قُدر للإنسان الأفريقي أن يكون أكثر أهل الأرض معاناة من الظلمِ والبطشِ، من الدولِ الأخرى، خارج القارة، منذ عهود الرق والاستعمار، كما أنه أشقى أهل الأرض بظلم بني جلدته له، الذي وقع عليه في شكل استعمار داخلي، ليقضي على الأخضر واليابس.

كل النظمُ الديمقراطية في القارة السمراء أُطيح بها، إما عن طريق الحزب الواحد، وإما عن طريق الحكم العسكري، لذا تنفردُ القارة الأفريقية اليوم، بأنها الوحيدة من بين قارات الدنيا، التي ما زالت تعاني، من هيمنة الحزب الواحد أو الحكم العسكري.

لقد استطاع نظام الحزب الواحد، في بعض الدول بغرب أفريقيا وشرقها، وحتى وسطها، أن يحقق الاستقرار السياسي، وأن يحول دون الانقلابات العسكرية، لكن الثمن المدفوع بدرجات متباينة من القسوة، هو مصادرة حقوق الإنسان، ومنع الحريات الأساسية، وإلغاء الرأي الآخر.

إن السلطة المطلقة، تفتح باب الفساد المطلق، وإن حسنت نوايا القيادات السياسية؛ فقد فتحت السطلة المطلقة أبواب فساد كبيرة، كما أن مبررات الحزب المطلقة، هي أنه يحقق الوحدة الوطنية، ويحول دون التمزق القبلي والجهوي، ويحقق ديمقراطية أفريقية أصيلة، ويحقق التنمية المشودة.

البلاد الأخرى التي وقعت فيها انقلابات عسكرية، وحُكمت بمؤسسات الاتجاه الواحد، فشلت فشلًا ذريعًا، في ميدان التنمية والتخطيط والعمران، فالحكام العسكريون، أقل تأهيلًا من حكام الحزب الواحد، لذا نجدهم قد فرضوا على بلدانهم أثمانًا عالية جدًّا؛ لأن ظهورهم في السطلة أودى بالانضباط والاهتمام العسكري؛ ففسدت القوات المسلحة، ومارسوا الحكم بغير تأهيل، فخلفوا كل مفاسد نظام الحزب الواحد، ولكن بشكل آخر، بل زادوا عليهم بنتائج الجهل والتخبط، تخلفًا، هرجًا، وفقرًا مُدقعًا.

الحكم العسكري بطبيعته لا يحقق الاستقرار، إلا إذا استطاع أن يجد لنفسه شرعية غير حكم القوة؛ فإنه لن يكون حكمًا عسكريًّا، الحكم العسكري بطبيعته لا يحقق الاستقرار؛ لأن الانقلاب العسكري الناجح يصبح وسيلة للضباط أو ضباط الصف، أو الجنود الآخرين للترقي والمجد، فمع كل انقلاب ناجح تولد انقلابات مضاده نتيجة للاختلافات التي تحدث بين الزملاء في الانقلاب أو مؤامرات الغاضبين عليهم من داخل القوات المسلحة نفسها.

لقد ضاق الإنسان الأفريقي ذرعًا بهذين النظامين، حكم الحزب الواحد والحكم العسكري، ولا مكان لهما مع احترام حريات الإنسان الأساسية، وكفالة الحريات، ولا مكان لهما في عالم اليوم الذي يتجه إلى تحديد هذا النوع من النُظم، مما كان يستمتع به من شرعية الأمر الواقع.

لقد ذكرت منظمة «بيت الحرية» الأمريكية، «فريدم هاوس»، وهي منظمة تُعني بحقوق الإنسان، والحريات السياسية، وتجرى بحوثًا في هذا الاختصاص، ذكرت في تقرير لها عن دراسة أجريت حول الدول الأفريقية جميعها، ونشرت قبل عامين تقريبًا، أثبت أن هناك حوالي 10 دول من الدول الأفريقية تتمتع بحرية تامة، بينما تتمتع 21 دولة بحرية جزئية، في حين ما زالت 23 دولة بدون حرية، أي إن ما يقارب نصف هذه الدول ما يزال غارقًا في سلطة الحزب العام الواحد، أو بطش الحكومات العسكرية.

أفريقيا، ما زالت بعيدة كل البُعد عن أُسس الحُكم الرشيد، والنظم الديمقراطية النموذجية؛ لأن من الصعوبة بمكان خلق نظام ديمقراطي صحيح، في ظل هذه الأجواء غير الصحية أو المعافاة.

إن من أهم المعضلات التي تواجه الديمقراطية في القارة السمراء اليوم، ونحن في القرن الحادي والعشرين، هو أنها ما تزال في حالتها الأولى، عهد الرق والاستعمار، فما زالت حتى الآن الدول الأفريقية في حال استغلال شبه تام، من الداخل والخارج معًا، لصالح الصراع السياسي الدولي، من خلال الحديث عن الحريات وغيرها من الشعارت الفضفاضة، وهي أبعد ما تكون عنها، فالدول الكبرى تستخدم الديمقراطية وسيلة للاستعمار الحديث، وتحاول إضعاف البلدان الأقل نموًّا، عبر هذه الشعارات البراقة؛ فالأحاديث الغربية المتكررة عن الحريات الصحفية والشخصية في بلدان العالم الثالث وأفريقيا على وجه الخصوص، لم تطبق هذه الشعارات في بلدانها، بل تقيم السجون السرية. هذه الشعارات فُتن بها الناس؛ لأنها كانت أقرب إلى المعايير المزدوجة، وهدفت إلى استغلال هذه الدول، وهدمها، وتأخير نموها.

الديمقراطية النموذجية السليمة المعافاة، هي منصة بناء إرادة، وأن الأحزاب السياسية ما لم تبين الديمقراطية في نفسها وداخلها، فإنها تتحول إلى منبر للإرادة غير الديمقراطية، وكبح تشجيع المواطنين نحو ممارسات غير ديمقراطية، وإنتاج ثقافة القمع والتسلط، وبعيدًا عن إنتاج ثقافة الديمقراطية والتسامح.

على الدول الأفريقية أن تدرك جيدًا، أن الديمقراطية ليست عملية آلية، تحرك نفسها بنفسها، ولا عوامل أو أفكارًا تتبع كوثائق في مناهج تلك الأحزاب، برامج تحول نفسها إلى أفعال وممارسات ديمقراطية، بل إن تلك البرامج والمناهج في الواقع عبارة عن إتاحة الفرص وعرض برنامج أمام أعضاء الحزب بالأخص والمواطنين بشكل عام، وتحويل هذه البرامج، وتلك الفرص إلى حيز عملي، وواقعي وتنفيذي يتتوقف بالدرجة الأولى على تأهيل المواطنين أولًا، ثم الموسسات والمرافق الحكومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s