التظليل سمة ثابتة ودائمة وجوهرية للأنظمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط. والعراق جزء من منظومة التظليل. هنا يبرز أمامنا سؤال جوهري يطرح نفسه: لماذا تلجأ الأنظمة إلى سياسة التظليل؟

 

 

 

ألأنها لا تثق بقدرات شعوبها العقلية؟ أم لأنها تخشى أن تجنب شعوبها وجع الرأس وتريد هي وحدها أن تتحمل المسؤولية بكل أعبائها؟ أم لأن السلطة تصيب الحكام بالعمى كلما طالت مدة بقائهم في الحكم فيعجزون عن رؤية  الأشياء والحقائق خارج حدود القصر الرئاسي؟

 

 

 

 

كل هذه الترجيحات وغيرها واردة، وهناك ما هو أكثر سوءًا وما لا يمكن لأحد أن يتمكن من الاطلاع عليه إلا بعد سقوط النظام، عندها ينكشف المستور بفعل ما كان متبعًا من سياسات التظليل.

 

 

 

غياب الشفافية

 

اعتادت الأنظمة أن لا تكون هناك شفافية بينها وبين شعوبها في معظم الشؤون العامة، خاصة تلك التي تتعلق بحياة ومستقبل الناس والبلاد، فكل شيء يجري خلف الكواليس، وكأنه أمر شخصي، وليس من حق المجتمع أن يطلع عليه، وأن يعرف أسراره وتفاصيله، وكأنّه أمر عائلي يخص الحاكم وشرفه العائلي وليس شرف البلاد والعباد، ولا شأن للناس هنا أن تحشر أنفها فيما لا يعنيها ولا أن تطلع عليه.

 

 

 

فأن تُعقد اتفاقيات وصفقات وتحالفات سياسية مع هذا البلد أو ذاك  دون أن يكون للشعب أو ممثليه رأي فيها أو أن يطلعوا عليها  وعلى تفاصيلها رغم كل الملاحظات والتقارير الدولية التي تؤكد وحشية الأنظمة التي تحكم تلك البلدان في تعاملها مع شعوبها،

 

 

 

 

 

فهذا يعني أن هناك سياسة قائمة على التظليل يتم تمريرها على الناس تخفي وراءها أهدافًا، لن تجني من ورائها البلاد فائدة تخدم استقرارها ومستقبلها، وإلا لماذا تتم الاتفاقات بسرية دون أن تكون مكشوفة أمام المؤسسات الحكومية المعنية بمراقبة ومتابعة عمل الحكومة كالبرلمان مثلا، أو الأحزاب والقوى المشاركة في الحكم؟

 

 

 

 

 

 

فجأة ينقلب الخطاب الإعلامي للنظام الحاكم ضد تلك الدول التي عقدت معها تلك الاتفاقات السرية من غير أن نعرف الأسباب، ليصبح الأصدقاء الحلفاء أعداء! كيف انقلبت الأوضاع بين ليلة وضحاها من صورة إلى نقيضها؟ لا أحد يعلم، ولا أحد يمكنه أن يعلم، ولا أحد من المسؤولين يخرج على الناس ليوضح ما التبس عليهم.

 

 

 

 

 

 

من وجهة نظر الحاكم يبدو وكأن هذا التحول من اللون الأبيض إلى الأسود مسألة طبيعية جدا ولن تنعكس بنتائجها السيئة على الحياة العامة!

 

 

 

 

التواريخ شاهد إثبات

 

الأمثلة هنا في العراق كثيرة جدًا سواء قبل العام 2003 أو بعده، فلا فرق بين الأزمنة هنا، إذ لا تشكل قيمة في التصنيف مثلما هو الحال أيضًا مع الأنظمة السياسية بمسمياتها المختلفة، فلا فرق بين نظام يقوده حزب قومي وآخر يقوده حزب إسلامي أو ليبرالي، الكل ينهلون من منبع سياسة التظليل في إدارة شؤون الدولة وفي التعامل مع شعوبهم. على سبيل المثال لا الحصر:

 

 

 

لمْ يُسألِ النّاس من قِبلِ كل الأنظمة التي حكمت العراق عن رأيهم قبل شنِّ الحرب ضد الكرد؟

 

 

 

 

لمْ يُسألوا قبل توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 مع نظام الشاه والتي تخلى العراق بموجبها عن نصف شط العرب للجارة إيران.

 

 

 

 

لمْ يُسألوا قبل أن تُمنح أراض عراقية لدول مجاورة (الأردن والسعودية والكويت).

 

 

 

 

 

لم يُسألوا قبل أن يتم تصفية الجبهة الوطنية التي كانت تجمع حزب البعث مع بقية الأحزاب العراقية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي.

 

 

 

 

لمْ يسألوا قبل العام 1980 فيما لو كانوا يريدون الحرب ضد نظام الملالي في إيران أم لا يريدون.

 

 

 

 

لمْ يُسألوا قبل أنْ يتم احتلال الكويت عام 1990. لمْ يُسألوا قبل الانسحاب من الكويت. لمْ يُسألوا قبل اتخاذ قرار المواجهة مع التحالف الدولي عام 2003. لمْ يُسألوا عن رأيهم بما كان يتم تداوله والاتفاق عليه سِرًّا بين الأحزاب العراقية التي كانت تعارض النظام السابق وبين استخبارات الدول الغربية قبل  العام 2003.

 

 

 

 

 

لمْ يُسألوا عن رأيهم بالدستور الذي كُتب بعد العام 2003. لمْ يُسألوا قبل أن يتم اتخاذ قرار اجتثاث من كان لهم صلة بحزب البعث من مؤسسات الدولة. لمْ يُسألوا قبل أن تفتح السلطة في العراق بزعامة المالكي صفحة جديدة مع نظام بشار الأسد قائمة على التعاون الأمني والعسكري بعد أن كان المالكي نفسه يتهمه بالمسؤولية الكاملة عن إدخال الإرهابيين والانتحاريين إلى العراق.

 

 

 

 

 

لمْ يُسألوا عندما سمح ساسة العراق لعشرات من المسلحين والميليشيات بالذهاب إلى سوريا ليقاتلوا إلى جانب نظام بشار. لمْ يُسألوا عن رأيهم بممارسات الجيش الطائفية مع أهالي الموصل قبل أن يفرَّ منها هاربًا دون أن يقاتل تنظيم داعش ساعة جاء ليحتلها.  لمْ يسألوا قبل أن يقتحم الجيش ساحات الاعتصام في مدن الغربية (الموصل والأنبار وصلاح الدين والحويجة) لتصبح بالتالي تلك المدن ساحات مفتوحة تنطلق منها التنظيمات الإرهابية.

 

 

 

 

سفينة على وشك الغرق

 

كثيرة هي المواقف التي اتخذتها الأنظمة والأحزاب والحكومات التي حكمت العراق ولم يؤخذ رأي الناس فيها قبل اتخاذها.

 

 

 

منهج التظليل هذا مازال ساري المفعول لدى النظام السياسي العراقي بعد العام 2003.

 

 

 

واليوم يدفع العراقيون مع حكومة العبادي الثمن غاليًا جراء سياسة التظليل التي تصر على المضي فيها.

 

 

 

 

فما أعلنه العبادي من حزمة إصلاحات خلال الأيام الماضية، والتي سنسميها جزافا إصلاحات ــ مع أنها لم تقدم شيئًا ملموسًا يطمئن المواطن ــ لم تكن في حقيقتها استجابة للتظاهرات التي انطلقت في شوارع المدن العراقية منذ نهاية شهر تموز 2015 والتي رفع فيها المتظاهرون شعارات تطالب بالإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، إنما جاءت ضمن السياق العام لسياسة التظليل،

 

 

 

 

 

 

فكانت محاولة بائسة للخروج من الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها الحكومة العراقية بعد أن أصبحت خزينتها فارغة من الأموال إلى الحد الذي سيصبح من الصعب عليها خلال الأشهر القريبة القادمة أن تتمكن من دفع رواتب الموظفين.

 

 

 

 

 

 

 

مثل هذا الوضع الذي لم تمر به الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921، إلى الحد الذي دفع الحكومة إلى الاقتراض من البنك الدولي لمرتين خلال هذا العام 2015، كما اقترضت أيضًا من ثلاثة مصارف عالمية (دويتشة بنك وسيتي غروب وجي بي مورغن) بمقدار ستة مليارات دولار وبفائدة ١٠،٣٧٪ سنويًا حتى عام ٢٠٢٨.

 

 

 

 

 

إذن ما يدعى بحزمة إصلاحات العبادي ليست سوى محاولة بائسة لذر الرماد في عيون المتظاهرين، لكي لا يدرك الناس حجم الكارثة المالية التي تحيط بالعراق، وستتضح صورتها القاتمة في الأيام القريبة القادمة، لكن مِن بعد أنْ يكون طاقم الفساد الحكومي قد هيأ لنفسه الخروج الآمِن مِن البلاد ليترك العباد يواجهون مصيرهم بأنفسهم وسط بحر هائج لا مستقر لأمواجه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد