يحلم الكثير منا بالتحرر من عاداته اليومية، ضجيج الحياة وإشعارات الهاتف المتلاحقة، ربما نحلم أيضًا ببعض المغامرة بقضاء ليالٍ مختلفة عن تلك التي عايشناها على مدى أعمارنا الماضية، يبدو الأمر للوهلة الأولى غير قابل للحدوث إلا عن طريق آلة للزمن تنقلنا إلى عوالم «ألف ليلة وليلة الأسطورية» أو قضاء بعض الأيام في قرية «إدرار أملال».

على بعد 300 كم من ساحل البحر المتوسط تقع قرية «إدرار أملال» في واحة سيوة المصرية على مساحة 74 فدانًا، قرية صغيرة تحمل كل علامات السكينة والسلام. قام بتصميمها الخبير البيئي المصري منير نعمة في تجربة فريدة لخلق عالم ملائم للطبيعة يحمل كل تفاصيل الحياة الصحراوية ببساطتها واختلافها.

تمثل إدرار أملال انعكاسًا لطبيعة واحة سيوة الصحراوية، للوهلة الأولى عندما تُلقي نظرة على مباني القرية تشعر بالراحة والطمأنينة، مبان تحمل طابعًا صحروايًا في كل تفاصيلها، فكل مباني القرية تم بناؤها من المواد الطبيعية، حوائط المباني تم بناؤها من المواد الرملية للحفاظ على درجات حرارة معتدلة في الأيام الحارة، الشمع الذي يضيء القرية مصنوع من شمع العسل، الأثاث والمفروشات كلها مواد ذاتية وبدائية الصنع، الأبواب من الخشب غير المطلي، والأثاث من جريد النخل وفروع الشجر.

تتميز القرية بعدم وجود كهرباء أو هواتف في تجربة فريدة للتحرر من ضغوط الحياة اليومية والعودة إلى أحضان الطبيعة. تُعد قرية إملال ملاذًا لكل الباحيثن عن السكينة والهدوء في قلب الصحراء المصرية، ومثالًا حيًا لتجربة فريدة تُعد الأولى من نوعها في مجال العمارة والسياحة البيئية.

تعيدنا هذة القرية إلى تجربة فريدة قام بها المعماري المصري حسن فتحي عندما قام ببناء قرية القرنة الجديدة في البر الغربي لمدينة الأقصر والتي بدأها 1945م على مساحة 50 فدانًا. كان حسن فتحي يحمل دومًا بداخله إيمانًا شديدًا بأن الريف المصري يعاني بشدة من نقص سُبل الحياة الاجتماعية التي توفر للفلاح المصري حياة كريمة. وكانت العقدة التي كان يواجهها دومًا باعتباره مهندسًا معماريًا هي انفصال العمارة الحديثة عن الجوهر المحوري الذي دومًا تقدمه العمارة كمساحة للفن والجمال.

ومن هنا جاءت فكرة العمارة البيئة والتي تم تطبيقها لأول مرة في قرية القرنة الجديدة، والتي اعتمد فيها كلية على مواد البناء الطبيعية «الطوب اللبن» والأشكال التراثية المصرية القديمة الإسلامية والفرعونية في البناء، إيمانًا منه بأن العمارة لا تنفصل عن التراث وأن الحداثة ربما تكون غير مُجدية في مجتمعات تحمل سمات الجمال والإبداع في تراثها البسيط كالريف المصري.

تجربة حسن فتحي كانت تجربة استثنائية، فلم تهتم فقط بالشكل وإنما اهتمت أيضًا بالمضمون، فقد كانت تصميمات حسن فتحي هدفها الأول خلق مجتمع متكامل مترابط اجتماعيًا وإنسانيًا، فكانت خطواته الأولى هي التعرف على البنية الديموجرافية لأهل القرنة الجديدة لكي يساعدهم على الاندماج السريع في هذا المجتمع الجديد بعد هجرتهم لقريتهم القديمة والتي كانت تقع على الضفة الغربية لنهر النيل فوق قمة منطقة أثرية كانت أحد أجزاء مقابر النبلاء، والتي تعرضت إلى عمليات نهب وسرقة مما اضطر الحكومة المصرية في ذلك الحين إلى إقامة قرية القرنة الجديدة وتهجير سكانها إلى القرية الجديدة والتي كانت بمثابة مهمة مستحيلة التحقيق في ذلك الوقت.

تميزت عمارة القرنة الجديدة بالبساطة والجمال والترابط الشديد، حيث راعى فيها أمورًا عدة أولها الملاءمة لنمط حياة الفلاح المصري وتوفير أبنية مناسبة صحيًا من حيث دخول أشعة الشمس والمحافظة على انخفاض درجات الحرارة في الصيف واعتدالها في الشتاء، استخدام مواد بيئية ملائمة للشكل التراثي البسيط مثل الطوب اللبن، الزجاج الملون، واستخدام القباب بدلًا من الأسقف المسطحة، والحليات المعمارية التي تعكس تراث المنطقة وتراث الفلاح المصري.

تخطت رؤية حسن فتحي للأمر على أنه مجرد بناء إلى رغبته في صُنع طفرة إنسانية حيث قام بتصميم أماكن تساعد الفلاحين على النهوض بهذا المجتمع الصغير، فقد قام بدراسة المجتمع جيدًا من حيث احتياجاته والتي تمثلت في افتقار أهل القرنة إلى وجود مهن تُدر عليهم أموالًا نظرًا لأن مصدر رزقهم الأول والوحيد كان قائمًا على سرقة محتويات المقابر الفرعونية القديمة والتي لم يتعلموا حرفة غيرها. فقرر فتحي إقامة مدرسة لتعليم الحرف اليدوية في القرية من أجل تعليم الصبية الصغار كل المهن الحرفية مثل صناعة السجاد والخزف وبناء القباب والزجاج الملون وغيرها.

أدرك أن القرية تفتقر للمياه النظيفة فقام بتصميم أدوات خاصة لتوفير المياة النظيفة لكل منزل من منازل القرية ومن أجل الحيوانات التي تعتمد حياة أهل القرية عليها. كما أنه قرر إقامة بحيرة صغيرة من أجل نشر الجمال وإضافة لمسة من البهجة والسكينة بين الفلاحين.

عند إقامته للقرنة الجديدة ظهرت أمامه مشكلة شديدة الخطورة وهي «مرض البلهارسيا» والذي كان يعاني منه ريف مصر في ذلك الوقت أشد المعاناة، فقام بتصميم البحيرة بنظام يتم من خلاله تنقية مياهها قبل أن تصب فيها عبر قناة صغيرة بالإضافة إلى صناعة سترات خاصة للفلاحين لارتدائها عند النزول إلى المياه لتقليل فرص الإصابة بمرض البلهارسيا.

ومن أجل نهضة فكرية كان فتحي يعلم جيدًا أنه لابد أن يحظى أبناء هؤلاء الفلاحين بفكر مختلف لا يقتصر فقط على توفير المدارس فقام بإنشاء مسرح صغير من أجل إقامة عروض فنية تعرض تراث الريف المصري وتمنح الفلاحين حق الاستمتاع والمعرفة.

قدم فتحي رؤية مختلفة لعالم أفضل كان يتمنى أن يتواجد على أرض الريف المصري ولكن لم تتوافر الظروف الملائمة لإكمال مشروع حسن فتحي، ولكن كانت مشاريعه بمثابة ثورة معمارية أضافت بُعدًا جديدًا يتلاءم مع الطبيعة ويوفر مساحة حرة للإبداع والبساطة في الريف المصري.

هذه الرؤى وغيرها تملأ العالم، تُخفف جروح القبح التي يعاني منها البشر في الأماكن التي يعيشون فيها، وفوق ذلك تمنح أملًا بأن الغد هو يوم آخر. ربما لا يحتاج العالم إلى ثورات شعبية بقدر ما يحتاج إلى ثورات فكرية تغير هذا الوجه المؤلم للعالم، تمنحنا مساحة للسكينة والسلام، ويقينًا بأن ما على هذه الأرض يستحق الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب عمارة الفقراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد