أولا، السبي لم يُذكر في القرآن، وأتحدى أي شخص أن يأتيني بآية واحد عنه. أما الأحاديث فهي تخص واقعة بني قريضة.

ثانيًا، الإسلام هو الدين الوحيد، بل الحضارة الوحيدة في التاريخ البشري، التي وضعت قوانين زجرية في الحروب، أي شرعت قواعد إنسانية لاحترام الخصم. فأولًا حرمت قتل سفراء الأعداء ورسلهم. ثانيًا، فرضت على المسلمين تخيير الأعداء بين ثلاثة اختيارات، الإسلام، الجزية، القتال (ولم تفعل هذا أية حضارة لحد الآن). ثالثًا، حرم الإسلام على المسلمين معاملة الأسرى بعنف، كما حرم تعذيبهم، بل طلب منهم التعامل معهم بنفس طريقة التعامل فيما بينهم. رابعا، الإسلام حرم على المسلمين اقتلاع شجرة أو قتل طفل أو شيخ أو الإجهاز على جريح مُصاب وهذا أمر من الرسول «ولا تتبعوا امرأةً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقلعوا شجرة…».

كل هذه القواعد لن تجد لها أثرًا أبدًا، في أية حضارة أخرى سابقة أو حالية، فحتى لو كان الغربيون يتبجحون بمواثيق حقوق الإنسان إلا أن ما يفعلونه ضد الشعوب الأخرى دليل على نفاقهم. فالإسلام عقيدة تنغمس في روح المسلم وحياته، وليست مجرد قواعد يحفظها ولا يهتم بها فيما بعد، إن غابت عنه المراقبة.

ثالثًا، الحداثيون المتأثرون بالروايات الاستشراقية، والذين لا يكلفون أنفسهم طاقة البحث، وإنما يشاهدون فيديوهات كهنتهم، يقعون في مغالطات فيلولوجية غريبة جدا. فمثلا يعتقدون أن النكاح في الإسلام يعني الاغتصاب، فحين ورد في القرآن «وانكحوا ما طاب لكم من النساء»؛ يعتقد الحداثي بجبهته العريضة، أن القرآن يُحِلُّ للمسلمين اغتصاب النساء. ولو أنه كان أمينًا وباحثًا وناقدًا كما يدّعي لبحث في القرآن عن آية تؤكد عكس ما يتخيل ذهنه المعاق. فقد وردت آية تقول عن المرأة المُطلَّقة بالثلاث، التي يرغب الرجل في استرجاعها «حتى تنكح رجلا غيره» أيعني هذا أن تقوم المرأة باغتصاب الرجل الآخر؟

الغباء لا حدود له. ويا ليته لا يتعالم. النكاح في خطه الفيلولوجي (فقه اللغة) يعني الزواج (أي عقد القران) زائد ممارسة الجنس. فلا يكفي للمرأة أن تتزوج فقط ليسترجعها الرجل الذي طلقها بل يجب أن تمارس الجنس مع الرجل الثاني الذي تزوجها. لهذا النكاح شامل على الزواج. فالقران لم يذكر أبدا مصطلح «الزواج» كعملية، وإنما يذكره كصفة عددية. أما ما يذكره كعملية اقتران ومواطأة هو النكاح.

أضف إلى هذا أن الإسلام يرفض بالقطع الزجري، ممارسة الجنس خارج إطار الزواج كيفما كان ذلك، فحتى حين يقول «وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». يعني أنه، حتى ملكات اليمين (اللائي يعتقد الحداثي أنهن المسبيات فقط) تستوجب أيضًا عقد القران، لأن هذا العقد هو الذي ستعلن عنه لأهل المقصودة، وليس إعلامهم بأنه سيمارس الجنس معها، أو بحسب خطاطتك الذهنية سيغتصبها.

ليس فقط مسألة النكاح هي التي يحدث فيها هذا التخبط الفيلولوجي، وإنما هناك الكثير من المفاهيم، فحتى مصطلح «القتال» يخلطونه بمصطلح «القتل»، كمن يخلط مصطلح «الغسل» بمصطلح «الاغتسال». القتال مصطلح يستوجب حضور طرفين مسلحين، القتل يعني أن طرفًا واحدًا هو الذي يحمل السلاح فقط ضد طرف ثان أعزل.

في القرآن ذُكر دائما مصطلح «قاتلوا» أي أن الأمر يخص المعركة، بينما ذكر مرتين مصطلح «اقتلوا»، وهو أمر انحصر في عراك المسلمين ضد مشركي قريش، أي أنه مصطلح يخص تحريضًا على قتل من يُقاتلون أصلا المسلمين في تلك الفترة، لهذا فهو مصطلح يخص تلك الفترة فقط.

هناك مصطلح آخر مثير يتخبط فيه الحداثيون، حين يريدون الاستهزاء من آيات القرآن، يقولون إن القرآن يصف الله على أنه «ماكر»، وبحسب مفهومهم للمكر، فإنه يعني الخبث، وبالنسبة لهم أيضًا أن الخبث يعني الخداع، خلط مرتبك يدل على الجهل الذي يعيش فيه هؤلاء.

أولًا المكر في اللغة العربية (راجع لسان العرب) يعني التخطيط، لهذا ورد في القرآن «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» أي اقتران الخير بالمكر (التخطيط) حين يرتبط بالله، على العكس، يرد في موضع آخر «اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ»، وهنا اقتران «السوء» بالتخطيط. والفرق واضح، فالله خير المُخطِّطين، أما الطغاة والمستكبرون في الأرض فأسوأ المخططين، فهم يُخططون ضد المستضعفين ولكن هذا التخطيط يصب ضدهم. أما فيما يخص الخبث فيعني في اللغة العربية هو الشيء الملَوِّث، فالخبائث عند العرب هي البول والغائط على سبيل المثال. أما الخداع فهو التدليس والتلاعب بحواس الشخص وذهنه وقلبه.

رابعًا، في الإسلام السبي يخص النساء والأطفال معا، وهم أهالي الجنود الأعداء المقتولين في المعركة، يأخذهم المسلمون معهم بعد نهاية المعركة، لتربيتهم على الإسلام والتزاوج معهم، فطارق بن زياد أمازيغي كان من الأطفال الذين سباهم المسلمون فأصبح قائدًا عظيمًا في التاريخ الإسلامي، وصفية بنت حيي بن الأخطب التي سباها الرسول محمد بعد أن طرد يهود النضير، غدت من «زوجاته» ومن أمهات المؤمنين والمؤمنات، فلو كان الرسول اغتصبها كما يحاول الاستشراقيون تصويره، هم وأذنابهم من عوالق الاستعمار، فلماذا تزوجها إذن؟ ولماذا ظلت زينب في بيته تحترمه وتُقدٍّره. وسأقدم هنا حوارا دار بين الرسول وزينب وباقي زوجاته، حتى سيتيبن لكم، هل هذا حوار مغتصب مع ضحيته، أم هو حوار بين زوج وزوجته، عن زيد بن أسلم قال: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي توفي فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حيي: «إني والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي». فغمزن أزواجه بأبصارهن، فقال: «مضمضن»، فقلن: «من أي شيء؟» فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة».

إذن، هدف السبي في الإسلام، هو هدف تربوي لإعادة بناء ذهنية غير المسلمين. وليس الاستمتاع بالنساء في الحرب كما تعمل الماكينا الثقافية الاستشراقية تصويره لتعمية أذهان الآخرين، وأنا لا أحترم من يحاول التعمية بنية مبيتة.

خامسًا، الإسلام منع منعا كليا اغتصاب النساء في الحرب، ولم يرد عن المؤرخين أبدا أية واقعة تورط فيها المسلمون في استباحة أعراض النساء، بدون أن ينتفض ضدهم الفقهاء وعلماء الإسلام، (هذا إن استثنيا القرامطة والإسماعليين المتطرفين من الباطنية)، على عكس الدول الغربية التي تتحدث عن حقوق المرأة في جهة بينما جنودهم يفعلون ما يحلو لهم في نساء الشعوب المستضعفة، وما حدث في غزو العراق (من طرف جنود الحلفاء) وأفغانستان وما تم توثيقه بالصور والفيديوهات لدليل على ما أقول، دون أن يُعاقب أي شخص منهم في المحكمة الجنائية.

إذن، المسألة هي مسألة تشويه أيديولوجي استشراقي يحاول الإجهاز على الثقافة الإسلامية وتصويرها كثقافة وحشية تحمل في جوفها تعاليم الهمج والقتل المتسلسلين، مع أن تعاليمها الأصيلة سبقت بمئات السنين التعاليم الحالية التي يتبجح بها عوالق الاستعمار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد