمكن تمييزهم عن أقرانهم ونظرائهم ببلداننا، ويلجأون لنفس الأساليب من تلفيق الاتهامات وتشويه السمعة، وصولًا للتنكيل بالخصوم الضعفاء، ونهاية بتصفيتهم إن استلزم الأمر.

فذات المنهج وإن تغيّرت الوجوه، ونفس الأسلوب القذر في التعامل مع الخصوم، حتى تجزم في النهاية أن استراتيجيات الإعلام الموّجه واحدة لا تمييز بينها وإن تخفّت أحيانًا وراء شكل ديمقراطي ليبرالي. والفيلم ليس هدرًا لقيمة الديموقراطية بقدر كونه جرس إنذار بخطورة بعض التصرفات الرسمية للدولة التي ظاهرها الرحمة بالمواطن الفرد وباطنها العذاب المقيم والتسلط الشمولي.

وبعيدًا عن عوامل التشويق والإثارة، إلاّ أن الفيلم يضعنا في مأزق كبير، معضلة فكرية تتعلق بالشكل البرّاق للديمقراطيات الغربية، وحدود العلاقة بين المواطن والسلطة، ولعل الفيلم بأبطاله وصُنّاعه لم يغالوا كثيرًا في شطط الدولة وتغّولها على الحقوق والحريات، ويبدو أنهم ومنذ وقت طويل قد حذّروا ونبّهوا الجميع أن بريق ولمعان القيم الديمقراطية تُخفي وحشية لا يتخيلها عقل ولتصدق في النهاية مقولة: أن للديمقراطية أنيابًا، يمكن اللجوء إليها عند الضرورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد