لا يخفى على أحد ما نراه من عادات وأعراف بعيدة كل البعد عن حدود المنطق، يتمسك بها كل بيت مصري عند الإقدام على مرحلة الزواج.

فبدءًا من جلسات التعارف وعقد الاتفاقات، وحتى الانتهاء من مرحلة زيارات العروسين، تجد هؤلاء الأزواج مسيرين لا مخيرين وراء فيض من الالتزامات المادية والاجتماعية المرهِقة التي لا نفع منها على الإطلاق.

وعلى الرغم من تضاؤل أحوالنا المادية وسط الاقتصاديات الحالية، وتردي علاقاتنا الاجتماعية نتيجة لانشغال كل منا بهمّه وسعيه وراء قوت يومه، يومًا بعد يوم أصبحت تلك الأعراف فروضًا للزواج، لتثقل أعباء الزواج ضاربة بكل تلك الاعتبارات عرض الحائط!

حتى تصاعدت وتيرة أسئلتي حول هذا الموضوع حتى سألت:

«هل أصبح الزواج الآن مساويًا لما يبذل من أجله، أم أنه أصبح فكرة مبالغًا بها؟».

وسأتطرق بهذا الموضوع للجوانب المادية للزواج، تاركًا لكم المجال لطرح آرائكم لنجاوب سويًا على هذا السؤال.

1- الخطوبة

تلك المرحلة الوردية التي ترسم الطريق لشراكة العمر، والتي تبدأ باختيار الشريكين لبعضهما البعض، لكنها لا تضمن حالة التأكد من صحة هذا الاختيار، فعدم التوافق احتمال وارد ومشروع، والابتعاد والإلغاء حدث يتكرر كل يوم على شتى الأسباب.

ولكن بداية، لم يلزم المجتمع المتقدم للخطبة بتقديم شبكة لن تقل الآن في أفقر المناطق بمصر عن عشرة آلاف جنيه؟ لتقديمها لفتاة هي تعتبر لغزًا له لم يدرس منه سوى القشور!

عبء ومجازفة وتحد، فلك أن تتصور أن شابًا تقدم لخطبة فتاة وطلب منه شبكة بخمسة وعشرين ألفًا، مبلغ كد وتعب به، وأخد ما أخذه من الوقت لتكوينه، وقدمه وهو يرسم بفكره المتفائل أنها شريكة أيامه القادمة، ولكن لم تنجح تلك التجربة لسبب ما، وربما تكلل بخسائر فادحة أيضًا!

فيصبح لهذا السيناريو نهايتان مشروعتان عرفًا، إما أن تسترد الشبكة وإما لا، متوقفًا على «من» قرر عدم إكمال العلاقة وإنهاءها.

كيف لاختيار معلوم عدم قطعيته أن تكون عواقبه بهذا الشكل؟ بأي منطق تم سن تلك الأعراف بداية من وضع الأرقام الفارهة للشبكة نسبة لمقدمها إلى ما نراه ونسمعه دومًا من خلافات حول استردادها عند الانفصال.

بل وصل الأمر أننا نسمع عن حكايات منها ما يشبه روايات المغامرات، حتى يتم ضمان رجوع الشبكة دون إيقاع لوم على طرف من الطرفين.

2- تجهيزات المسكن

(أثاث، نجف، سجاد، ديكورات جبسية، مفروشات، وحتى الدهانات وألوانها… إلخ).

لا أعلم لماذا ولكن ساد الآن عند تجهيز مسكن الزوجية سيطرة فكرة أن يكون بمثابة متحف ينبهر به الآخرون!

تسيطر تلك الفكرة على غالبية الإناث، وامتدت لتصل للرجال أيضًا. فما نراه من تكاليف باهظة للديكورات والتجهيزات زايد بها أناس قديمًا حتى أصبحت مع العرف هي المتوسط المعتاد الآن، وأصبحنا نتكلف في تلك الأشياء حتى أفسدناها بغزارة استعمالها بالمكان رغبة في استعراض قدر ما دفع في تلك التجهيزات.

ثم نأتي لتجهيزات الأثاث، وما يلزم به من حجرات شتى، فنجهز حجرة الأطفال لنبقيها مغلقة أربع سنوات على أقل تقدير، ونجهز حجرة السفرة بما تحويه من دواليب موصدة تحوي من الكؤوس والأكواب ما يكفي لعائلة بأكملها، وغيرها من الحجرات لنكون صورة أخرى من صور اللامنطقية حين نسرف في أشياء قد لا نتطرق لاستخدامها بعمرنا كله، لنضيف أعباءً مادية على تلك القديمة استعدادًا للزواج!

3- يوم الفرح

عند المرور بكل الخطوات السابقة وصولًا لتلك المرحلة، يصبح الفكر السائد لها هو: «مصاريف هذا اليوم وإن زادت لن تكون كثيرة مقارنة بما سبق من مصاريف».

فاستمرارًا للمزايدات المستمرة لن يكون غريبًا أن يكون التفكير هكذا، حتى أصبح ما ينفق من مصاريف في تجهيزات هذا اليوم كفيلًا بإتمام كامل لزواج بتكاليف معتدلة.

شهر العسل!

لا بالطبع هي ليست معضلة جديدة، ولكن على النقيض أراها تكلفة مادية تم استثمارها بنجاح، وددت طرحها لأظهر مدى التباين بين تكاليف لا طائل منها وأخرى نستمتع بها.

فما المشكلة في أن أنفق ما أنفقه لأماكن جديدة أستمتع بها، أتناول من أصناف الأكل ما يطيب لي، أنطلق بشريك حياتي لأجرب هذا وذاك. فها أنا أستثمر نقودي في سعادتي وسعادة من قد اخترت ليكون بجانبي مدى العمر، لا لأبهر زائرًا هنا وقريبًا هناك!

ما المانع أن أوفر بهرجة الكؤوس والأكواب الفارغة لأشتري بها ما يحلو لي من طعام وشراب؟ ما المانع أن أوفر بذخ النجف ذي المصابيح الصناعية لأشتري بها نباتات وورودًا لإضافة البهجة الحيوية داخل المنزل؟ ما المانع ألا أشتري غرفة الأطفال وأشتري بها مكيفات للمنزل حين يحين لتلك الغرفة وقتها؟

انجرفنا لعادات وتقاليد هي تتغير للأسوأ دائمًا، وتجاهلنا أقل درجات المنطق وتكوين حياة عملية. ونحن وسط عالم قد تغيرت كافة ملامحه بينما نحن ننشئ بيتًا جديدًا يرسخ عاداتنا المكلفة المتكلفة التي تجر تفكيرنا للوراء، وتعقد حياتنا وتصعبها.

وكم من متزوج حديثًا قد حمل هم الحياة مضاعفة سرعان ما انتهى من مراسم زواجه، ليبدأ في إحصاء ديونه وحساب كيفية تسديدها، لتنسيه تلك الهموم أي فرح قد حلم لأجل العيش به، وكأننا نشتري همومنا، وبمبالغ لا نملكها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الخطوبة
عرض التعليقات
تحميل المزيد