عندما ننظُر بإمعان لكلّ ما يجري حولنا من ظروف سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وأزمات أخلاقيّة وإنسانيّة تهدّدنا وتحيط بنا، نفكّر بالعدم كأن نكون مجرد ذرّة تراب، أو أيّ شيء لا يجعلنا ندرك ظروفنا وضيقها، وتمرّ أوقات وتذهب وكثير من الأشياء تُمحى وتندثر.

«… في أيّ حال أرى التّشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التّفاؤل شكل من أشكال الغباء». مررت كثيرًا بهذه المقولة للكاتب البرتغالي جوزيه سارماغو ووصلت لهذا الحلّ: استمتع باكتئابك أو استغرق أكثر في بؤسك، التّفاؤل بأوضاعك المزرية هو سذاجة، يجب أن ندرك أنّنا قد نصل إلى مفترق طرق في حياتنا وأن نشعر في وقتٍ ما أنّها مبعثرة أو وصلت إلى جدار لا طريق بعده، هذا الإدراك يجعلنا نغيّر الطّريق أي أن نلتفت إلى جانب الجدار ونجد طريقًا آخر وحياة أخرى.

في هذه المقالة قد أعينك أكثر على الاستمرار في شعورك بالوحدة واللاّجدوى من حياتك. هذا الشّعور الذي يرافقنا بعد فشلٍ ما، ضروريّ ولا بدّ منه لنخرج من أزماتنا أصّحاء نفسيًّا وعقليًّا، بمعنى أن تصل إلى النهاية لتبدأ من جديد طريقًا آخر!

إنّنا بحاجة للغوص في عمق ذواتنا وإدراك حالاتها وأمزجتها المتقلّبة لنرسوا أخيرًا على جانب ينتشلنا من وحل البؤس الذي أوقعنا أنفسنا فيه، لكن بعيدًا عن كتب التنمية البشريّة أو الصفحات الفيسبوكية التي لا يكفّ أصحابها عن التّنظير وعن الوعد والحلم بحياة جديدة في ظرف قياسي، وهي تشبه خدعة كتيّبات تعلم لغة أجنبية في خمسة أيام، فأمثال هؤلاء كالذي يلوّن الصّور الباهتة بلامبالاة وبغير هدف، فهم يقفون على أكتاف أحزاننا، أظن أن المباشرة أحيانًا في التّنظير والوعظ تبدو إسفافا بحق آلامنا!

إنّ أشدّ ما أمقت هو الكتب التي تصوّرك كبطل خارق وترمي عن كاهلك كل الصعوبات بنفخة هواء منك، إنني أعتبر ذلك نظرة ضيّقة وقاصرة لحقيقتنا ولعواطفنا ومشاكلنا الخاصة، خذ لمرة واحدة الأمر بجدّية ولا تبعني أحلامًا وهميّة!

علّمني ذلك الأسلوب السطحي أن المشكلة مشكلتي وحدي وفشلي أنا فقط، ولا أحد يستطيع أن يشعر بخسارتك غير نفسك، وإن وقفوا بجانبك يومًا أو لمسوا ألمك. كلّ هذا لا يجعلهم ولا يمكِّنهم من الشعور بفداحته، يظل خاصًّا ومختلفًا لأنّه ينبع من شخصيّتك وتركيبتها المتفرّدة المعقدة، لذلك هجرت تلك الكتب وأصحابها!

فالحلّ كان أن أتألمّ حتى لا أعود لهذا السّقوط مرّة أخرى، أجلد نفسي أكثر لأرأف بها وأنهضها من جديد.

يُقال إنّه عندما تعمل للحزن حفلة يخرج ببطء حتى يذهب تمامًا لذلك أقول استغرق بحالتك وأقم لها المهرجانات والانفعالات المختلفة لأنها ستملّ منك وتذهب هكذا !

في فترة من الفترات وجدت نفسي بلا شيء، وبصدفة بحتة رافقني كل شيء يشجع على الاكتئاب! من روايات إلى أفلام وحتى موسيقى! وجميعها أضافت لذّة إلى اكتئابي، وحلاوة للاستمتاع لم يتّخذ شكل البؤس أكثر من أنّه اتّخذ شكل حياة أخرى وبمكان آخر.

هكذا كانت الوحدة

هذا عنوان رواية للكاتب الإسباني خوان خوصّي ميّاس، وهي من الروايات التي عمّقت شعوري بالوحدة والحاجة إلى كلمات أو لغة أو حتّى صوت يخرج من داخلي.

«عندما أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنّك أتيت لتوّك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طُردت منه! سمحوا لك بإحضار شيئين يجب أن تحملهما كلعنة ما حتى تجد مكانًا تصلح فيه حياتك انطلاقًا من تلك الأشياء، والذاكرة المشوشة عن العالم الذي أتيت منه»

وتحكي عن سيّدة تدعى «إلينا»، متزوّجة ولديها ابنة، وغنيّة أيضًا. لكنّها تعيش في وحدة قاتلة ولا تشعر بأيّ انتماء لهذا العالم، هي خارج المكان! تصل المرأة دائمًا إلى عمر معيّن يعدّ مفترق طريق في حياتها وفاصلًا مهمًّا، تتوقّف فيه قليلًا لاسترجاع كلّ حياتها بعد تفرّغها من انهماكها ومسؤوليّاتها، تستيقظ صباحًا لتتساءل ماذا فعلت؟ وماذا لم تفعل؟ وماذا تريد؟ هذا العمر الفاصل في حياتنا جميعًا آت لا محالة وستأتي الأسئلة المخيفة وحدها لتشعرنا بضحالة أعمارنا ومسيرتنا وقد يفلح من كان قنوعًا وراضيًّا. إنه لشيء مرعب عندما تنظر لمن هم حولك وأكبر منك سنًّا وتتساءل عن مدى رضا كل واحد منهم عن حياته! وكم منهم نادم عن الطريقة التي عاش بها، وقد مشى به العمر إلى الخريف وتجاوز ربيعه منذ زمن وأصبحت فرصته في الحياة أقلّ مما تخيلها يوما.

نعود لأجواء الرّواية، فإلينا مثل كلّ النّساء بعد أن تعيش حياة زوجيّة طويلة وبعد أن تمرّ بأصعب فترات الأمومة، وتعود حرّة نوعًا ما، تعيد النّظر إلى نفسها في المرآة وتتساءل إلى أيّ عالم تنتمي وفي أيّ عالم هي الآن؟ يقول الفنان الكوميدي روبن ويليامز: « كنت أظنّ أنّ أسوأ شيء في الحياة هو أن تكون وحيدًا، لكنّ أسوأ شيء في الحياة هو أن ينتهي بك الأمر مع أشخاص تشعر معهم بالوحدة». وهذا ما حدث فعليًّا مع إلينا، وتلك قصّة أخرى سنأتي على ذكرها لاحقًا.

الرّواية قسمان، قسم نشعر معها فيه باكتئابها وبالفراغ والتّفاهة التي تعيش فيها وبها وبالحزن واللامبالاة وكل ما يؤلم النّفس من مرض جرّاء الوحدة والاختناق. والقسم الثّاني وفيه تبدأ الرّواية بأخذ مسار آخر، أكثر متعة وإثارة، عندما توظّف إلينا من يراقبها ويحضر لها تقارير مفصّلة تشمل جلّ جوانب حياتها بدقّة تامّة. من هنا تبدأ إلينا عمليّة التّحول من داخلها إلى مظهرها من الخارج. هنا تبدأ بالخروج والتّنفس من جديد، في طريقها نحو الخلاص.

واية جميلة والأجمل أن كاتبها رجل استطاع الخوض في أعمق مشاكل المرأة مع نفسها ومع من حولها، واقتحامه أيضًا لعالم العجائز من خلال مذكّرات والدة إلينا. رواية قد تؤلمك في البداية لكنّ نهايتها جميلة.

جوسلين ولائحة رغباتها

الرّواية الثّانية المميّزة هي “لائحة رغباتي” للفرنسيّ غريغوار دولاكور، وهو كاتب آخر يدخل إلى عالم المرأة ويستطيع التعبير عن اختلاجاتها بكلّ براعة وذكاء !

كيف تستطيع المرأة أن تُشفى وتنتصر على نفسها وعلى من يحاول هزمها !
جوسلين الخياطة البسيطة تربح بالصّدفة جائزة ماليّة ضخمة بقيمة ثمانية عشر مليونًا ونصف المليون يورو تقريبًا، ولم تخبر زوجها أو أيّ أحد قريب منها عن الجائزة، ثم تضع «لائحة رغباتها» وقد ضمّنتها الأشياء التي تتمنى الحصول عليها من أساسيّات وكماليّات لها ولعائلتها وصديقاتها. زوجها المدمن يسيء معاملتها لكنّها تعلم أنه يحبّها وينسى أحيانًا أنّها بدينة ويقبّلها بحبّ وينسى مصيبتهما بموت فتاتهما الصغيرة، وتظلّ تسامحه مع كل سلبيّاته.

عند استلام الجائزة حذّروها من الجشعين والمنافقين الذين سيستغلونها لثرائها، ومنهم زوجها الذي غيّر من تعامله معها للأحسن وأصبح لطيفًا بشكل مفاجئ، لذلك تقرر التخلي عن الجائزة لتحافظ على حياتها البسيطة ولأنّ في النهاية المال لا يشتري الحبّ والسعادة، كما ظنّت، فحبّ زوجها على تذبذبه يعوّضها عن كلّ المال. لكنها تتلقى طعنة غدر وخيانة تعيد فيها لائحة رغباتها من جديد، تتألّم وتشفى وتنهض من جديد.

«لأن احتياجاتنا هي أحلامنا الصغيرة اليومية، هي أشياؤنا الصغيرة الواجب فعلها»

رواية في ظاهرها تتسم بالبساطة لكنها أعمق من تصوّرنا في البداية، هي عن الحب والحياة والرغبة والأحلام والأمنيات ومعاني السّعادة والرّاحة والذكريات بما تحمله من تعاسة أو سعادة.

أما عن الأفلام، فوقعها مختلف ومؤثّر بصريًّا أكثر وبالتّالي تشحذ حواسّك تمامًا وهنا تدخل عالم الفيلم، ومن هذه الأفلام التي كان لها بالغ التأثير والعمق في النفس وما تحتاجه وتسعى له وتطلبه كان:

فيلم into the wild

هذا الفيلم المبني على قصّة حقيقيّة، قصّة المغامر كريستوفر مكندلز، التي من أجلها فاوض المخرج شون بن عائلة كريستوفر لمدة 10 سنوات ليأخذ موافقتهم لتحويل القصّة لفيلم.

كريستوفر شاب ناجح ومتفوّق في كليّته ومن عائلة غنيّة أيضًا، لكنه يقرّر التّخلي عن كلّ البذخ في حياته حتّى أنّه يحرق نقوده ويرفض هديّة والده التي كانت عبارة عن سيّارة فاخرة، واكتفى بسيّارته الخردة ومزّق بطاقته البنكيّة وتخلّى عن كلّ ماله وانطلق ليسرح في الطّبيعة!

كريستوفر تحرّر ليعود إلى البرية، تاركًا خلف ظهره  كل المغريات من أجل لحظة صفاء مع ذاته والتوّحد معها والبحث عنها في رحلته في كلّ ما يصادفه في طريقه. الفيلم يعرفنا على متعة الطريق والصعوبات التي تواجهنا أحيانًا في سعينا نحو المجهول. أراد الحريّة والانعتاق من كلّ ضغوط الحياة ومنغّصاتها، أراد الحرية من كل قيد من العائلة إلى المال إلى الدّراسة حتّى عن بطاقته الشّخصية،

أراد التعرف على الحياة من جديد بتوحّده مع الطبيعة مدفوعًا بعشقه لها، خلال رحلته يلتقي بأناس عدّة يجمعهم الحبّ فقط، يتعرف عليهم ويغادرهم ليكمل هدفه إلى ألاسكا حيث لا وجود للبشر، السّعادة فقط، يعطيك طاقة إيجابيّة أنّ البشر عندما يكونون غرباء لا يجمع بينهم الكره أو العنصريّة بل كانوا على فطرتهم طيّبون فقط! توحّدهم الحاجة إلى الاستمرار.

من الفيلم: «تخطئ إذا ظننت أن البهجة تنبع فقط من العلاقات الإنسانيّة مع البشر، لقد وضع الله البهجة في كلّ شيء يحيط بنا، في كلّ شيء و أيّ شيء نختبره. كلّ ما علينا هو أن نمتلك الشّجاعة لندير ظهورنا لنمط حياتنا المعتاد وننخرط في تجربة جديدة غير تقليديّة»

هناك محطات في حياتنا نحتاج فيها أن نكون وحدنا في العالم، نحتاج لسماء ولأرض غير التي نمشي عليها، وهذا ما أراده كريستوفر، الهروب من الواقع وقد حصل عليه بجرأته وشجاعته بتركه لحياته الحقيقيّة وما تفرضه من التزامات تثقل كاهلنا، حتى أحيانا الدّراسة والطّموح يكون ثقلًا!

هذا الفيلم تشعر به يشاركك بتخبّطك وإحباطاتك وببحثك عن نفسك، تحس فيه أكثر من استطاعتك الحديث عنه.
وهناك المزيد من الروايات والأفلام أو بمعنى آخر الحكايات والقصص التي قد تشبهنا وتتقمصنا، أي قريبة من حكاياتنا نجد أنفسنا بها ولأنها قصة فلها بداية ونهاية قد تساعدنا!

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد