ﻳﻘﻮﻝ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﻣﺘﺤﺪﺛًﺎ ﻋﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ:

ﻣﺠﺪﻛﻢْ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽِ ﻻ ﺗﺼﻨﻌﻪ

ﺟﺜﺚٌ ﺗﺴﻜﻦُ ﻓﻲ ﺟﻮﻑ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ

ﻓﺨﺬﻭﺍ ﺃﻗﺪﺍﺭﻛﻢ ﻭﺍﺳﺘﺒﻘﻮﺍ

ﻭﺃﺻﻌﺪﻭﺍ ﺃﻧﺘﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﺮ

ﻛﻞَّ ﺃﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻢ ﺗﻤﺮ ﺑﻬﺎ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﺧﻤﻮﻝٍ ﻭﻧﻜﺒﺔُ ﺭﻭﺡٍ ﻭﺫﻟﺔُ ﻗﻠﻮﺏٍ ﻭﻫﻮﺍﻥُ ﺃﻧﻔﺲٍ ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺭﻏﻢ ﺍﻟﻮﻫﻦ ﻟﻦ ﺗﻔﻘﺪ ﻣﻦ ﻳﺤﻴﻲ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻟﻦ ﺗﻨﻌﺪﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﺍاﻧﺤﻄﺎﻁ ﻓﻘﺪ ﻗﻀﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﺒﻘﺎﺀ ﺭﻭﺡ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﻠﻴﻠﺔ: ﻛَﻢ ﻣِّﻦ ﻓِﺌَﺔٍ ﻗَﻠِﻴﻠَﺔٍ ﻏَﻠَﺒَﺖْ ﻓِﺌَﺔً ﻛَﺜِﻴﺮَﺓً ﺑِﺈِﺫْﻥِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ۗ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣَﻊَ ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ ‏(ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ 249‏).

ﻧﺘﺤﺪﺙ ﻫﻨﺎ ﻋﻦ ﺁﻳﺔ ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻣﻦ ﺁﻳﺎﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺍﻟﻤﺴﻄﻮﺭ ﻭﻳﺪﻋﻤﻬﺎ ﻭﺍﻗﻊ ﻣﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﻛﻮﻧﻪ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﺭ ﻓﻨﺺ ﺍﻟﻮﺣﻲ ﻳﺨﺘﻠﻂ ﺑﺴﻨﻦ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭﻳﻤﺘﺰﺝ ﺑﻤﺴﻠﻚ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﺩﻭﻣًﺎ ﺩﻭﻥ ﺗﺨﻠﻒ ﺃﻭ ﺗﺨﺎﺫﻝ، ﻭﻫﺬﻩ ﺍآﻳﺔ ﺗﻤﺜﻞ ﻣﻔﺮﻗًﺎ ﻟﻠﻄﺮﻳﻖ ﻭﺗﻤﺜﻞ ﺑﻮﺻﻠﺔ ﺗﻮﺟﻪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺘﻮﻫﺎﻥ ﻓﻲ ﻇﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺬﻝ ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻟﻈﻼﻝ ﺍﻟﺒﺬﻝ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻫﺪﺓ ﻟﺘﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺘﺮﺩﻱ.

ﺇﻥ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﺃﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻢ ﻭﺇﻥّ ﻟﻬﻢ ﺃﺣﺪﺍﺛًﺎ ﻭﻗﺼﺼًﺎ ﻣﻊ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ اﻣﺘﻸ ﺑﻬﺎ ﻧﺺ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﻫﻨﺎ ﻗﺪ ﺃﻣﺮﻫﻢ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﺪﺧﻮﻝ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺧﺎﺋﻔﻴﻦ ﺍﻧﺘﺎﺑﻬﻢ ﺍﻟﺬﻝ ﻭﻋﺮﺑﺪ ﻓﻴﻬﻢ ﺍﻟﺠﺒﻦ، ﺧﺎﺋﻔﻴﻦ ﻣﻦ ﻗﻮﻡ ﺟﺒﺎﺭﻳﻦ ﻇﺎﻟﻤﻴﻦ ﻣﺴﺘﺒﺪﻳﻦ، ﻓﺬﻛﺮﻫﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﻨﻌﻤﺘﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻭﺗﻜﺮﻳﻤﻬﻢ ﺑﺎﻷﻧﺒﻴﺎﺀ، ﻭﺭﻏﻢ ﺫﻟﻚ ﻇﻠﻮﺍ ﻓﻲ ﺧﻮﻓﻬﻢ ﻭﻟﻢ ﻳﺴﺘﺤﻀﺮﻭﺍ ﺍﻹﻣﻜﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﻜﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺭﻭﺣﻬﻢ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﻫﻠﻬﻢ ﻟﻺﺻﻼﺡ ﻭﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﺮﺷﺪ ﻭﺍﻟﺤﻜﻢ ﺑﺎﻟﻌﺪﻝ ﻭﺗﻨﺰﻳﻞ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻤﻤﻠﺆﺓ ﺑﺎﻟﻈﻠﻢ ﻭﺍﻟﻔﺴﺎﺩ، ﻟﻜﻨﻬﻢ ﺭﻏﻢ ﺫﻟﻚ، ﻭﺭﻏﻢ ﻣﺎ ﻳﻌﻴﺸﻮﻩ ﻣﻦ ﺗﺮﺍﻛﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺬﻟﺔ ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻗﺪ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻴﻬﻢ ﺭﺟﻼﻥ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﻮﺓ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻣﺎ ﻳﻔﺘﺢ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﺍﻵﻓﺎﻕ، ﻭﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻣﺎ ﻳﺒﻌﺚ ﺍﻷﻣﻢ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺮﻛﻮﺽ ﻭﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺨﺮﺝ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻣﻦ ﻗﻔﺺ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺠﻬﻮﻝ ﻭﺧﻮﺽ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﻤﺸﺎﻛﻠﻬﺎ ﻭﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﻋﻘﺪﺓ ﺍﻟﻨﻘﺺ، ﻭﻛﺎﻥ ﻟﻬﺎﺫﻳﻦ ﺍﻟﺮﺟﻠﻴﻦ ﻗﺪﺭﺓ ﻭﺳﻂ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻄﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻻ ‏(ﺍﺩﺧلﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻓﺈﺫﺍ ﺩﺧﻠﺘﻤﻮﻩ ﻓﺈﻧﻜﻢ ﻏﺎﻟﺒﻮﻥ‏).

ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻭَﺇِﺫْ ﻗَﺎﻝَ ﻣُﻮﺳَﻰٰ ﻟِﻘَﻮْﻣِﻪِ ﻳَﺎ ﻗَﻮْﻡِ ﺍﺫْﻛُﺮُﻭﺍ ﻧِﻌْﻤَﺔَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻋَﻠَﻴْﻜُﻢْ ﺇِﺫْ ﺟَﻌَﻞَ ﻓِﻴﻜُﻢْ ﺃَﻧﺒِﻴَﺎﺀَ ﻭَﺟَﻌَﻠَﻜُﻢ ﻣُّﻠُﻮﻛًﺎ ﻭَﺁﺗَﺎﻛُﻢ ﻣَّﺎ ﻟَﻢْ ﻳُﺆْﺕِ ﺃَﺣَﺪًﺍ ﻣِّﻦَ ﺍﻟْﻌَﺎﻟَﻤِﻴﻦَ ‏(20‏) ﻳَﺎ ﻗَﻮْﻡِ ﺍﺩْﺧُﻠُﻮﺍ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽَ ﺍﻟْﻤُﻘَﺪَّﺳَﺔَ ﺍﻟَّﺘِﻲ ﻛَﺘَﺐَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻟَﻜُﻢْ ﻭَﻟَﺎ ﺗَﺮْﺗَﺪُّﻭﺍ ﻋَﻠَﻰٰ ﺃَﺩْﺑَﺎﺭِﻛُﻢْ ﻓَﺘَﻨﻘَﻠِﺒُﻮﺍ ﺧَﺎﺳِﺮِﻳﻦَ ‏(21‏) ﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﻳَﺎ ﻣُﻮﺳَﻰٰ ﺇِﻥَّ ﻓِﻴﻬَﺎ ﻗَﻮْﻣًﺎ ﺟَﺒَّﺎﺭِﻳﻦَ ﻭَﺇِﻧَّﺎ ﻟَﻦ ﻧَّﺪْﺧُﻠَﻬَﺎ ﺣَﺘَّﻰٰ ﻳَﺨْﺮُﺟُﻮﺍ ﻣِﻨْﻬَﺎ ﻓَﺈِﻥ ﻳَﺨْﺮُﺟُﻮﺍ ﻣِﻨْﻬَﺎ ﻓَﺈِﻧَّﺎ ﺩَﺍﺧِﻠُﻮﻥَ ‏(22‏) ﻗَﺎﻝَ ﺭَﺟُﻠَﺎﻥِ ﻣِﻦَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻳَﺨَﺎﻓُﻮﻥَ ﺃَﻧْﻌَﻢَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻤَﺎ ﺍﺩْﺧُﻠُﻮﺍ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢُ ﺍﻟْﺒَﺎﺏَ ﻓَﺈِﺫَﺍ ﺩَﺧَﻠْﺘُﻤُﻮﻩُ ﻓَﺈِﻧَّﻜُﻢْ ﻏَﺎﻟِﺒُﻮﻥَ ۚ ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻓَﺘَﻮَﻛَّﻠُﻮﺍ ﺇِﻥ ﻛُﻨﺘُﻢ ﻣُّﺆْﻣِﻨِﻴﻦَ ‏(23‏) ﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﻳَﺎ ﻣُﻮﺳَﻰٰ ﺇِﻧَّﺎ ﻟَﻦ ﻧَّﺪْﺧُﻠَﻬَﺎ ﺃَﺑَﺪًﺍ ﻣَّﺎ ﺩَﺍﻣُﻮﺍ ﻓِﻴﻬَﺎ ۖ ﻓَﺎﺫْﻫَﺐْ ﺃَﻧﺖَ ﻭَﺭَﺑُّﻚَ ﻓَﻘَﺎﺗِﻠَﺎ ﺇِﻧَّﺎ ﻫَﺎﻫُﻨَﺎ ﻗَﺎﻋِﺪُﻭﻥَ ‏(24) ﻗَﺎﻝَ ﺭَﺏِّ ﺇِﻧِّﻲ ﻟَﺎ ﺃَﻣْﻠِﻚُ ﺇِﻟَّﺎ ﻧَﻔْﺴِﻲ ﻭَﺃَﺧِﻲ ۖ ﻓَﺎﻓْﺮُﻕْ ﺑَﻴْﻨَﻨَﺎ ﻭَﺑَﻴْﻦَ ﺍﻟْﻘَﻮْﻡِ ﺍﻟْﻔَﺎﺳِﻘِﻴﻦَ ‏(25) ﻗَﺎﻝَ ﻓَﺈِﻧَّﻬَﺎ ﻣُﺤَﺮَّﻣَﺔٌ ﻋَﻠَﻴْﻬِﻢْ ۛ ﺃَﺭْﺑَﻌِﻴﻦَ ﺳَﻨَﺔً ۛ ﻳَﺘِﻴﻬُﻮﻥَ ﻓِﻲ ﺍﻟْﺄَﺭْﺽِ ۚ ﻓَﻠَﺎ ﺗَﺄْﺱَ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟْﻘَﻮْﻡِ ﺍﻟْﻔَﺎﺳِﻘِﻴﻦَ ‏(ﺍﻟﻤﺎﺋﺪﺓ 26).

ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺩﺍﺋﻤًﺎ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺍﻟﻤﻴﺘﺔ ﻣﻊ ﺃﻗﻮﺍﻣﻬﺎ ﻣﻦ ﺃﻭﻟﻲ ﺍﻟﻌﺰﻡ ﻭﻗﺎﺩﺓ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻌﻮﻥ ﻟﺮﻓﻌﺘﻬﺎ ﻭﻋﺰﺗﻬﺎ، ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻗﻮﻡ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺫﻟﺔ ﻭﻣﺴﻜﻨﺔ ﻭﻋﺒﻮﺩﻳﺔ ﻭﺧﻮﻓًﺎ، ﺃﻣﺎ ﺃﺻﺤﺎﺏ ‏(ﻓﺎﺩﺧلﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﺏ‏)، ﻓﻬﻢ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻹﻗﺪﺍﻡ ﻭﺍﻫﻞ ﺍﻟﻌﺰﺓ ﻭﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﺗﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻌﺒﺎﺩ ﻣﻦ ﺭﺑﻘﺔ ﺍﻟﺠﺒﺎﺭﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﺒﺪﻳﻦ، ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻄﻐﻴﺎﻥ ﻟﻴﺨﺸﻰ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺎﺅﻻﺀ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﻠﺔ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﻳﺒﻌﺜﻮﻥ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﻫﻢ ﻓﺨﺮ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﻭﻛﻢ ﺻﺪﻕ ﺳﻴﺪ ﻗﻄﺐ ﻟﻤّﺎ ﻗﺎﻝ: ﺍﻟﻄﻐﻴﺎﻥ ﻻ ﻳﺨﺸﻰ ﺷﻴﺌًﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﺨﺸﻰ ﻳﻘﻈﺔ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻭﺻﺤﻮﺓ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ، ﻭﻻ ﻳﻜﺮﻩ ﺃﺣﺪًﺍ ﻛﻤﺎ ﻳﻜﺮﻩ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻮﻋﻲ ﻭﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﻭﻻ ﻳﻨﻘﻢ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺪ ﻛﻤﺎ ﻳﻨﻘﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻬﺰﻭﻥ ﺍﻟﻀﻤﺎﺋﺮ ﺍﻟﻐﺎﻓﻴﺔ.

ﻣﺎ ﺃﺭﻓﻊ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﻟﻤﺎ ﺷﺪﺍ ﻗﺎﺋًﻼ:

ﻣﺎﻟﻲ ﺃﺭﻯ ﺩﻧﻴﺎﻙَ ﺩﻧﻴﺎ ﻛﺎﻫﻦٍ

ﻭﺃﺷﻢُّ ﻣﻦ ﺁﺩﺍﺑﻚ ﺍﻟﻜﻬﻨﻮﺕَ

ﻫﺬﻩ ﻧﻬﺎﻳﺔُ ﻛﻞِّ ﺷﻌﺐ ﺃﻭﺷﻜﺖْ

ﺃﻳﺎﻣﻪ ﺃﻥ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻭﻳﻤـﻮﺕَ

ﺇﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻵﻳﺔ (اﺩﺧلﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻓﺈﺫﺍ ﺩﺧﻠﺘﻤﻮﻩ ﻓﺈﻧﻜﻢ ﻏﺎﻟﺒﻮﻥ) ﺗﻤﺜﻞ ﻣﻨﻬﺎﺟًﺎ ﻭﻣﺴﻠﻜًﺎ ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺑﺮﻣﺘﻬﺎ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﻣﺨﺘﺼﺔ ﺑﻈﺮﻑ ﻓﻲ ﺣﺮﺏ، ﻭﺇﻥ ﺍﻟﻤﺘﺄﻣﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﻳﺪﺭﻙ ﻛﻴﻒ ﻳﺮﻳﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﺒﻌﺚ ﺍﻷﻣﻢ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻳﺨﺮﺝ ﺍﻟﺤﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻴﺖ، ﻭﻛﻢ ﺗﻌﻴﺶ ﺍﻷﻣﻢ ﻣﻦ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﺍﻟﻮﻫﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻫﺬﺍ ﻟﻜﻨﻬﺎ ﻟﻦ ﺗُﻌﺪﻡ ﻣﻦ ﻳﻘﻮﻝ: ﺍﺩﺧﻠﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻓﺈﺫﺍ ﺩﺧﻠﺘﻤﻮﻩ ﻓﺈﻧﻜﻢ ﻏﺎﻟﺒﻮﻥ، ﻭﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻫﻦ ﻭﺍﻟﺬﻟﺔ ﻓﺈﻥ ﺑﺬﻭﺭًﺍ ﻣﻦ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺳﺘﺒﻌﺜﻬﺎ ﻭﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻐﺖ ﺍﻷﻣﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻛﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﻣﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﻀﻤﺎﺋﺮ ﺍﻟﻴﻘﻈﺔ ﺳﻴﻈﻠﻮﻥ ﻣﺸﺎﻋﻞ ﻣﻀﻴﺌﺔ ﻻ ﺗﻨﻄﻔﺊ ﻣﻬﻤﺎ ﺗﺮﺍﻛﻢ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺍﻧﺘﻔﺶ.

ﻭﻛﻞ ﺃﻣﺔ ﺃﺻﺎﺑﺘﻬﺎ ﺍﻟﺬﻟﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺗﺪﺧﻞ ﺍﻟﺒﺎﺏ، ﺑﺎﺏ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﻭﺗﻜﺴﺮ ﺟﺪﺍﺭ ﺍاﺳﺘﺒﺪﺍﺩ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﺮﻳﺤﺔ، ﻭﺇﻥ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺍﻟﻮﺍﻫﻨﺔ ﺗﺘﺼﻮﺭ ﺃﻥ ﺍﻟﻄﻮﺍﻏﻴﺖ ﺃﻗﻮﻳﺎﺀ ﻟﻴﺲ ﻟﻘﻮﺓ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﻮﺍﻏﻴﺖ، ﺑﻞ ﻷﻥ ﺃﻓﺌﺪﺓ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻓﺮﻏﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺧﺎﻓﺖ ﻣﻦ ﺳﻄﻮﺓ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻬﺰﻳﻠﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺰﻥ ﻣﺜﻘﺎﻝ ﺫﺭﺓ ﻓﻲ ﻣﻠﻚ ﺍﻟﻠﻪ، ﻭﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺳﻴﺪ ﻗﻄﺐ: ﺇﻥ ﺍﻟﻤﺴﺘﻀﻌﻔﻴﻦ ﻛﺜﺮﺓ ﻭﺍﻟﻄﻮﺍﻏﻴﺖ ﻗﻠﺔ، ﻓﻤﻦ ﺫﺍ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺨﻀﻊ ﺍﻟﻜﺜﺮﺓ ﻟﻠﻘﻠﺔ؟ ! ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺨﻀﻌﻬﺎ ﺿﻌﻒ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﻭﺳﻘﻮﻁ ﺍﻟﻬﻤﺔ ﻭﻗﻠﺔ ﺍﻟﻨﺨﻮﺓ ﻭﺍﻟﺘﻨﺎﺯﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﻜﺮﺍﻣﺔ.

ﺇﻥ ﻛﻞ ﺣﻀﺎﺭﺓ ﻣﺸﻬﻮﺩﺓ ﻻ ﺗﺒﺪﺃ ﺇﻻ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﺼﻨﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻤﺖ ﺭﻭﺣﻪ ﻋﻦ ﺣﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﺗﻌﻠﻘﺖ ﺑﺈﻧﺴﺎﻧﻴﺘﻬﺎ ﻭﻛﺮﺍﻣﺘﻬﺎ، ﻭﻛﻞ ﻧﻬﻀﺔ ﺗﺒﺪﺃ ﺑﺘﻀﺤﻴﺔ ، ﻭﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺧﻠﺪﺗﻪ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ ﻫﻢ ﺍﻷﺑﻄﺎﻝ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻀﺤﻮﻥ ﻭﻳﺒﺬﻟﻮﻥ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﺘﻔﺎﺕ ﻟﻔﺘﺎﺕ ﺍﻷﺭﺽ ﻭﻣﺘﺎﻋﻬﺎ ﺍﻟﺰﺍﺋﻞ ﺍﻟﻤﺤﺪﻭﺩ، ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻨﺼﺔ ﻟﻜﻞ ﻧﻬﻀﺔ ﺣﻀﺎﺭﻳّﺔ ﻓﻴﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﻛﻞ ﺃﻣﺔ ﻗﺪ ﺃﺿﻨﺎﻫﺎ ﺍﻟﻀﻴﺎﻉ ﻭﺳﻴﻄﺮﺕ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺬﻟﺔ ﺃﻥ ﺗﻌﻤﻞ ﺃﻭًﻻ ﺑﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻹﻗﺪﺍﻡ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺃﻥ ﺗﺘﺒﻊ ﻓﻠﺴﻔﺔ (اﺩﺧﻠﻮﺍ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺒﺎﺏ)، ﺃﻱ ﺃﻥ ﺗﺘﻮﻛﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻤﻮﺕ ﻭﺗﺒﺪﺃ ﺳﻴﺮﻫﺎ ﻟﻠﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺗﺴﺘﺪﺭﻙ ﻓﻲ ﺧﻄﺎﻫﺎ ﺃﻧﻪ ﻻ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺗﻀﺤﻴﺔ ﻭﻓﺪﺍﺀ.

ﻭﻛﻢ ﺻﺪﻕ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﻭﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ ﻣﺤﻤﺪ ﺇﻗﺒﺎﻝ ﺑﻘﻮﻟﻪ:

ﺇﻥ ﺍﻟﺸﺠﺎﻉ ﻳﺨﻮﺽ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻣﻘﺘﺤﻤًﺎ

ﻛﺄﻧﻤﺎ ﺍﻟﻤﻮﺝ ﺃﺯﻫﺎﺭ ﻭأﺩﻭﺍﺡُ

ﻭﻣﻮﺟﺔُ ﺍﻟﻨﻬﺮ ﻓﻲ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺠﺒﺎﻥ ﺑﻬﺎ

ﻏﻮﻝٌ ﻭﺣﻮﺕٌ ﻭﺗﻨﻴﻦٌ ﻭﺗﻤﺴﺎﺡُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد