وفقا للاتفاقيات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، يُعد الاختفاء القسري من أقصى الانتهاكات التي يتعرض لها الإنسان, كونه يتجرد من كافة حقوقه التي تكفلها له القوانين, سواء الوضعية أو الطبيعية, وخاصة الاعتداء بشكل مباشر على حقه في الحياة كحق غير قابل للتصرف، وإدراكا لخطورة هذه الظاهرة, أولت الأمم المتحدة منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية اهتمامات بالغة, مثل القرار رقم 23 لعام 1979 الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بعنوان “الأشخاص المختفون” وكذلك الاتفاقيات التي تجرم الاختفاء القسري.

وفي ضوء تزايد سماعنا شبه اليومي لهذا المفهوم, وجب علينا توضيح ماهية الاختفاء القسري وتطوره وتأثيره على إهدار حقوق الإنسان كلها, كحقه في الحياة، وذلك في سبيل توسيع الوعي الحقوقي, وسنتناول ذلك من خلال عدة محاور:

 

ظهور المفهوم وتطوره

يعود ابتكار جريمة الاختفاء القسري  إلى  الحرب العالمية الثانية وخاصة مع أدولف هتلر, عندما بدأ الحديث عنها وفق مرسوم الليل والضباب, للتخلص من المعارضين للنظام النازي, وتم تطبيقه على الاشتراكيين والشيوعيين, بعد دخول الاتحاد السوفيتي إلى الحرب العالمية الثانية، وكان ضحاياه ما يزيد عن 100 ألف شخص.

ويحدث الاختفاء القسري في ظل الحكومات العسكرية بشكل كبير, حيث انتشر في فترة الخمسينيات حتى السبعينيات في أمريكا اللاتينية, التي شهدت موجة من الانقلابات العسكرية.

 

مفهوم الاختفاء القسري في القانون الدولي

هو أحد أخطر أنواع انتهاكات حقوق الإنسان, ويمثل اعتداءً مباشرا على حق الإنسان في الحياة, ويتم عن طريق جهات رسمية بدون ذكر السبب أو سوق الحجج القانونية, وغالبا ما يكون لأسباب سياسية تتعلق بمعارضة الفرد للحكم القائم, ويصاحبه إنكار تام من السلطات, ويودع الشخص في مكان مجهول لفترة غير محددة, ويظل مصيره بالنسبة لأسرته مجهولا، ومركزه القانوني في التشريعات إما مفقودا أو مُغيبا.

 

الاختفاء القسري كانتهاك لحقوق الإنسان كاملة

يؤثر الاختفاء القسري بالسلب على حالة حقوق الإنسان الأخرى: مثل الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية حيث يحرمه من محاكمة عادلة, وكذلك الاعتراف بشخصيته القانونية, ويمنع عنه الحق في الهوية والحياة, وقد يعرضه للتعذيب والاعتداءات الجسدية الشاملة, بالإضافة إلى هدر حقه في الاحتياجات الأساسية للحياة, مثل الحق في التغذية والتعليم والصحة.

 

التداعيات على البيئة المحيطة لحالات الاختفاء القسري

يؤثر الاختفاء القسري على البيئة المحيطة بما فيها الفرد المختفي نفسه, إذا عاد للحياة الطبيعية مرة أخرى, حيث سيكون في نفسه غُصة تجاه المجتمع والسلطة, والتعايش السلمي والاندماج مرة أخرى, وهذه مسألة ترتبط بمدة الاختفاء وظروف البيئة التي أمضى فيها هذه المدة, وهي غالبا تكون مكان غير معلوم, كمعسكرات الجيش أو أي أماكن أخرى يصعب الوصول إليه فيها, ويكون صعبا, خاصة في حالات صغار السن من الشباب حيث عاشوا فترة شبابهم التي تتكون فيها شخصية الإنسان بين المعتقلات والسجون, وإهدار للكرامة والحقوق, ومن ثم يكون الاندماج مع البيئة المحيطة والتعايش معها فيما بعد بالشيء غير العادي، بالإضافة إلى ذلك يؤثر على أسرته, من الزوجة والأطفال, في حال اختفاء العائل, حيث إنه يمنعهم من تحقيق متطلبات المعيشة, بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تعيشها الأسرة من كونها لا تعلم عن المختفي شيئا, وهل مات أم أنه مازال على قيد الحياة، بالإضافة إلى تأثيره السلبي على المزاج العام للمجتمع, خاصة لدى أصحاب الرأي المخالف للسلطة المحيطين ببيئة المختفي.

 

تجريم الاختفاء القسري

تحظر جميع الاتفاقيات الدولية تعريض أي شخص للاختفاء القسري, حيث تنص”الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري” على حُرمة الاختفاء القسري, سواء أ كان في ظروف عادية أو استثنائية, كحالة الحرب أو التهديد باندلاعها, أو في حالة انعدام الاستقرار السياسي, وتفرض الاتفاقية على الدول بالنص على ذلك في قوانينها المحلية, خاصة القوانين الجنائية, وتقديم المسئولين عن ذلك إلى المحاكمات.

ختاما نستطيع القول بأن الاختفاء القسري جريمة, وذلك وفقا للاتفاقيات الدولية التي لاتسقط بالتقادم، وتحّمل الاتفاقيات الدولية الرؤساء المسئولية المباشرة في حالة وقوعها, وتُلزم الدول بالنص عليها في قوانينها الجنائية, وتقديم المسئولين عنها للمحاكمات, وتخول لـ”مجلس الأمن” تحويل هذه القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية, وإن لم تكن الدول مُصدقة على هذه الاتفاقيات, وذلك لتأثيره السلبي علي حقوق الإنسان الأساسية, كالحق في الحياة, وكذلك حق أسرته وذويه في معرفة مصيره, وما سينتج عن هذا الأمر, من صعوبة على الموائمة والتعايش مع البيئة عند إطلاق سراحه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد