في كتابه عن «فلسفة التاريخ» وصف فريدريك هيغل الدعوة المحمدية بـ«ثورة الشرق». لقد كانت الدعوة التي قادها النبي خلال القرن 7م بحق ثورة، حيث كرس جهده أثناء حياته لتوحيد كل القبائل العربية التي كانت متحاربة ومتناحرة أيّام الجاهلية، فآخى بين الأوس والخزرج ثم بين الأنصار ككل وبين المهاجرين…إلخ.

فبدا بذلك أن الصراعات قد خمدت وتناست أو بالأحرى قد تنوسيت، وانصهرت جميعها تحت لواء واحد، وهو الأمة الإسلامية الواحدة التي «إذا اشتكى منها عضو تداعى لها سائر الجسد».

لكن ما يُنسى لا ينعدم وإنما يعيش حياة أخرى في منطقة اللاشعور -كما بين ذلك فرويد- على شكل مكبوتات قابلة للانفجار عند أدنى منبه.

فعلا هذا ما حدث، وقد كان ذلك المنبه هو السماع بمرض النبي -مرضه الأخير- اذ سارع عرب أطراف الجزيرة إلى ادعاء النبوة ومحاولة كل واحد مبايعة خليفة للنبي منهم، رافضين بذلك تأدية الزكاة، معتبرين إياها إتاوة (التي كانت القبيلة المغلوبة تؤديها للقبيلة الغالبة أيّام الجاهلية)، ثم عندما توفي النبي سارع الأنصار إلى السقيفة يريدون مبايعة واحد منهم أو على الأقل «منا أمير ومنكم أمير» كما عبر عنها أحدهم، وقد سارع المهاجرين بدورهم إلى السقيفة محاولين بذلك إقناع الأنصار بأن «الأئمة من قريش» …وما إلى ذلك من النزاعات التي تكشفت مباشرة بُعَيْد وفاة النبي.

ونحن إذ نذكّر بهذه الأحداث، فلأنها مهمة جدا لفهم ما حدث بعد، خاصة في تلك الفترة التي اصطلح على تسميتها بـ«الفتنة الكبرى» والتي يروي لنا عميد الآداب العربي طه حسين أحداثها بطريقة بليغة ومؤثرة في كتابه «الفتنة: عثمان علي وبنوه» وقد كانت هذه الفتنة من آكد الأسباب التي أدت إلى نشوء الفرق الإسلامية وتشعب الملل والنحل، بدأت هذه الفتنة في النصف الثاني من ولاية عثمان ومرت بولاية علي وانتهت بتولية معاوية الحكم في عام الجماعة، وهو الذي حول الحكم إلى «ملك عضوض» بتعبير ابن خلدون.

توقفت الفتنة، ولكن الفرق الإسلامية لم تتوقف عن التشعب والتكاثر، فإلى جانب الخوارج وأهل السنة والشيعة ظهر المرجئة والقدرية والمعتزلة والأشاعرة … وهلم جرا.

وما نريد أن نقف عنده هنا هم «المعتزلة» الذين وصفنا من قبل حركتهم بالمتنورة. فكيف ظهرت هذه الفرقة؟ وما هو تأثيرها في الثقافة العربية؟ وما هو الدور «التقدمي» الذي لعبته في التاريخ الإسلامي؟ وأخيرا كيف انتهى بها الأمر إلى أن أصبحت في يومنا هذا منسية وكأنها لم تكن؟

يُرجع بعض الباحثين -الذين تأثرو بموقف المستشرق كارلو نلينو- ظهور المعتزلة إلى ظهور الصراع بين علي ومعاوية، فكان من بين هؤلاء نَفَر من الناس اعتزلو الفتنة فسموا «معتزلة»، ولكن للشهرستاني والبغدادي رأي آخر إذ يرجعان ظهور المعتزلة إلى حادثة واصل ابن عطاء مع أستاذه الحسن البصري، حيث كان التلميذ وأستاذه في احدى الاجتماعات الفكرية عندما دخل عليهم رجل وطرح سؤال على الحسن البصري عن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أم كافر؟

وقبل أن يجيب الحسن هَمّٓ واصل واقفًا وأجاب: إنه ليس بكافر وليس بمؤمن وإنما هو في منزلة بين المنزلتين (أي فاسق)، فقال الحسن لقد اعتزلنا واصل، أي انفصل عن مذهبنا، ومن هنا أُطلق على واصل وأتباعه لقب المعتزلة.

إن السؤال عن مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن أو كافر؟ هو سؤال غير بريء بتاتًا إنه يعني هل الحق مع الخوارح أم مع الأمويين؟

لننظر قليلًا إلى هذه المسألة:

كان الخوارج من أتباع علي في حربه ضد معاوية، وقد وصفهم علي ذات مرة بـ«أعاريب بكر وتميم» لقد دفعوا بعلي للتحكيم وعندما قبل علي رفضوا وثاروا عليه، لماذا؟

لقد كان هؤلاء يطمحون أن يعين علي واحدًا منهم لكن وبعد تردد اختار علي أبا موسى الأشعري «وعندما أخذ الأشعث بن قيس يطوف على معسكر علي بكتاب التحكيم فهم «الناس»، أعني رجال القبائل، إن «التحكيم» قضية اليمنيين، فكان رد فعل قبائل بكر (من ربيعة) وتميم (من مضر) هو رفض التحكيم»(الجابري: العقل السياسي العربي ص 161 ط7).

فتبرؤوا من علي ومعاوية وحكموا عليهما بالكفر (قارن بين كل هذا وبين السؤال عن مرتكب الكبيرة الذي أوردناه أعلاه) ورفعوا شعار «لا حكم إلا لله».

ثم عندما انتصر معاوية في حربه ضد علي وانقلب الحكم إلى ملك عضوض بتعبير ابن خلدون، عمد الأمويون إلى تبرير شرعية حكمهم بالقضاء والقدر، مكرسين بذلك أيديولوجيا جبرية لا ترحم. فكان رد فعل المعتزلة إذن ردًا مزدوجًا، أي أنهم وقفوا في وجه الأيديولوجية التكفيرية الخارجية من جهة، ومن جهة أخرى وقفوا ضد أعمال الجور التي كان يمارسها الأمويون تحت غطاء القضاء والقدر، فكان المعتزلة بذلك معبرين عن حركة تنويرية تقدمية داخل المجتمع.

لقد كان للمذهب المعتزلي حظوة في المجتمع العباسي، خاصة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، إذ كانوا المعبرين الرئيسيين عن أيديولوجية الدولة، وكان في المعارضة الشيعة العلويين الذين تخلى عنهم بنو عمومتهم العباسيون، حيث رفضوا إشراكهم في السلطة رغم دورهم الكبير في إنجاح الثورة على الأمويين، وكان من المعارضين أيضًا فقهاء أهل السنة الذين بقوا على وفائهم للأمويين، ومن هنا كانت محنة «خلق القرآن» التي تعرض لها بعض الفقهاء المحسوبين على أهل السنة والجماعة، وأشهرهم الإمام أحمد بن حَنْبَل، هذه المِحنة التي كان ظاهرها دينيا يتعلق بالكلام في ذات الله وصفاته… لكن باطنها سياسي، وكأن لسان حالهم كان يقول إما أن تكون معنا أو مع الأمويين الذين ثرنا ضدهم.

وقد حدث هذا في مجتمع لم تكن فيه المفاهيم السياسية قد استقلت بنفسها ولم تؤسس بعد حقلها الخاص، فكان الكلام في السياسة معناه الكلام في العقيدة، وهذا ما نريد أن نبينه من خلال تحليل الأصول الخمسة التي وضعها المعتزلة.

يلاحظ المرء بادئ ذي بدء أن هذه الأصول تتعلق أساسًا بما يسمى «علم الكلام» أي الكلام في ذات الله وصفاته، فيعتقد أنه كلام عقدي مجرد لكن ما إن نحلل هذه العقائد حتى نكتشف أن وراءها دوافع سياسية خفية، لنبدأ بالأصل الأول من أصول المعتزلة وهو التوحيد ما المقصود بالتوحيد عند المعتزلة؟

عبر المعتزلة عن أصل التوحيد كما يلي: «إن الله لا يوصف بالعلم بالقدرة والإرادة والحياة» كما يوصف بها البشر أي يجب أن ننزه الله عن أي تشبيه بالمخلوقات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على بطلان دعوى الأمويين بأنهم استولوا عَلى الحكم بسابق علم الله. إن طرح الأمويين لمفهوم القضاء والقدر بهذا الشكل يطرح أمامنا مشكلة أخرى، وهي إذا كان ما يفعله الإنسان هو في سابق علم الله، فإنه إذن مجبور على أفعاله -وهذا ما كان يقوله الأمويون- لكن السؤال هنا إذا كان الإنسان مجبر على أفعاله فلماذا يحاسبه الله عليها؟ هذا هو السؤال الذي طرحه المعتزلة فكان بذلك تأسيسا لأصلهم الثاني أي العدل والقائم على «نفي الظلم عن الله» أي أن الله لا يجبر أحدًا على فعل شيء ثم يعاقبه عليه، وبالتالي قالوا بقدرة الإنسان على خلق أفعاله وأنه حر ومسؤول عن أفعاله.

أما الأصل الثالث فهو مرتبط بالوعد والوعيد، أي أن الله لن يخلف وعده من عقاب وجزاء.

في حين الأصل الرابع وهو المنزلة بين المنزلتين: جاء أساسا رد فعل على الأيديولوجية الخارجية (انظر ما قلناه عن الخوارج أعلاه).

وأصلهم الخامس والأخير الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مبدأ إسلامي معروف وقد قصد به المعتزلة الأمر بأصولهم المذكورة والنهي عن ما يخالفها.

لقد اشتهر المعتزلة في زمانهم بتقديمهم للعقل على النقل، عملًا بالمبدأ القائل «العقل قبل ورود السمع» وأنجبوا في فترة قصيرة أدباء وفلاسفة وعلماء كبار، لعل أشهرهم الجاحظ صاحب كتاب «البيان والتبين» والقاضي عبد الجبار، وقد أغنى المعتزلة الثقافة العربية بالأدب والعلم، ولكن نهايتهم كانت بعد الانقلاب السني مع الخليفة المتوكل، وكما عملوا هم على ملاحقة أهل السنة في ما يعرف بمحنة خلق القرآن عمل أهل السنة بدورهم -بعد انقلاب المتوكل- على الانتقام من المعتزلة فكانت الفتاوى التي كفرتهم وأباحت دمهم، والتي تجسدت في «البيان القادري»، هذه الفتوى التي كانت تقرأ في كل المساجد، وَمِمَّا جاء فيها أنه من قال بخلق القرآن فدمه حلال.

لقد جندت الدولة المعتزلة، وضربت بهم المعارضة من سنة وشيعة، ولما لم تعد في حاجة إليهم تخلت عنهم واستنجدت بأهل السنة -لاستمالة الرأي العام إلى جانبها ضد الأتراك، الذين كانوا آخذين في التوسع على حساب العباسيين- لتضرب بهم من جديد المعارضة المعتزلية والشيعية، إنه منطق الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد