في واقع الأمر؛ ليس علينا حين نتداول التصريحات والأخبار المنسوبة إلى شخص ما أن نستعمل المنظار الفردي الجزئي، الذي يوهمنا بفداحة الأمر أو بروعته، إنما على الملتقِّي عموما، والمثقف خاصةً، أن يتأنَّى ويتروَّى، ويحاول توسيع النظر في أكثر من اتجاه حتى يلتقط الصورة الكاملة أو شبه الكاملة للمشهد، لذا حين سمعتُ الحوار الصحفي الذي أجرته يومية «الحوار» مع الكاتب الروائي أمين الزاوي، بخصوص مستجدَّات الساحة السياسية الجزائرية، عادت إلى ذهني تشكيلة من تصريحات الزاوي في عدة قضايا كنت أتابعه فيها منذ سنوات، وكانت ردودي كل مرة تتميز بالاختصار والإيماء، على هيئة تغريدات تتناسب مع همة القارئ المعاصر، ومع متطلبات وسائط التواصل الاجتماعي.

لكن يبدو أنه قد أُتيحت لي الفرصةُ اليوم للتوسُّع في مضمار القول، وذلك لعدة اعتبارات من أهمِّها: أن الإعلام الجزائري غالبًا لا يتابع القضية في كل مراحلها، وبكل تجاذباتها وردود الفعل الحاصلة ضدها أو معها، كان الزاوي في الحوار الأخير مع يومية «الحوار» قد سُئل عن القرار الوزاري المتعلق بتمكين اللغة الإنجليزية في التعليم العالي بدلًا من الفرنسية، فقد أدلى وزير التعليم العالي السيد الطيب بوزيد بتصريحات متتابعة تخللتها خطوات فعلية لتعزيز استخدم اللغة الإنجليزية لغةَ بحثٍ في الجامعات والمدارس الجامعية في الجزائر وذلك: «ضرورة وحتمية لعدة اعتبارات على غرار تكوين جيل متفهم» حسبه (النهار: 22/ 07/ 2019)، وفي 21/ 08/ 2019 «دعا وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بوزيد الطيب، رؤساء الندوات الجهوية للجامعات، إلى اقتراح ستة خبراء من الأساتذة والباحثين المختصين والمؤهلين، خاصة في اللسانيات واللغة الإنجليزية، وطلب منهم موافاته ببياناتهم في أقرب الآجال» (الشروق).

في خضم ذلك طرحت الصفحة الرسمية للوزير على فيسبوك استفتاءً شعبيًّا حول تعزيز تدريس الإنجليزية واستخدامها في الجامعات ورأي الجزائريين في ذلك، كانت النتيجة هي 94.3% لصالح تعزيز الإنجليزية، وذلك من بين إجمالي عدد المصوتين الذي بلغ: 94741 (قرابة المائة ألف مصوت)، بينما حظي الإبقاء على الفرنسية على 5.7% فقط، جرى هذا الاستفتاء خلال شهر كامل، وانتهى في الخامس من أغسطس (آب)، كما ذكر الدكتور الطيب بوزيد أنه أسدى توجيهات لمديري مؤسّسات القطاع من أجل فتح نقاشٍ موضوعي بما يكفل الخروج بمخطّط عمل متكامل بهذا الشأن، تابعنا هذه التصريحات والخطوات العملية التي عززها السيد الطيب بوزيد بحضور يومي على صفحته وتفاعله مع المتابعين بطريقة عصرية إلى حد ما، كانت غائبة كل الغياب عن الجزائريين الذين ينظرون بكثير من الأسى إلى حال مسؤوليهم، مقارنة مع مسؤولي الدول الغربية في التعامل مع مواطنيهم والتفاعل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تمثل الإعلام البديل في هذا الوقت.

إذن اتضح أن قرار تعزيز الإنجليزية وإقصاء الفرنسية تدريجيًّا لم يُـتَّخَذْ اعتباطيًّا أو عشوائيًّا أو «زكارةً» في التيار الفرنكوفوني مطلقًا، وإنما جاء تلبية لمطالب مئات الآلاف من الطلبة الجزائريين، الذين اتجهوا إلى تعلُّم اللغة الإنجليزية؛ لإدراكهم تمامًا أن الانفتاح الحقيقي على العالم الجديد بكل مستوياته الثقافية، والتكنولوجية، والسياسية، والاقتصادية، أصبح مرتبطًا بإتقان لغة العالم الأولى وهي الإنجليزية، بل نحن نعلم جيدًا تراجُع التوجُّه الطلابي نحو الفرنسية لصالح التوجه نحو لغات أخرى حتى غير الإنجليزية، وذلك كالإسبانية، والتركية، والروسية، لقد بات الطالب الجزائري والباحث الجزائري على مستوى كبير جدًّا من الوعي بتطلبات المرحلة الحالية والقادمة، وأن التمسك بالفرنسية هو تمسُّكٌ بالماضي، ونوعٌ من الرجعية اللغوية والعلمية، بكل ما تحمله العبارة من معنى، لقد عد الدكتور أمين الزاوي هذا القرار تصرفًا شعبويًّا يخدم – حسب تعبيره في مقال له نشرته صحيفة Independent (إندبندنت)في نسختها العربية يوم: 04/ 07/ 2019- الدماغوجيين والإسلامويين والقوميين العروبيين على حساب النخب العلمانية المتحررة، ولا ندري لماذا لم يقل: إنه يخدم الإنجلوسكسونيين والمملكة المتحدة وأمريكا وترامب؟ هكذا حتى نلمس قليلًا من العقلانية في تبريراته وتخويفاته.

ولكن دعوني أطرح هذا السؤال على حضرة الدكتور: إن فرنسا بدأت في إجراءات فرض لغتها على الجزائريين في وقت مبكر من سِنِي الاستعمار الغاشم، وكان للحاكم الفرنسي أعوان ونَصَحةٌ ومستشارون بلا شكٍّ، ألم يكن عليهم تقديم المشورة وإسداء النصح للحاكم الكولونيالي، بأن قرار تعليم الفرنسية هو قرار شعبوي نابع من النفسيات الاستعمارية، وليس قرارًا حكيمًا مدروسًا في مخابر الجامعة؟ وبعبارة أسهل وأقرب: هل كان الكاتب الفرنسي فكتور هوغو (تـ: 1885) منزعجًا من قرارات الدولة الفرنسية بتعليم لغتها للأهالي؟ أم أنه كان سعيدًا بذلك؟ ألم يعد القرار شعبويًّا تافهًا وسببًا في «كارثة على التعليم داخل المستعمرة الجديدة؟» كل ذلك لم يكن، ولم يحدث.

كان الجزائريون إلى عام 1830 لا يتقنون سوى العربية، وبعض اللهجات الأمازيغية، وقليلًا جدًّا من التركية القديمة (العثمانية) والإسبانية، لكن فرنسا عبر فرنسة التعليم في الجزائر، نجحت نجاحًا باهرًا في تحويل الدولة، والمجتمع، والثقافة، والفن، والطبيعة، وحتى الهواء إلى التفرنُس، وباتت العربية لغة أجنبية عن الجزائريين، لا تُدرَّسُ إلا في نحو ضيق جدًّا عبر بعض الكتاتيب والزوايا ذات التأثير المحدود، وكذلك عبر بعض مدارس جمعية العلماء المسلمين، بقيادة المصلح عبد بن باديس الصنهاجي، فكيف يدافع الدكتور أمين الزاوي عن الفرنسية بصفتها إرثًا ثقافيًّا و«غنيمة حرب»، ونافذة للجزائريين نحو العالَم، بينما كان قرار تدريسها في حقيقته لا يختلف عن قرار تدريس اللغة الإنجليزية في أيامنا هذه؟

ومن نافلة القول أن أدعو الكاتب أمين الزاوي، الذي يحضر باستمرار فعاليات الصالون الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة؛ إلى أن نتوجه معًا، وبحضور مجموعة من المثقفين والصحفيين، إلى أجنحة سيلا 2019، لنرى ويرى الدكتور بنفسه: كمية الإقبال على مسرحيات ونصوص وليام شكسبير وعموم الكتاب الإنجليزي، وليقارن ذلك – بطريقة إحصائية رياضية- بعدد المقبلين على اقتناء الكتاب الفرنسي، إن جناحًا واحدًا مثل جناح دار WordsWorth البريطانية يستقبل آلاف الطلبة والقراء طيلة أيام المعرض الدولي للكتاب، بينما تظل أجنحة الدور الفرنكوفونية خالية إلا من نسبة ثابتة، لكنها قليلة جدًّا، من القراء الجزائريين، هل سيبقى الدكتور مُصِرًّا بعد ذلك على وصف القرار الوزاري بالشعبوية الكارثية؟ هل العدد الغزير من طلابنا وقرائنا الحاجِّين نحو الكعبة الإنجليزية هم طبقة شعبوية بكل ما يحمله المصطلح من استهتار وسخرية؟ إن العمود الفقري للنخبة في كل مجتمع هم الطلاب، والقراء، والكُتَّاب، والباحثون، وهؤلاء في جزائرنا قرروا التوجه عمليًّا إلى لغة العلم والعالَم، ولغة الأدب والكون، ليس مديحًا مجانيًّا منهم، بل إيمانًا بأن اللغة أداة تواصل وتوصيل واتصال، وأن هذا العصر فرض علينا الإنجليزية في المرتبة الأولى، شئنا أم أبينا، وشاء الدكتور الزاوي أم أبى، وعلينا أن نتذكر كيف لكاتبة مثل جوخة الحارثي التي كانت تحوز شهرة بسيطة ومتواضعة في سلطنة عُمان، كيف أنها انطلقت بكل قوة إلى العالمية؛ فقط لأن رواية لها تُرجمت إلى الإنجليزية، فنالت جائزة المان بوكر العالمية هذا العام (2019)، بينما عشرات النصوص المترجمة أو المكتوبة بالفرنسية لكُتاب جزائريين، بينهم أمين الزاوي، لم تنل أي إشادة ولا لقب إلا على مستوى محلي ضيق جدًّا، فهل كان مانحو جائزة المان بوكر يشجعون على الشعبوية يا حضرة الدكتور؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد