يترامى إلى أسماعنا كثيراً مصطلح ” المثقف المسلم ” أو الديني عموماً، ولكن هل وقفنا لحظة لنعرف ما هو المثقف أصلاً وهل في سياق تعريفه تستقيم تسمية أحدهم المسلم، أو الديني عموماً، بالمثقف؟ .. لنتابع إذن صعوداً لنرى.

 

 

ما المثقف؟

إذا نظرنا إلى مادّة “ثَقِفَ” في المعجم الوسيط وجدنا أنها تعني “صار حاذقاً فطناً” و”الثقافة” تعني “العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها” ولمّا كان الأمر منعقدٌ مدارُهُ على الفطنة والحذاقة كان المثقّف مقدّماً للعقل على العاطفة والأهواء الشخصية: فهو متجرّد ومطارد للحقيقة، والحقيقة وحدها ولكي يحدث ذلك فلابد ألّا ينطلق المثقف في بحثه من قناعات مسبقة تحدد أُطُرَ بحثه عن تلك الحقيقة المنشودة وباختصار هو شخص عقلانيّ.

 

تتعدد تعريفات المثقف وتضيق أو تتسع بحسب معّرفيها أو بحسب السياقات التي تتم صياغة التعريفات بداخلها
إلا أننا نجد اثنين من أكثر التعريفات عموماً فنجد، مثلاً، جان بول سارتر يخبرنا أن المثقف هو
“…شخصٌ يتدخل فيما لا يعنيه”.

 

ثم نجد تعريفاً أكثر تفصيلاً لإدوارد سعيد عن أن المثقف “شخصٌ قادرٌ على إخبار الحقيقة وهو فردٌ شجاعٌ وغاضب؛ حيث لا قوة أرضية بالنسبة له كبيرةٌ كفاية ولها مهابة تمنعها من الانتقاد وهو تحديداً المختار لتلك المهمة”، ثم يستطرد قائلاً “المثقف الحقيقيّ هو، ومن ثَمّ، دائماً غريب، يعيش في منفىً مفروض على النفس وعلى هامش المجتمع” ثم يختتم قائلاً “هو أو هي يتحدث إلى، كذا يتحدث عن، العامّة وبالضرورة علناً، وهو بقوة في جانب المشرَّدين والغير مُمَثَّلين والمنسيين”.

 

وفي العموم نستنتج من هذين التعريفين أن المثقّف يتحوّل إلى الضمير متجسّداً في إنسان وهو غير ملزَم بالتقيد بأي سلطة أرضية، وهو ينزع إلى التحدّث عما يراه صحيحاً بدون وضع أي اعتبار للرأي السائد أو لقوة معتنقيه.

 

وبالنظر إلى السياق التاريخي الذي نشأ فيه مفهوم المثقف  نجد أنه سياق عصر النهضة وما تلاه صعوداً إلى العلمانية ابنته وربيبته والتي في كنفها ترعرع مفهوم المثقف ونما.

 

ومما سبق، يصبح لزاماً على المثقف ألا تكون له مرجعية ثابتة غيرَ مُطَارَدَةِ الحقيقةِ، ومن ثمّ يمكن له أن يناقض نفسه على مدار حياته كونه لا يعتنق ما يعتقد فيه اعتناقاً أيديولوجياً دوجمائياً وفي ذلك نجد مقولة الفيلسوف الشهير برتراند راسل “لن أموت أبداً في سبيل معتقداتي لأنني قد أكون مخطئاً” وكذا فيلسوف القوة نيتشه الذي لم يخرج عن هذا المعنى أيضاً، وإن كان بتعبير أشد قسوة، بقوله “الإيمان هو عدم إرادة معرفة الحقيقة”.

 

 

مثقف دينيّ؟

إذا كان المثقف كمفهوم قد نشأ في كنف العلمانيّة وإذا وجدنا أن المثقف الحقيقي، ولكي يكون على الدوام مراقباً وناقداً للمجتمع ومكوناته وكل ما يتعلّق به، لابد ألا ينطلق من أي مرجعية أو تحيّزات مسبقة وبالتالي لا بد له من أن يتحرر من كل قيد يحدد له مساره أو أطر بحثه وسعيه من أجل الحقيقة والعمل على نشرها والجهر بها بلا حساب أو اعتبار لرأي الأغلبية ومن ثمّ فإنّ مفهوم المثقف الديني يصير متناقضاً في حد ذاته.

 

يشير إلى ذلك إدوارد سعيد، وهو أكثر من تناول هذا الموضوع، في كتابه “صور المثقف” في موضعين، على الأقل، وفي أحدهما وفي محاولته للإجابة على سؤال “…كيف يقول المرء الحق؟ وأيّ حق؟ ولمن، وأين؟” يقول “ففي العالم العلمانيّ – عالمنا نحن، ذلك العالم التاريخي والاجتماعي الذي صنعه الجهد البشريّ – لا تتوافر للمثقّف سوى وسائل علمانية ليعمل بها. أمّا الوحي والإلهام، برغم كونهما معقولين تماماً كأسلوبين للفهم في الحياة الخاصّة، فإنّهما كارثتان إذا ما سعى المثقّف إلى التنظير بموجبهما” ثم يعقّب قائلاً “، وبالفعل، فأنا مستعدّ لأذهب أبعد من ذلك وأقول إنّ على المثقّف الانهماك في نزاع مستمر مدى الحياة مع جميع الأوصياء على الرؤيا المقدّسة أو النص المقدّس، الذين مغانمهم غفيرة وظلمهم لا يطيق أي اختلاف في الرأي”.

 

ثم نجده أيضاً، في فصلٍ لاحق، يقول “فعلى المثقف أن يتجوّل، ويجب أن يتوافر له المجال ليقف ويردّ على السُلطة بفظاظة، لأنّ التبعية العمياء للسُلطة في عالم اليوم هي أحد أفدح الأخطار التي تهدد كينونة حياة فكريّة أخلاقيّة نشطة.”

 

ثم يستكمل قائلاً “لكنّ تصدي المرء لهذا الخطر بمفرده أمرٌ صعب، والأصعب حتى من ذلك هو إيجاد طريقة لتكون متمشّياً مع معتقداتك، وتبقى في الوقت نفسه طليقاً بما فيه الكفاية كيْ تنمو، أو تغيّر رأيك، أو تكتشف أموراً جديدة، أو تعيد اكتشاف ما وضعته ذات يوم جانباً. ”

 

ثمّ أخيراً يقول “… لكنّ الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنجاز على الإطلاق تكمن في تذكير نفسك دوماً بأنّك أنت القادر، كمثقف، على الاختيار بين أن تمثّل الحقيقة بفاعلية على خير ما تستطيع، وبين أن تسمح بإذعانٍ لِوَلِيّ أمرٍ أو سلطةٍ بتوجيهك. ووفقاً للمثقّف العلماني، فإنّ هذه الآلهة تفشل دوماً.”

 

إذن فمهوم المثقف ينضح بعلمانيته التي نشأ فيها ومعلوم أن العلمانية، وبغض النظر عمّا أصابها من غلوّ لاحق، قد نشأت أصلاً في مواجهة السلطات المطلقة للأوصياء على الرؤى والنصوص المقدّسة وفي بعض الأحيان واجهت النصوص المقدّسة نفسها ولأجل ما سبق ذكره آنفاً نجد أنه لا ينفك الشخص ذو الخلفية الدينية عن أن يكون ناقداً، وفي أقصى درجاته وأكثرها تطرفاً، للرؤى الدينية السائدة ذات الأغلبية دون انتقاد النص المقدّس ذاته وهذا بالطبع ما لا تتحمله العلمانية ولا يتحمّله المثقف العلماني والذي هو “المثقّف” بألف ولام التعريف ولا يسع الحضارة الإسلامية والعربية إلا النهوض وإنعاش رافدها الذي أصابه الجفاف، والذي كان من أكبر الروافد في نهر الحضارة البشرية، واستيعاب الجديد وهضمه، ثمّ الزيادة عليه وتقديم الأحدث؛ ليصبح لدى حضارتنا الحق في إعادة تعريف مفهوم المثقف بما يسمح ويتوافق مع وجود المرجعيّة الدينية أو في إيجاد مصطلح جديد كليّاً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المعجم الوسيط – مادّة "ثقف"
صور المثقف – إدوارد سعيد
السلطة والسياسة والثقافة – إدوارد سعيد
Intellectuals in Politics: From the Dreyfus Affair to Salman Rushdie
عرض التعليقات
تحميل المزيد